محبة الله -تعالى- مظاهرها-آثارها-أسباب تحصيلها

الشيخ د عبدالله بن عبده نعمان العواضي

2026-01-19 - 1447/07/30
التصنيفات: الإيمان
عناصر الخطبة
1/فضل محبة الله سبحانه 2/مظاهر صدق محبة الله -تعالى- 3/آثار محبة الله على صاحبها 4/أسباب تحصيل محبة الله -عز وجل-.

اقتباس

إن المحبة علامة فارقة بين الموحدين والمشركين؛ فالموحدون صرفوها لله -تعالى- وحده، دون شريك؛ ولذلك كان لب توحيد الله وعبادته إخلاص المحبة له، فهي روح التوحيد وحقيقة العبادة، فلا يتم التوحيد حتى...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]؛ أما بعد:

 

أيها المسلمون: هناك صفة تعمر قلوب المؤمنين، وتظل نعيمَها الدائم في كل حين، لا يُقدِّمون عليها ما سواها، ولا يجدون طعم الحياة إلا في ظلها؛ فهي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلَمها شمَّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبرَوْح نسيمها تروّح العابدون؛ وهي رُوح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمِل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبداً واصليها، وتبوِؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا المؤمنين التي مسراهم على ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب.

 

هذه الصفة هي امتلاء القلب بمحبة الله -تعالى-؛ فمحبة الله -تعالى- "هي حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذّة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلّا بها".

 

وكيف لا نحب الله -يا عباد الله- وهو ربنا وخالقنا، ورازقنا، والمنعم علينا بكل نعمة نحن فيها!؛ فلا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها؛ فهو إلهها ومعبودها، ووليها ومولاها، وربها ومدبِّرها ورازقها، ومميتها ومحييها؛ فمحبته نعيم النفوس وحياة الأرواح، وسرور النفوس وقوت القلوب، ونور العقول وقرة العيون وعمارة الباطن، فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسرَّ ولا أنعمَ من محبته، والأنس به والشوق إلى لقائه.

 

أيها المؤمنون: إن المحبة علامة فارقة بين الموحدين والمشركين؛ فالموحدون صرفوها لله -تعالى- وحده، دون شريك؛ ولذلك كان لب توحيد الله وعبادته إخلاص المحبة له، فهي روح التوحيد وحقيقة العبادة، فلا يتم التوحيد حتى تكمل محبة الإنسان لربه، ولا تكون عبادة مقبولة حتى تقوم على كمال الحب لله -تعالى-.

 

وأما المشركون؛ فأخلصوا المحبة لمعبوداتهم من دون الله، أو أشركوا بينهم وبينه فيها؛ كما قال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)[البقرة:165]؛ ففي هذه الآية الكريمة يخبر الله -تعالى- أن المشركين جعلوا المحبة مشتركة بين الله وبين معبوداتهم الباطلة؛ أما المؤمنون فأخلصوها لله -تعالى-، وهم بذلك أشد حبًا لله من حب المشركين لمعبوداتهم؛ ولذلك قدم أهل الإيمان محبة الله على كل محبوب.

 

عباد الله: إن محبة العبد لربه -تعالى- شيء عظيم، لا تُقبل فيها الدعوى الفارغة من العلامات الدالة على صدق المحبة؛ فكم يدعي أناسٌ محبةَ الله وقلوبُهم وجوارحهم تكذِّب دعواهم، فالصادق في محبة الله يوافق الله فيما يحب، وما يكره؛ فيحب ما يحب اللهُ -تعالى- من: الأمكنة، والأزمنة، والأشخاص، والأعمال، والأقوال، ويكره من ذلك ما يكرهه اللهُ -تعالى-، قال -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)[محمد:28].

 

وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ)[الرعد:36]؛ فمن خالف الله -تعالى- فيما يحب وما يكره فليس محبًا صادقًا لله؛ قال -جل وعلا-: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)[المجادلة:22]".

