سورة الكافرون: مشاهد إيجاز وإعجاز

صغير بن محمد الصغير

2026-01-20 - 1447/08/01
عناصر الخطبة
1/فضائل سورة الكافرون 2/البراءة التامة من الشرك وأهله 3/الولاء لله وحده 4/الرفض القاطع لأي مساومة على دين الله 5/تفسير آيات سورة الكافرون.

اقتباس

سورة الكافرون ليست مجرد إعلان براءة، بل هي ميثاقُ وفاء، ووثيقةُ إخلاص، وتاجُ ثبات على طريق لا يقبل التنازل ولا الانحناء، مهما طال الطريق، واشتد البلاء. سورة الكافرون: مكية، وعدد آياتها (ست) آيات. محورها الأساسي: إعلان البراءة التامة من الشرك وأهله...

الخُطْبَة الأُولَى:

 

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الجبار، الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدّره تقديرًا. نحمده -سبحانه- ونشكره، ونعوذ بنور وجهه الكريم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله؛ فإن تقواه وصيته للأولين والآخرين، وأمان النجاة في الدنيا ويوم الدين.

 

أيها المؤمنون: نقف اليوم مع سورة عظيمة، سُمّيت بسورة الإخلاص في العبادة، كما سمّيت أختها سورة الإخلاص في التوحيد. إنها سورة الكافرون، تلك السورة التي نزلت على قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحمل في حروفها البراءة التامة من الشرك وأهله، وتؤسس لمعنى الولاء لله وحده، والرفض القاطع لأي مساومة على دين الله.

 

قال -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)[الكافرون: 1- 2]؛ كلماتٌ تحمل من القوة والثبات ما يُزلزل عروش الباطل، ويُظهر عزة الموحد، وثبات المؤمن، واستعلاء العقيدة على كل مساومة أو مداهنة.

 

سورة الكافرون ليست مجرد إعلان براءة، بل هي ميثاقُ وفاء، ووثيقةُ إخلاص، وتاجُ ثبات على طريق لا يقبل التنازل ولا الانحناء، مهما طال الطريق، واشتد البلاء.

 

سورة الكافرون: مكية، وعدد آياتها (ست) آيات. محورها الأساسي: إعلان البراءة التامة من الشرك وأهله.

 

سبب نزول السورة: ذكرت الروايات أن قريشًا عرضت على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا الله سنة؛ طمعًا في مساومة تجمعهم، فأنزل الله -تعالى- هذه السورة قاطعًا كل طريق للمساومة، ومؤكدًا المفاصلة الكاملة بين التوحيد والشرك.

 

ومعاني السورة: في قوله -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ): أمر الله نبيه أن يصرّح بخطابه للكافرين، مع وصفهم بكفرهم، لا بأسمائهم، إشعارًا بأن القضية تتعلق بالدين لا بشخص معين على مر التاريخ والأزمان، والتعبير بـ(قُلْ) لافت للأنظار أن ما بعد هذا القول رسالة من رب العزة أُمِرَ النبي بتبليغها، ومع قربهم المكاني نودوا بالياء الدالة على البعيد لبُعْد المنادى عليهم بمعاصيهم عن المنادى -سبحانه وتعالى- ولبعدهم عن هدى النبي -صلوات ربي وسلامه عليه-، والنداء يفيد استرعاء السمع وإقبال الأذهان لما يقال.

 

وفي عموم الخطاب يقول ابن كثير -رحمه الله-: "قوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)؛ شمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفار قريش".

 

وقوله -تعالى-: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)[الكافرون: 2]؛ نفي عبادة أصنامهم بالمطلق.

وقوله -تعالى-: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) [الكافرون: 3]؛ نفي عبادتهم لله بالوجه الصحيح المأمور به.

 

وقوله -تعالى-: (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ)[الكافرون: 4]؛ تكرار النفي تأكيدًا واستمرارًا، بمعنى أن لا اجتماع بين التوحيد والشرك لا الآن ولا مستقبلاً.

وقوله -تعالى-: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)[الكافرون: 5]؛ تأكيد لاستمرار المفاصلة الدينية.

 

والتكرار في هذه السورة أتى على معاني منها: التأكيد وبيان إعجاز القرآن في الإخبار عن المستقبل بأنهم سيظلون على كفرهم، وسيظل النبي -صلى الله عليه وسلم- على توحيده لله -عز وجل-، أو قصد بالأولى الحال وبالثانية الاستقبال، وعلى هذا المعنى لا يوجد تكرار لتغاير المعنى، ويحتمل أن يكون التكرار أتى موافقة لتكرار سؤالهم النبي فكررت الإجابة من عند الله -تعالى-، أو كررت الإجابة لتكرار الوقت بقولهم أنهم سيعبدون آلهتهم سنة ويعبدوا الله سنة.

