عناصر الخطبة
1/الإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان 2/معنى الإيمان باليوم الاخر 3/من أوصاف اليوم الآخر 4/الموت أول منازل الآخرة 5/من ثمرات الإيمان باليوم الآخراقتباس
الْمُؤْمِنُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ مُطْمَئِنُ الْبَالِ مُرْتَاحُ الضَّمِيرِ، يُؤَمِّلُ رَحْمَةَ اللهِ وَعَفْوَهُ وَإحْسَانَهُ، وَيَخْشَى عَذَابُهُ، وَيُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ، وَيَعْمُرُ الْأرْضَ؛ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ أَنَّ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ يَوْمَاً، وَأَنَّ وَرَاءَ الدُّنْيَا آخِرَةً، إِنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا فَهُوَ يَرْجُو الْعِوَضَ فِي الْآخِرَةِ...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَالحينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الْأَمينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)[البقرة: 281].
عِبَادُ اللهِ: الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ هُوَ الرُّكْنُ الْخَامِسُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ، فَلَا يَصِحُّ إِيمَانُ الْإِنْسَانِ، وَلَا تَكْمُلُ أَخْلَاقُ النَّاسِ وَتَعَامُلَاتُهُمْ، وَلَا تَصْلُحُ نُفُوسُهُمْ وَتَطْمَئِنُّ إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِهِ؛ (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ)[البقرة: 177]، وَفِي حَدِيثِ جِبرِيلَ الْمَشْهُورِ لما أتَى يُعلِّمُ الأمَةَ أمْرَ دِينِهَا، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإيمَانِ؟ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيِّرِهِ وَشَرِّهِ"(أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).
وَالْإيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخَرِ: هُوَ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِكُلِّ مَا أَخَبَرَ بِهِ اللهُ -سُبْحَانَهُ- فِي كِتَابِهِ، وَأَخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- مِمَّا يَكْوُنُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ، وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْحَشْرِ وَالصُّحُفِ وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ، وَالْحَوْضِ وَالصِّرَاطِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ.
جاء أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أوْ العَاصُ بْنُ وَائِلٍ إلَى النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَفِي يَدِهِ عَظْمٌ رَمِيمٌ، وَهَوَ يَفُتُه وَيُذَرِيِهِ فِي الهَواءِ، وَيَقُولُ: يَا مُحَمَدُ، أتزْعُمُ أنَّ اللهَ يَبْعَثُ هَذَا؟! فَقَالَ: "نَعَمْ، يُميتُكَ اللهُ، ثُمَ يَبْعَثُكَ، ثُمَ يَحْشُرُكَ إلَى النَّارِ"؛ وَأنْزَلَ اللهُ: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)[يس: 77 - 79] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، فَالْإيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخَرِ حَقٌّ وَحَقِيقَةٌ، وَمَآلُ لَا مَنَاصَ مِنْهُ، وَلَا مَحِيدَ عَنْهُ؛ (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)[الانفطار: 19].
الْيَوْمُ الْآخِرُ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يَوْمُ الْحِسَابِ وَالْمُجَازَاةِ، يَوْمُ الْقِصَاصِ وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ، يَوْمُ الدِّينِ، الْمُلْكُ فِيهِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * ىالْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)[غافر: 16- 17].
ومَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ، وَالمَوتُ نِهَايَةُ كُلِّ حَي، وَهُوَ لَحْظَةُ انْتِقَالِهِ مِنْ عَالَمِ الدُّنْيَا إِلَى عَالَمِ الآخِرَةِ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)[المؤمنون: 115].
وَفِي لَحْظَةِ قَبْضِ الرُّوحِ تَأْتِي الْبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِ بِرِضْوَانِ اللهِ وَجَنَّتِهِ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)[فصلت: 30]، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ"، فَقُلْت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَكَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ!، فَقَالَ: "لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ؛ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ؛ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
عِبَادَ اللهِ: لَيْسَ الْمَوْتُ عَدَمَاً أَوْ نِهَايَةً، بَلْ هُوَ أَوَّلُ مَنازِلِ اﻵخِرَةِ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِيهِ تَفَاوُتًا عَظِيمَاً فِي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ يَبْقَوْنَ فِي قُبُورِهِمْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَأْذَنَ اللهُ بِنَشْرِ النَّاسِ وَبَعْثِهِمْ، فَيُجْمَعُونَ فِي أَرْضٍ بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ لَمْ يُعْمَلْ فِيهَا مَعْصِيَةٌ، حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ بَيْنَهُمْ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ)[الزمر: 68 - 70].
فِي الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ يُنْفَخُ فِي الصُورٍ، وَهَذِهِ الصَّعْقَةُ الَّتِي يَمُوتُ بِهَا الْأَحْيَاءُ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَقْبِضُ أَرْوَاحَ مَنْ بَقِيَ، حَتَّى يَكُونَ آخِرَهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى نَفْخَةُ الْبَعْثِ، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ مِنْ قُبُورِهِمْ، يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، حُفَاةً غَيْرَ مُنْتَعِلِينَ، عُرَاةً غَيْرَ مُسْتَتِرِينَ، غُرلاً غَيْرَ مُخْتَوْنِينَ؛ (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)[الأنبياء: 104]، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "يَحْشُرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلَاً"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
وَيَتَجَلَّى اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- لِلْخَلَائِقِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَتُنْشَرُ الْصُحُفُ، وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئَاً؛ (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)[الشورى: 7].
فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ يُحَاسَبُ الْعَبْدُ عَلَى عَمَلِهِ، وَيُجَازَى عَلَيْهِ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ)[الغاشية: 25 - 26]، وَقَالَ -تَعَالَى-: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)[الأنبياء: 47].
وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ هُمَا الْمَآلُ الْأبَدِيُّ لِلْخَلْقِ، فَالْجَنَّةُ دَارُ النَّعِيمِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ -تَعَالَى- لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَقِينَ، وَفِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ؛ "مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذْنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ"، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[السجدة: 17].
وَالنَّارُ هِي دَارُ الْعَذَابِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ -تَعَالَى- لِلْكَافِرِينَ وَالظَّالِمِينَ، الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وَعَصَوْا رُسْلَهُ، وَفِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَالنَّكَالِ مَا لَا يَخْطُرُ عَلَى الْبَالِ؛ (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)[آل عمران: 131]، (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا)[الأحزاب: 64 - 66].
الْإيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخَرِ لَهُ ثَمَرَاتٌ جَلِيلَةٌ عَلَى حَيَاةِ الْعَبْدِ فِي حَالِهِ وَمَآلِهِ، فَهُوَ يُصَحِحُ مَسَارَ الْعَبْدِ؛ فَيُورِثُهُ صَلَاَحَاً فِي عَمَلِهِ، وَزَكَاءً فِي نَفْسِهِ، وَاسْتِقَامَةً فِي سَيْرَتِهِ؛ فَتَنْبَعِثُ الْجَوَارِحُ إِلَى الطَّاعَاتِ، وَتُكْفُ عَنِ السَّيِّئَاتِ، فَمَنْ آمَنَ بِالْيَوْمِ الْآخَرِ حَقَّ الْإيمَانِ، وَكَانَتِ الْآخِرَةُ حَاضِرَةً فِي قَلْبِهِ، كَفَّ عَنِ الْحَرَامِ، وَابْتَعَدَ عَنِ الْآثَامِ، فَلَا ظُلْمَ وَلَا فَسَادَ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)[العنكبوت: 36].
الْمُؤْمِنُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ مُطْمَئِنُ الْبَالِ مُرْتَاحُ الضَّمِيرِ، يُؤَمِّلُ رَحْمَةَ اللهِ وَعَفْوَهُ وَإحْسَانَهُ، وَيَخْشَى عَذَابُهُ، وَيُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ، وَيَعْمُرُ الْأرْضَ؛ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ أَنَّ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ يَوْمَاً، وَأَنَّ وَرَاءَ الدُّنْيَا آخِرَةً، إِنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا فَهُوَ يَرْجُو الْعِوَضَ فِي الْآخِرَةِ، وَمَا وَقَّعَتْ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَةٍ فَإِنَّهُ يَحْتَسِبُهَا، وَإِنْ رَأَى نَعِيمَاً فِي الدُّنْيَا تَذَكَرَ نَعِيمَ الْآخِرَةِ؛ (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)[العنكبوت: 64]، فَالْإيمَانُ بِالْيَوْمِ الْأُخِرِ يُسَلِّي الْمُؤْمِنَ عَمَّا يَفُوتُهُ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَرْجُوهُ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَثَوَابِهَا.
وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ: الْأخْذُ بِأسْبَابِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ مِنَ التَّوْبِةِ النَّصُوحِ، وَمُلَاَزَمَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالثُّبَّاتِ عَلَى الْحَقِّ وَالْحَذَرِ مِنَ َمُوجِبَاتِ الضَلَّالِ؛ خَشْيَةَ أنْ يَمَوُتَ عَلَى خَصْلَةٍ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ، وَالدُّعَاءُ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ؛ كَمَا قَالَ يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)[يوسف: 101].
اللَّهُمُّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُؤَمِّنُ بِالْآخِرَةِ أَعَظْمَ الْإيمَانِ، وَيُوقِنُ بِهَا حَقُّ الْيَقِينِ، وَاجْعَلْنَا عِنْدَ الْفَزَعِ مِنَ الْآمِنِينَ، وَإِلَى جَنَّاتِكَ سَابِقِينَ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيمُ.
الخُطبَةُ الثَّانيةُ:
الحمْدُ للَّهِ وَكَفَى، وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الْذِينَ اصْطَفَى.
وَبَعْدُ: فَاتَّقَوْا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَإِيَّاكُمْ وَالْغَفْلَةَ عَنْ يَوْمِ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَنِسْيَانَ لِقَاءِ اللهِ، فَمَنْ ازْدَادَ يَقِينَهُ وَاسْتِحْضَارَهُ لِيَوْمِ الْحِسَابِ وَالْمُعَادِ اِزْدَادَ إيمَانُهُ وَحَذَرُهُ، فَأَحْسَنَ الْاسْتِعْدَادَ وَأَعَدَ الزَّادَ؛ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[الحشر: 18].
وَاِعْلَمُوا -رَحِمَكُمِ اللهُ- أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاَةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيهِ؛ فَقَالَ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56]، اللَّهُمَّ صِلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَاِرْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ قَضَوْا بِالْحَقِّ وَبِهِ كَانُوَا يُعَدِّلُونَ، أَبِي بِكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَنْ بَقِيَّةِ الْعَشَرَةِ، وَأَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجَمْعَيْنِ، وَعَنَا مَعَهُمْ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أكْرَمَ الأكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ وَالمُسلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا البَلدَ آمِنَاً مُطمَئنًا وَسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللَّهُمَّ وفِّق خَادَمَ الحَرَمينِ الشَريفينِ، وَوَليَ عَهدِهِ لمَا تُحبُ وَترْضَى، يَا ذَا الجَلالِ وَالإكْرَامِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.
عِبَادَ اللهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
التعليقات