 

فاختبر نفسك -يا عبد الله- هل أنت توافق الله فيما يحب أو تخالفه؟

 

والصادق في محبة الله بعيد بعداً شديداً عن معصية الله سبحانه، ومتى دعته نفسه إلى عصيان ربه صبرها على ترك مخالفته، فـ"المحبة تستبين بترك المخالفة، ولا تبين بكثرة الأعمال، كما قيل: أعمال البرّ يعملها البرّ والفاجر، والمعاصي لا يتركها إلا صديق".

 

فليس صادقًا في حب الله من انهمك في معاصيه، وأسرف على نفسه بمخالفة ربه، كما قيل:

تعصي الإلهَ وأنت تُظهر حبَّه *** هذا محالٌ في القياس بديعُ

لو كان حبُّك صادقاً لأطعتَه *** إن المحبَّ لمن يحب مطيعُ

 

وهي حقيقة واضحة -معشر المسلمين- أن محبة الله كلما قويت في القلب قلت الذنوب، وكلما ضعفت كثرت الخطايا، وسبب هذا: أن المحب الصادق في قلبه من إجلال الله وتعظيمه ما يدعوه إلى طاعة الله والحياء منه، وأما فالمحبة الخالية من ذلك فلا تحجز عن العصيان، ولهذا انظروا –رحمكم الله- إلى قول عمر -رضي الله عنه- يمدح صهيبًا -رضي الله عنه- حيث قال: "نعم الْمَرْء صُهيب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ".

 

والمحب الصادق يحب كلام الله -تعالى-، وما جاء من عنده، من غير إعمال الاختيار مما صدر عنه مما يوافق الهوى ورغبات النفس الأمارة بالسوء.

 

قال أبو طالب المكي -رحمه الله-: "ومن علامة حب اللّه؛ حب القرآن".

 

عن عائشة -رضي الله عنه- قالت: "إن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- "بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: "سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ"(متفق عليه).

 

والمحب الصادق لله؛ كثير الاتباع لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عظيم الاهتداء بهديه، والسير على منواله، قال -تعالى-: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[آل عمران:31].

 

قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".

 

ومن مظاهر حب الله -تعالى- أيها الإخوة الفضلاء-:  كثرة ذكر الله -سبحانه وتعالى-؛ فمن أحب شيئًا أكثر من ذكره-كما قيل-، فالمحبون لله ألسنتهم رطبة بذكر الله قيامًا وقعوداً وعلى جنوبهم، في كل مكان حلوا فيه، فهم بذكره أحياء، وغيرهم بدونه أموات، عَنْ أَبِي مُوسَى -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ"(رواه البخاري).

 

ومن مظاهر حب الله -تعالى-: الشفقة بالمؤمنين، والشدة على الكافرين، والجهاد في سبيل الله، وعمل الطاعات من غير خوف لوم الناس عليها؛ كما قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[المائدة:54].

 

ألا فلنتأمل حالنا -معشر الكرام- هل نحن من أهل محبة الله حقًا وصدقًا؛ فلنعرض أنفسنا على هذه العلامات، ولنختبرها في هذه المظاهر، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فليراجع نفسه حتى تصدق في حبها.

 

أيها المسلمون: إن الإنسان إذا وصل إلى درجة الحب الصادق لله -تعالى- نال بذلك ثمرات حسنة في هذه الحياة، وستبلغ به هذه الثمرات -إذا استمر عليها حتى الموت- إلى الفوز برضوان الله وجنته في الآخرة، فمن صدق في حبه لله وجد للإيمان راحة وطمأنينة وانشراحًا وسروراً لا تساويها لذات الدنيا ومسراتها؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ"(متفق عليه).

 

ومن صدق في حبه لله -تعالى- انشغل بحبه -سبحانه- عن حب غيره، حتى يغدو قلب المحب ليس فيه مكان يتسع لمزاحمة حب أحد سواه يساويه فيه أو يقدم عليه؛ ولذلك يجد راحة في كثرة ذكره، وعدم الغفلة عنه.

 

ومن صدق في حبه لله -تعالى- رضي بقضائه وقدره، واستقبل ما جاء من المكاره من غير سخط ولا ضجر، كان عامر بن عبد قيس يقول: "أحببت الله حبًا سهل عليَّ كل مصيبة، ورضّاني بكل قضية؛ فما أبالي مع حبي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت".

