عناصر الخطبة
1/نصح النبي صلى الله عليه وسلم لأمته 2/تحذير شديد من الفتن 3/من وسائل النجاة من الفتن 4/السمع والطاعة لولي الأمر 5/حفظ الدين وحقن الدماء واستتباب الأمن.

اقتباس

والمؤمن يخاف ولا يأمن، ويطلب النجاة من الفتن ولا يركن، وكم من فتنٍ حلّت بالناس فجرفت أقواماً كانوا أبعد ما يكونون عنها، تجلت الفتن عن أقوامٍ فتنوا، وأقوامٍ هلكوا، وأقوامٍ أمسوا مؤمنين وأصبحوا كفار، كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-. لذلك كلِّه المؤمن يخاف، ويسأل ربه النجاة من الفتن، ولا يستهين بها، ولا يتطلب الخوض فيها...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله....

 

أما بعد: فقد روى مسلم في صحيحه عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، فَأَتَيْتُهُمْ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فقال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ؛ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: الصَّلَاةَ جَامِعَةً.

 

فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ"، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللهَ آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ق؟ فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ، وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ، وَقَالَ: «سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي». 

 

صلوات ربي وسلامه على النبي الناصح، الذي تركنا على المحجة البيضاء، إنه لحديث ما أعظمه! ووصايا ما أجلها!

 

تأمل -يا مبارك- حالَ النبي وهو يرقب القوم وهم مشغولون بأمورهم، فلم تهنأ نفسه حتى دعاهم وجمعهم ليوصيهم، وهكذا كان -صلى الله عليه وسلم- رحيمًا بأمته حريصًا على نجاتهم، وكذا كان الأنبياء، وهكذا ينبغي أن يكون كل مصلح، يدل الناس على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، والمؤمنون نَصَحة، والمنافقون غَشَشَة، وليس بناصح مَن رآك على خطأ فتركك، أو على منكر فوافقك.

 

ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن أمتكم هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا".

 

السابقون الأوائل، الصحابة الكرام لن يبلغ أحد مدارجهم، والخير في أول الأمة أكثر منه فيما بعدها، وما زال الناس في تغير ونزول كلما بعدوا عن زمن النبوة، وفي الصحيح "لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌّ منه".

 

ثم قال: "وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ، فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا"؛ تكثر الفتن وتتتابع، تأتي الفتنة يعدّها الناس كبيرة، ثم تأتي التي بعدها فتصبح الأولى بالنسبة لما حلّ بعدها رقيقة يسيرة، تأتي الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلكتي، يخشى الانجرافَ فيها، والوقوعَ في شَرَكها، ثم تنكشف، وتأتي بعدها فتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، أي هذه التي ستهلكني، لِتتابع الفتن، وشدة خطرها، وكثرة من تجرفهم في حمأتها. 

 

والمؤمن يخاف ولا يأمن، ويطلب النجاة من الفتن ولا يركن، وكم من فتنٍ حلّت بالناس فجرفت أقواماً كانوا أبعد ما يكونون عنها، تجلت الفتن عن أقوامٍ فتنوا، وأقوامٍ هلكوا، وأقوامٍ أمسوا مؤمنين وأصبحوا كفار، كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

لذلك كلِّه المؤمن يخاف، ويسأل ربه النجاة من الفتن، ولا يستهين بها، ولا يتطلب الخوض فيها.

 

وبعد أن وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- حال الفتن وتتابعها أرشدنا في هذه الحديث لطريق النجاة منها من خلال ثلاث وسائل، ولعمر الله ما أحوجنا لارتسام هذا المنهج في أزمان الفتن!

 

قال -صلى الله عليه وسلم-: "فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ".

 

هذه الأولى: أن تُحقِّق الإيمان في قلبك وتتعاهده في أزمان الفتن؛ لأن الناس تطيشُ عقولهم، وتختلّ موازينهم، وتتحكم فيهم عواطفهم، والمؤمنُ منضبطٌ بضابط الشرع في كل وقت ولا سيما أوقاتَ الفتن، يتعاهد نفسه في المحافظة على الأوامر، وتركِ النواهي، والبُعْدِ عن مواطن الفتن.

 

ولأجل ذا فنبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: "العبادة في الهرج كهجرة إليَّ"؛ أي: أوقات الفتن، وما ذاك إلا لأن الناس عندما تحلّ الفتن بهم ينشغلون عن التعبُّد بالقيل والقال، ولن تنكشف الفتن إلا بتعبُّد الناس لربهم وعودتهم إليه. 

 

لذا كان ثواب العابد لله أوقات الفتن عظيماً كأنه هاجَر للمصطفى الكريم -صلى الله عليه وسلم-، فإن رُمتَ النجاة -يا مؤمنُ- من الفتن فلازم الواجبات واترك المحرمات، واحفظ لسانك، وتعاهد قلبك، وتَرَقَّ في سُلّمِ العبودية فذاك أعظم وسائل النجاة.

