فوائد وعظات من سورة العصر

عبدالله الجهني

2026-01-17 - 1447/07/28
عناصر الخطبة
1/أنفع الكلام وأحلاه كلام الله 2/مواعظ وفوائد وأحكام من "سورة العصر" 3/الوصية بتقوى الله واغتنام الأعمار

اقتباس

اعلموا أنَّكم في دُور الاختبار، وستظهر النتائجُ عن قريب؛ فقوُّوا صِلتَكم بالله -تعالى-، وشُدُّوا عزائمَكم، وشمِّروا عن سواعدكم؛ وتحصَّنوا بكتاب الله -عز وجل- وبسُنَّة نبيِّه -عليه الصلاة والسلام- مِنْ مُحدَثاتِ الأمورِ...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ لله؛ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَنْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومَنْ يُضلِلْ فلن تجد له وليًّا مرشدًا. وأشهد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له؛ الواحدُ الأحدُ، الفردُ الصمدُ، المُنزَّهُ عن الصاحبةِ والولدِ؛ لم يلِد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحدٌ.

 

وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، خاتمُ الأنبياءِ والمرسَلينَ؛ صلى الله -تعالى- عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسَلينَ الذين أرسلَهم اللهُ إلى الناس مُبشِّرينَ ومنذرينَ؛ فدَعَوْهُم إلى توحيد الله -تعالى- وإخلاص العبادة له، وبصَّروهم بمزالقِ الشركِ والاعتقاداتِ الباطلةِ المُهلِكةِ، وجادَلُوهم بالحسنى؛ فكانوا هم حُجَّة الله على خلقه.

 

أما بعدُ؛ فيا أيها الناسُ: اتقوا اللهَ -تعالى- حقَّ تقواه إن كنتُم مؤمنينَ؛ واعبدوه كما أمركم بعبادته وتوحيده مُخلِصينَ له الدينَ، واذكروا نعمةَ الله عليكم إذ سمَّاكم "المسلمين"؛ وجعلَكم في أمة نبيِّ الرحمة -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ الذي بعثَه فيكم يتلو عليكم آياتِه ويُزكِّيكم ويُعلِّمكم الكتابَ والحكمةَ.

 

عبادَ اللهِ: إنَّ أنفعَ الكلامِ وعظًا، وأحلاه على التكرار لفظًا: كلامُ من أنزلَ القرآنَ تبيانًا وتولَّاه حِفظًا. ومن ذلكم سورةٌ من سور القرآن الكريم؛ وهي ثلاثُ آيات، وأربعُ عشرة كلمة، وثمانيةٌ وستونَ حرفًا؛ نزلت بعد سورة الشرح. تُمثِّلُ منهجًا إسلاميًّا متكاملًا، وترسُم نظامًا شاملًا للبشر، وتُنقِذُ الإنسانَ من رَدْغَةِ الخُسْران، وتُبيِّنُ وظيفتَه التي رَبَّى النبيُّ -صلى الله عليه وآله وسلم- تسليمًا- أُمَّتَه عليها؛ وهي: "سورة العصر".

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)[الْعَصْرِ: 1-3].

 

أقسَم الخالقُ -سبحانه وتعالى- بهذا العصر؛ ولله أن يُقسِم بما يشاءُ من مخلوقاته، أما العباد فليس لهم أن يُقسِموا إلا بالله -تعالى-؛ فالعصر -يا عبادَ اللهِ- هو الدهر، وهو الزمان الذي تقعُ فيه حركاتُ بني آدم؛ والمُشْتَمِلُ على الأعاجيب التي تُحيطُ به في زمنه. تقعُ فيه السراءُ والضراءُ، والصحةُ والمرضُ، والغنى والفقرُ، والعزُّ والذلُّ، والطاعةُ والمعصيةُ، والنومُ واليقظةُ، والغفلةُ والصحوةُ، والاجتماعُ والافتراقُ، والعملُ والكسلُ، والربحُ والخسارةُ، والحياةُ والموتُ؛ فالزمان مَركَبُ الإنسانِ إلى الآخرة؛ يحملُ متاعَه وبضاعتَه، وهو مزرعةُ الأعمال؛ فكل يومٍ يمرُّ على الإنسان يُقدِّمُه إلى الآخرة، ورأسُ مالِ الإنسانِ عمرُه، فإذا أضاعَه في اللهوِ واللعبِ فهو خاسرٌ؛ فأيُّ خسارةٍ أعظم من حرمانه من مُناجاة ربِّه؟! "كلُّ الناسِ يغدو؛ فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا". فهو مُستودعُ أعمال العباد خيرها وشرِّها. فحياةُ الإنسان إمَّا أن يصرفَها في المعاصِي -وذلك أقبحُ الخسران وأشدُّه-؛ وإمَّا أن يصرفَها في المُباحات. فإذا صرفَها في الطاعات فإن مراتبَ العبادة والخشوع متفاوتة؛ فما من طاعةٍ إلا ويمكنُ الإتيانُ بها بصورةٍ أفضلَ وأكملَ؛ فهو وإن كان رابِحًا إلا أنَّه يشعُرُ بفوات رِبحٍ أكبر فيندم ويشعُرُ بالخُسران.

