اقتباس
وقد وُفق الصدِّيق غاية التوفيق حين اختار هذا الدليل بالذات وقدَّمه على ما سواه من الأحاديث والآيات، لقد تلا قوله -تعالى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، آية جاءت في محلها؛ مست الجرح وأصابت الغاية وحققت الهدف...
دائمًا وأبدًا ما يُذكر أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- هو أول من آمن من الرجال، وقد اشتُهر ذلك واستفاض، وأنه: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ)، وأنه ذو مكانة عند نبينا -صلى الله عليه وسلم- الذي قال عنه: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر.."([1])، وأن أبا بكر هو خير الأمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم-...
لكن القليلين هم من يعرفون أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- هو كذلك أول خطيب في الإسلام.. نعم هو صاحب أول خطبة في الإسلام؛ فعن أم المؤمنين عائشة قالت: لما اجتمع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانوا ثمانية وثلاثين رجلًا، ألح أبو بكر -رضي الله عنه- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الظهور، فقال: "يا أبا بكر، إنا قليل"، فلم يزل أبو بكر يلح على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى ظهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبًا، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالسًا، فكان أول خطيب دعا إلى الله -عز وجل- وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-"([2]).
ولم يكن كأي خطيب، بل لقد شهد له الفاروق عمر نفسه بتميزه في الخطابة؛ ففي سقيفة بني ساعدة يقول عمر: "أردت أن أتكلم، وكنت قد زورت [هيأت وحسَّنت] مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد([3])، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت"([4]).
***
ولنا ها هنا وقفة مع جانب واحد من جوانب نبوغ أبي بكر الصديق؛ "أبو بكر خطيبًا مفوَّهًا خريتًا"، وها هي ذي خطبته عند موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مباشرة:
فعن عبد الله بن عباس: أن أبا بكر خرج، وعمر بن الخطاب يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: "أما بعد: فمن كان منكم يعبد محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت؛ قال الله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) إلى قوله: (الشَّاكِرِينَ)؛ قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها" فأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها؛ علمت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد مات"([5]).
وإن المتأمل في هذه الخطبة قليلة الكلمات غزيرة المعاني ليدرك كم فيها من العبر والدروس، لكننا لن نتناول منها إلا ما يهمنا كـ"خطباء" من سمات خطابية متميزة أثمرت نجاحها، وذلك في النقاط التالية:
أولًا: الحكمة والبصيرة والثبات:
يظهر ذلك جليًا حين نقارن بين موقف عمر وعثمان وبين موقف أبي بكر السابق، فأما عمر -رضي الله عنه- فقد ذهل عند موت النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: "والله ما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-... وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم"([6])، و"من قال إن محمدًا مات، علوته بسيفي"([7]).
وأما عثمان -رضي الله عنه- فقد خرج يصيح: "إن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- لم يمت ولكن رفع كما رفع عيسى ابن مريم -عليه السلام- وليرجعن، ولا يسمح أحد أن يقول: إن محمدا مات، إلا قطع لسانه، فإنّي أعلم أن قومًا من المنافقين يقولون: مات، فأولئك يمثَّل بهم وتكون عليهم دائرة السوء"، ثم غلبه البكاء، فدخل إلى بيته فمكث يومه ذلك يبكى بكاء شديدًا ما يقدر الخروج حتى خيف عليه([8]).
أما أبا بكر فكشف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقبَّله، وقال: "بأبي أنت وأمي، طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا"([9])، فقد وعى الأمر في حكمة وثبات، "وإنما قال أبو بكر: "لا يجمع الله عليك موتتين"؛ ردًا لما قال عمر: "إن الله سيبعث نبيه فيقطع أيدي رجال وأرجلهم"، أي: لا تكون لك في الدنيا إلا موتة واحدة"([10]).
ورغم حزنه العميق الشديد على حبيبه -صلى الله عليه وسلم- فقد خرج على الصحابة رابط الجأش متزن العقل، فلما وجد عمر يتكلم بكلام جانبه فيه الصواب، قال له في حزم ورسوخ: "اجلس يا عمر"، وفي رواية للبخاري أيضًا: "أيها الحالف على رسلك"، فأسكته، وما أمره بالصمت إلا ثقةً فيما يمتلك من تصور صحيح دقيق بحقيقة الوضع الذي يحيَونه.. لذا سمعنا الحكمة تقطر من كلماته الموفقة.