 

لو تعلمون -يا عباد الله-كيف قلوب المحبين لله عند نزول البلايا بها؛ إنها تعلم أنها من مقدر رحيم حكيم فلهذا لا تجد عندها ضجراً ولا اعتراضًا؛ وحالها:

ويقبح من سواك الفعل عندي *** فتفعله فيحسن منك ذاكا.

 

ومن صدق في حبه لله -تعالى- وقف عند حدود الله، وبلغ المراتب العالية في معراج العبودية، فالمؤمن المحب لا يتجاوز ما حدّ له محبوبه، بل يسعى إلى الترقي إلى أعلى رتب الذل والخضوع والانقياد لما جاء عنه -سبحانه-.

 

وما حفظت حدود الله ومحارمه، ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته؛ فمتى خلا القلب من هذه الثلاث فسد فساداً لا يرجى صلاحه أبداً، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف إيمانه بحسبه.

 

نسأل الله أن يرزقنا كمال حبه، وحب ما يحبه.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

 

أيها المسلمون: إن محبة الله -تعالى- غاية عالية، ومنزلة سامية، وهدف سامٍ لا يُوصل إليه بالأماني والدعاوى، وإنما يُسلك إليه طريقٌ معمور بالعمل الصالح الباطن والظاهر، وصدق في التوجه في عبودية المولى على الدوام.

 

فمن أراد أن يكون صادق المحبة لله، وافر الحظ منها، سامي الرتبة فيها فعليه أن يحافظ على أوامر شريعتنا الغراء بالامتثال التام، وعلى نواهيها بالاجتناب الكامل، ولا يقدم عليها هوى نفسه ورغباتها، ولا رجاء البشرية ورهبتها، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[الحجرات:1].

 

ومن أراد الوصول إلى سمو الحب لله -تعالى- فليكثر من قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه، فمن أدمن قراءة القرآن والتأمل فيه أحب الله وسارع إلى محابه.

 

ومن أراد الوصول إلى سمو الحب لله -تعالى-: فليكثر التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض؛ فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة، وليداوم ذكر ربه على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه.

 

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ"(رواه البخاري).

 

عباد الله: إن الطريق إلى الوصول إلى عظمة محبة الله في القلب تطلب من العبد إيثار محاب الله على محاب النفس عند غلبات الهوى.

فمن أحب النوم على الصلاة، أو أحب الانشغال بعمل أو لعب أو مشاهدة مباراة أو مسلسل أو برنامج؛ فليس صادق الحب لله -تعالى-.

 

ومن طرق الوصول إلى محبة الله: التأمل في أسماء الله ووصفاته، ومشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة على النفس وعلى الخلق؛ فإنها داعية إلى محبته.

 

فيا -عباد الله- ما أعظم الإنسان حين يكون صادق الحب لربه، تظهر آثار حبه على استقامة جوارحه وصلاح قلبه، وما أحسن آثار تلك المحبة في نفسه، وجلبها لأسباب سعادته وراحته، وفوزه ونجاته.

 

ألا فلنكن صادقين في حب ربنا، مبرهنين على ذلك بكمال إجلالنا وتعظيمنا لخالقنا، والانقياد لما جاء في شريعتنا، ومسارعين إلى تحصيل الأسباب التي تجعلنا في المنازل العليا في حب رب العالمين، فمن بلغ تلك الرتب العالية نال خير الدنيا والآخرة.

 

ولنعلم -معشر المسلمين- أننا لو عرفنا حبيَبنا ما سلونا، ولكن قدره ما قَدَرنا، ولو سعدنا بوصله ما شقينا، ولو غَنِينَا بفضله ما افتقرنا، ولو رَوِينا من حُبِّه ما ظمئنا، ولو سلكنا في طريقه ما عثرنا، هو نِعم الحبيب، لكننا بئس المحبون.

 

نسأل الله أن يعمر قلوبنا بتعظيم ربنا وحبه، وجوارحنا بالعمل بطاعته -تعالى-، وطاعة رسوله.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود، فقد أمركم الله بالصلاة عليه فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life