 

وعلامةُ الرِّبحِ: حبُّ الآخرةِ وإيثارُها على الدنيا؛ وعلامةُ الخُسران: حبُّ الدنيا وإيثارُها على الآخرة. والوسطُ فيه النجاةُ؛ قال -تعالى-: (رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201].

 

عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ؛ فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى"(رواه أحمد).

 

والإنسان منغمسٌ في الخُسر؛ إلا مَنِ استثنى اللهُ -تبارك وتعالى-؛ وهم المتَّصفون بصفاتٍ أربعٍ، هي: الإيمانُ، والعملُ الصالحُ، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر والثبات.

 

صفاتٌ تضافرَت فيها قوةُ الإيمانِ وقوةُ البدنِ والدِّينِ والأخلاقِ، مع قوة العلم وقوة الأدوات المادِّية؛ وتضافرَت فيها القوةُ المعنويَّةُ والقوةُ الحسِّيةُ؛ فصارت لها القيادة والسيادة والأمر والنهي؛ فأقامت العدلَ ونشرت الأمنَ، وكانت مع الله في كل شؤونها فكان الله معها في كل أحوالها؛ فقادوا العالَمَ إلى طريق الربح والسعادة.

 

رُويَ عن أحد السلف الصالح قوله: قال: "لقد قرأت سورة العصر عشرين عامًا ولا أفهمُ معناها؛ وكنتُ أفكرُ: كيف يكونُ الأصلُ في الإنسان الخُسران واللهُ يؤكِّده بكل المؤكِّدات، ثم يستثنِي اللهُ الناجينَ من الخُسران بتلك الصفات الأربع؟ إلى أن سمعتُ يومًا بائعًا للثلج يُنادي على بضاعته مُستعطِفًا الناسَ فيقول: (ارحموا مَنْ يذوبُ رأسُ مالِه)؛ لأن الثلج ماءٌ متجمِّدٌ، وقطرةُ الماء التي تسقطُ لن تعود مرةً أخرى؛ هنا فهمتُ أن هذا هو معنى القَسَم في سورة العصر".

 

فرأسُ مالِكَ -أيها الإنسانُ- في هذه الدنيا هو عمرُكَ، واللحظةُ التي تمرُّ من عمرِكَ لن تعود ثانيةً؛ فكلُّ واحدٍ منا يذوبُ رأسُ ماله. فانتبِهوا لرأس مالكم -وهو الوقت الذي تحيَون فيه قبل أن ينتهي الأجل-. انتبِهوا لمن يسرقُ منكم رأسَ مالكم، وكلُّ واحدٍ منا يَعرِف مَنِ الذي يسرقُ منه رأسَ مالِه. لا تُضيِّعْ لحظةً من رأس مالك وأنتَ في غير ذكرٍ لله، أو طاعةٍ لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

وبعدُ؛ أيها المسلمون: ففي صَخَبِ الحياةِ وخِضَمِّها المتلاطمِ بموجاتِ الخسرانِ والضلالِ؛ يَظهَر عبادٌ لله مخلصون، ورجالٌ صالحون، وأولياءُ متقون، آمَنوا بربِّهم إيمانًا حمَلَهم على التقوى والهدى، وحبَّب إليهم الحقَّ وزيَّنه في قلوبهم، ورغَّبَهم في العمل الصالح، وحالَ بينَهم وبين اتباع الهوى، فكان هذا الإيمانُ وقايةً لهم من الشر، وقائدًا لهم إلى الخير.

 

هؤلاء العبادُ هم الآمنون إذا فزع الناس، المطمئنُّون إذا اضطرب الناس، المتمسكون بالحق إذا أعرض عنه الناس، المتواصون بالصبر إذا افتُتن الناسُ؛ (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[يُونُسَ: 62-64].