يقول ابن هبيرة شارحًا: "وفيه أيضًا ما يدل على فضيلة أبي بكر؛ أنه لم يستكن للمصيبة على عظمها... وفيه أيضا من الفقه: أن الرجل إذا كان في أمر مهم وأراد الإفصاح به، فتكلم إنسان بحضرته، فسكته فلم يسكت، أنه لا يشغل الوقت بالاشتغال بمجادلته وتسكينه، بل يعدل هو إلى ذكر ما يعلمه، كما فعل أبو بكر"([11])، وهذه أيضًا من حكمته كخطيب محنك خبير.
أخي الخطيب: قد يقع في زماننا من الأحداث الجسام ما يذهب بفؤاد اللبيب، ويحار فيه الخطيب؛ فلا يدري أي موقف يتخذ؟! أيؤيد أم يعارض؟! أيخوض أم يُحجم؟! فإذا امتلك الخطيب تلك البصيرة التي يدرك بها بواطن الأمور ومآلات الكلمات والأفعال، أورثه ذلك ثقة وثباتًا وحسن تقدير لما ينبغي وما لا ينبغي أن يقال للجمهور... وأساس البصيرة وعمادها: تقوى الله -عز وجل-؛ (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)، ثم العلم الشرعي، ثم الوعي بالواقع من حوله.
ثانيًا: القطع والقول الفصل:
في إحدى وعشرين كلمة حازمة حاسمة قاطعة صارمة أنهى أبو بكر الصدِّيق -رضي الله عنه- الأمر، وأيقظ النائم، ونبَّه الغافل، وقوَّم المائل، وأصلح المعوج: "أما بعد: فمن كان منكم يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله، فإن الله حي لا يموت".
فأما الثلث الأول من كلامه: "من كان منكم يعبد محمدًا"، فهي زلزلة وإيقاظ وتنبيه للصحابة؛ فلقد علَّمهم صاحبهم -صلى الله عليه وسلم- أنه عبد لله -تعالى-، علَّمهم أنه "بَشر": (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)، ربَّاهم على أنه لا يستحق العبادة إلا الله -عز وجل- وحده لا شريك له، وكم سمعوا القرآن ينعي على من يعبد سوى الله -تعالى-... فلا أشك أن هذه الكلمات هزت قلوب الصحابة وزلزلتها؛ أن يُعرَّض بهم هذا التعريض.
وأما الثلث الثاني: "فإن محمدًا قد مات"، ومن يجري عليه الموت لا يستحق العبادة، فهي نقض للجملة التي قبلها.
ومع أنها شبة جملة مكونة من اسم وفعل وحرفين، لكنها أيقظت فيهم أصلًا من أصول عقيدتهم وإيمانهم، وأحدثت ثورة في وجدانهم: إن الله وحده هو (الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ)، وكل من سواه يموت، ولو كان خاتم الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- نفسه، هي كلمات ذكَّرتهم أن الله خاطب نبيه -صلى الله عليه وسلم- في صراحة ووضوح فقال: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)، وأن القرآن الكريم جمع الحقيقتين سويًا قائلًا: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ).
وأما الثلث الأخير من خطبة الصديق الموجزة: "ومن كان منكم يعبد الله، فإن الله حي لا يموت": وهذه الجملة ردت السامعين إلى صوابهم وأعادتهم إلى رشدهم؛ وهل أهم في دينهم من إفراد الله -تعالى- وحده بالعبادة؟! وما دام "الله حي لا يموت" فهو المستحق الأوحد لأن يُعبد.
فيا لها من كلمات قليلات يغنين عن كثر من الخطب الطوال، كلمات قاطعات مقنعات واضحات، وهكذا فلتكن عباراتك -أخي الخطيب- رصينة مركزة حاسمة مقنعة، تقدِّم المقدمات البديهيات المتفق عليها، ثم تخلص منها إلى النتائج المنطقية الواضحة، تمامًا كما صنع الصِّديق -رضي الله عنه-.
ثالثًا: تدعيم الكلام بالدليل القوي الناصع:
فإن أبا بكر مهما أوتي من الفصاحة والتوفيق والحكمة فإن كلامه يبقى كلام بشر عادي، ليس بملَك مقرب ولا بنبي مرسل، وما دام كذلك فهو يحتاج -مثلي ومثلك- إلى دليل يطابق كلامه ويقويه ويؤكده.