 

وقوله -تعالى-: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)[الكافرون: 6]؛ إعلان التباين الكامل: لكم طريقتكم ومعبوداتكم الباطلة، ولي ديني الحق الذي لا مساومة عليه. ومن الآيات المشابهة في معنى هذه الآية قوله -تعالى-: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ)[يونس: 41]، وقوله -تعالى-: (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ)[القصص: 55].

 

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)؛ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ".

 

ومن السنن الكونية والشرعية المستنبطة من السورة:

أولاً: السنن الكونية: سنة الاختلاف بين الحق والباطل: سُنة ماضية، فلا يتفق أصحاب التوحيد مع أهل الشرك في العقيدة والمنهج أبدًا.

 

سنة الثبات على المبادئ: أهل الإيمان لا يُساوَمُون على دينهم مهما اشتدت الضغوط أو كثرت المغريات.

 

سنة التمايز بين الصفوف: يظهر الفرق جليًّا بين المؤمنين والكافرين في التصور والسلوك، "وميز بين الفريقين، وفصل بين الطائفتين، فقال: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)".

 

ثانيًا: ومن السنن الشرعية: وجوب البراءة من الشرك وأهله: لا يصح لمسلم أن يرضى بالكفر أو يتساهل معه. قال ابن عباس: ليس في القرآن سورة أشد غيظاً لإبليس من هذه السورة؛ لأنها توحيد وبراءة من الشرك.

 

وجوب إعلان التوحيد بوضوح: يجب على المسلم أن يُعلن عقيدته ولا يُخفيها خوفًا أو طمعًا، كما قال السعدي -رحمه الله-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)؛ أي قل: للكافرين معلنا ومصرحًا (لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)؛ أي: تبرأ مما كانوا يعبدون من دون الله، ظاهرًا وباطنًا".

 

عدم جواز المساومة على التوحيد: فالدين الحق غير قابل للتنازل أو التفاوض؛ وقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)؛ أي: إن كل فريق يتحمل نتيجة اختياره، دون ظلم أو إكراه.

 

وفي مناسبة السورة لما قبلها وبعدها أسرار عجيبة: فمناسبتها لما قبلها سورة الكوثر: في سورة الكوثر، أمر الله نبيه بإخلاص العبادة له وحده (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)[الكوثر: 2]، فجاءت سورة الكافرون تأكيدًا لهذا الأمر، فصرَّحت بالبراءة التامة من عبادة غير الله، وعدم قبول المساومة في الدين.

 

وفي مناسبتها لما بعدها سورة النصر: في سورة الكافرون كان التمييز واضحًا بين المؤمنين والكافرين، فجاءت سورة النصر تُبَشِّر النبي بأن النصر سيكون لدين الله وسيدخل الناس في دين الله أفواجًا بعد الثبات على الحق.

 

ولنعلم أنّه مع البراءة من الشرك والكفر وأهله؛ يجب أن يتعامل المسلم مع الكفار بالبر والقسط وعدم الاعتداء والظلم؛ قال الله -تعالى-: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الممتحنة: 8].

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله.. اتقو الله.

 

أيها الإخوة: ومن فضائل سورة الكافرون أنها تعدل ربع القرآن، روى عبد الله ابن عباس -رضي الله عنهما-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن»(رواه الترمذي 2894 وصححه الألباني).

 

وأَوَّل العلماء عدل سورة الكافرون لربع القرآن "بأن القرآن فيه مأمورات ومنهيات، وكل منهما إمّا أن يتعلق بالقلب والجوارح، وإما أن يتعلق بالجوارح، وهذه السورة تتضمن القسم الثالث أعني النهي المتعلق بالقلب فكانت ربعاً لما يتعلق بالتكاليف من القرآن بل ربعاً للقرآن؛ لأن المقصود الأصلي من المواعظ والقصص وغيرها هو التزام التكاليف كما قال -سبحانه-: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات: 56].

 

وأخرج الإمام الترمذي في سننه عن فروة بن نوفل، أنه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله علّمني شيئًا أقوله إذا أويت إلى فراشي، قال: "اقرأ: قل يا أيها الكافرون فإنها براءة من الشرك"(سنن الترمذي 3403، وصححه الألباني).

 

اللهم اجعلنا من عبادك الموحدين الثابتين على دينك، اللهم عاملنا بإحسانك، وتولّنا برحمتك وغفرانك، واجعلنا من عبادك المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life