 

بارَك اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من البيان. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولإخواننا المسلمين؛ فاستغفِروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ حمدًا دائمًا مع خُلُودِه، والحمدُ لله حمدًا دائمًا لا منتهى له دونَ مشيئته، والحمدُ للهِ حمدًا دائمًا لا يوافق إلفًا إلَّا رضاه، والحمد لله حمدًا دائمًا كل طَرْفة عينٍ ونفَس نَفْسٍ. والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَنِ اهتدى بهديه ودعا بدعوته.

 

أما بعدُ: فاتقوا الله -أيها المسلمون- لعلكم تفلحون، وأيقِظوا نفوسكم من غفلاتها، وخذوا بها إلى طريق نجاتها. ألَا وإنكم وقوفٌ والآجال بكم سائرة، وحِلالُ الأيامِ بكم مُسافِرة، ووفود المنايا في فنائكم ساهرة؛ (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)[الْأَنْفَالِ: 67].

 

أيها المسلمون: اعلموا أنَّكم في دُور الاختبار، وستظهر النتائجُ عن قريب؛ فقوُّوا صِلتَكم بالله -تعالى-، وشُدُّوا عزائمَكم، وشمِّروا عن سواعدكم؛ وتحصَّنوا بكتاب الله -عز وجل- وبسُنَّة نبيِّه -عليه الصلاة والسلام- مِنْ مُحدَثاتِ الأمورِ، واعبدوا الله -تعالى- على علمٍ وبصيرةٍ، واتقوه وراقِبوه فإنَّه يراكم ويسمعكم، وأكثِروا من قول "لا إله إلا الله" فإنَّها مفتاح الجنة؛ وارغبوا إلى مولاكم أن يُثبِّتَكم على هذه الكلمة المبارَكة: الخفيفة على اللسان، الثقيلة في الميزان، المُزَيِّنة للديوان، بها يرضى الملكُ الرحمنُ، وبها يسخط اللعينُ الشيطانُ، وبها ينجو العبدُ المذنبُ من النيران، وبها يصل العبدُ إلى نعيم الخُلْد والأمان.

 

مَعاشِرَ المؤمنينَ والمؤمناتِ: أكثِرُوا من الصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير؛ فقد أمركم اللهُ بذلك في كتابه فقال -سبحانه-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، فهو شفيعكم يوم الجزاء والدِّين؛ وبالصلاة عليه نكون من الآمنين من عقاب الله، والفائزين برحمته من عذابه؛ إنه منعمٌ كريمٌ.

 

اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمد. اللهمَّ ارضَ عن صحابته أجمعين، وعن التابعين ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوكَ وكرمكَ يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذلَّ الكفرَ والكافرينَ، ودمِّر أعداءكَ أعداءَ الدين. اللهمَّ أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المسلمينَ في كل مكان.

 

اللهمَّ آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحقِّ والتوفيق والسَّداد إمامَنا ووليَّ أمرنا خادم الحرمين الشريفين، ووليَّ عهدِه الأمينَ لما تحب وترضى. وقرِّبْ منهما البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ التي تدلُّهما على الحقِّ وتُعِينُهما عليه، وعلى ما فيه صلاحُ البلادِ والعبادِ؛ يا حيُّ يا قيومُ، يا ذا الجلال والإكرام؛ واجْزِهِما خيرًا عن الحرمين الشريفين وعن كل ما يُقدِّمانه للإسلام والمسلمين.

 

اللهمَّ ووفِّق جميع وولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك، واتباع سُنَّة نبيِّكَ محمدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. واسْبِلِ اللهمَّ سِترَكَ على بلادنا وعلى جميع بلاد المسلمين.

 

اللهمَّ اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات؛ الأحياء منهم والأموات؛ (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[الْحَشْرِ: 10]، (رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201].

 

اللهمَّ إنَّا نستغفركَ إنكَ كنتَ غفَّارًا، فأرسِلِ السماءَ علينا مدرارًا. اللهمَّ أغِثنا، اللهمَّ أغِثنا، اللهمَّ أغِثنا. اللهمَّ إنَّا خلقٌ مِنْ خلقِكَ فلا تمنَعْ عَنَّا بذنوبِنا فضلَكَ؛ (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[الْبَقَرَةِ: 127-128]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life