وقد وُفق الصدِّيق غاية التوفيق حين اختار هذا الدليل بالذات وقدَّمه على ما سواه من الأحاديث والآيات، لقد تلا قوله -تعالى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)، آية جاءت في محلها؛ مست الجرح وأصابت الغاية وحققت الهدف، وقد لا تغني عنها غيرها في هذا المقام بالذات؛ فذكَّرتهم في بدايتها: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) فليس إلهًا ولا معبودًا ولا خالدًا، (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) الرسل جميعًا قبله قد ماتوا -باستثناء عيسى عليه السلام-، فما لمحمد -صلى الله عليه وسلم- لا يموت وهو من جملة الرسل والأنبياء.
ثم جاءت الكلمات القرآنية التي جسدت تلك اللحظة التي كان يحياها السامعون لخطبة الصدِّيق -رضي الله عنه-: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) يا الله! لكأن تلك الآية ما نزلت إلا لهذه الحادثة؛ حادثة موت النبي -صلى الله عليه وسلم-، كأنها ما نزلت إلا لتثبيت الصحابة في هذا الموقف العصيب والخطب الجلل، فإننا في الإسلام لا نُقَدِّس الأشخاص مهما بلغوا، وإنما نُقَدِّس المنهج المتمثل في الكتاب والسنة، وهما باقيان رغم موت من جاء بهما -صلى الله عليه وسلم-.
وبعد تلك الزلزلة جاء التخويف والترهيب: (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا)؛ فإن أخوف ما كان يخافه الصحابة أن يُقلِّب الله قلوبهم فيزيغوا عن الإسلام: فها هو الفاروق عمر -رضي الله عنه- يخاف أن يكون من المنافقين، ويتمنى لو لم يولد من الأصل، وأبو الدرداء يتمنى هو الآخر فيقول: "يا ليتني كنت شجرة تعضد وتؤكل ثمرتي ولم أكن بشرًا"([12])، بل وأبو بكر نفسه يتمنى: "والله لوددت أني كنت شجرة إلى جانب الطريق فمر علي بعير فأخذني فأدخلني فاه فلاكني، ثم ازدردني ثم أخرجني بعرًا ولم أكن بشرًا"([13]).
وهكذا فليفعل الخطيب اللبيب؛ ينتقي من الأدلة ألصقها بالواقع، وأدلها على المراد، وأوضحها في الإقناع وأنجحها في التأثير، فغالبًا ما تتاح لك -أخي الخطيب- أدلة كثيرة لتدلل بها على مرادك، وغالبًا -كذلك- ما يضيق الوقت عن ذكر جميعها، وإن أتيح الوقت فقد تفقد تركيز الناس معك! فما الحل إذن؟ الحل قلناه: أن تختار أدق الأدلة وأوضحها.
رابعًا: التأثير في السامعين:
إن من أبرز مؤشرات نجاح الخطبة: شدة تأثيرها في السامعين وتفاعلهم معها، فبذلك يُعلم أن الخطبة وصلت إلى هدفها، وأصابت مقصودها، وأدت مهمتها... وهذا واضح غاية الوضوح هنا، فما أن انتهى أبو بكر من خطبته إلا وتتابعت الاستجابات من الصحابة، يقول ابن عباس: "والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها"، ويقول عمر: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها...".
وكم في هذه الخطبة البليغة -على قصرها- من دروس للخطباء، ترسم لهم منهجًا يسيرون عليه، وتضع لهم الخطوط العريضة للنجاح الخطابي.
وستكون لنا -إن شاء الله- وقفات مع خطب أخرى للصدِّيق أبي بكر -رضي الله عنه-.
([1]) البخاري (466)، ومسلم (2382).
([2]) السيرة النبوية، لابن كثير (1/439)، ط: دار المعرفة بيروت، وسبل الهدى والرشاد، للصالحي (2/319)، ط: دار الكتب العلمية بيروت، وتاريخ الخميس، للدِّيار بَكْري (1/294)، ط: دار صادر، بيروت.
([3]) (أداري منه بعض الحد) "أي: أدفع عنه بعض ما يعتري له من الغضب ونحوه"(عمدة القاري للعينى (24/11)، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.
([4]) رواه البخاري (6830).
([5]) رواه البخاري (4454).
([6]) رواه البخاري (3667).
([7]) غاية السول، لزين الدين الملطي (ص: 64)، ط: عالم الكتب، بيروت.
([8]) إمتاع الأسماع، للمقريزي (14/559)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.
([9]) رواه البخاري (3667).
([10]) الكواكب الدراري، للكرماني (7/53)، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.
([11]) الإفصاح عن معاني الصحاح، لابن هبيرة (1/93)، ط: دار الوطن.
([12]) شعب الإيمان، للبيهقي (768).
([13]) نفس المصدر والموضع السابق.
التعليقات