 

عباد الله: وأما الوسيلة الثانية للنجاة من الفتن فرسمها -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "وليأت إلى الناس الذي يحب أن يُؤتَى إليه".

 

إنها قاعدةٌ من بديع الحكم، وجامعةٌ من جوامع الكلم، إن أردت النجاة فافعل مع الناس ما تحب أن يفعلوه معك، انصح لهم وأحسن إليهم، صِلْهم واكْفُف المكروه عنهم، كما تحب أن يصنعوا هم بك ذلك، وفي الأمراء اسمع لهم وأطع، وأدّ لهم حقّهم كما أنك تحب أن يؤدوا لك حقك.

 

وما ذاك إلا لأن المؤمن يتعامل مع الناس بأخلاقه لا بأخلاقهم، فمتى ما حقق ذلك، وأعطى للناس ما يحب أن يعطي، فذاك من أعظم أبواب تسليم الله له وحفظه.

 

اللهم احفظنا من الفتن وسلمنا من غوائلها.

 

 

الخطبة الثانية: 

 

وفي خاتمة الحديث قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ".

 

لقد كان الناسُ قبلَ بِعثة محمد -صلى الله عليه وسلم-، يأنفون من السمع والطاعة لأحدٍ، ويرون ذلك مهانة، ونقصاً، وفي هذا يقول عمرو بن كلثوم:

وأيامٌ لنا غرٌ طوالٌ  *** عصينا المُلك فيها أن ندينا

 

ولما جاء الإسلام كان مما أرساه نبينا -صلى الله عليه وسلم- انضباطَ الناس تجاه والٍ يمتثلون أمره، وإليه يُرجع عند التنازع، لتستقيم الأمور، وتتحد الكلمة ولا تتشعب الآراء. 

 

ولذا فعلى المسلم بيعةٌ لولي الأمر، ليس بمطلوبٍ أن يقوم بها بنفسه، وإنما العامّة تبعٌ لأهل الحَلّ والعقد من العلماء والوجهاء، فإذا بايعوا إماماً على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- تعيّن على الجميع السمعُ والطاعة، وعدمُ الخروج عليه، ديانة لله -تعالى- وامتثالاً لأمره القائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)[النساء: 59].

 

ومن تأمل هذه الوصية العظيمة وجد أنه ما دخلت الشرور وسُفِكت الدماءُ وحصل الاضطراب إلا حين اختلّت هذه القضية، ونبذَ البعض الطاعة.

 

وهذه الطاعة يا كرام إنما تكون بالمعروف، في غير معصية الله، فإن أُمِر المرءُ بمعصيةٍ فطاعة الله هي الأصل، وفي الصحيح «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ والطَّاعَةُ فِيمَا أحَبَّ وكَرِهَ، إلا أنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيةٍ، فَإنْ أُمِرَ بِمَعْصِيةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ» 

 

إذا وُجِد هذا عباد الله وكانت الطاعةُ في غير معصيةٍ وجبت حينها ولو فات المرءَ بعضُ دنياه، واستؤثر عليه بها، لأن الدين أغلى من الدنيا، فلو فات منها ما فات فيبقى الدين آكد، وفي الصحيح «عَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ في عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأثَرَةٍ عَلَيْكَ» 

 

«اسْمَعُوا وأطِيعُوا، وَإنِ استُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشيٌّ، كأنَّ رأْسَهُ زَبيبةٌ» "يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فقال: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ».

 

فإذا أعطى الناسُ البيعةَ وخرج من يُنازِع الأول وجب ردّه وكفّه، فإن لم يندفع إلا بالقتل فيُقتل، ولذا قال: (فاضربوا عنق الآخر) أما والله ليس هذا من الشريعة إرخاصاً لدم، بل هو حفظٌ للدماء، لأن في ردِّ عاديةِ واحدٍ حفظٌ لدماءٍ كثيرة قد تسيل بسبب ترك المجال له.

 

وهكذا تنظر الشريعة للمصلحة الأكبر، وهي حفظ الأديان وحقن الدماء واستتباب الأمن الذي قد يكون قبل وقوعه قتال وربما قتلٌ لمن خرج.

 

وإنْ سفك المرءُ دماً وجب القصاص منه، ومن نعمة الله علينا في هذه البلاد تحكيم شرع الله في القضاء، وإقامة الحد على من خرج على الناس وسفك الدماء، ففي ذلك استتباب الأمن، وردُّ العدوان، وحفظٌ للضرورات.

 

وبعد فتلكم وقفات مع هذا الحديث العظيم، وتأملات في كلمة من كلمات المصطفى الكريم، التي أرست لنا معالم النجاة من الفتن، فاللهم وفقنا للاهتداء بالوحيين، وارزقنا الفقه في الدين، واحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن،

 

اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life