اقتباس
ومع بذل نوح -عليه السلام- غاية جهده واستفراغ كامل وسعه، لا نقول: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) فقط، بل نزيد على ذلك أنه حتى ابنه الذي من صلبه، وزوجته التي هي فراشه وسكنه لم يؤمنا به كذلك! وفي هذا عبرتان...
ما أعظم صبرك يا نبي الله نوح؛ تسعمائة وخمسين سنة كاملة وأنت تدعوهم وتحاورهم وتجادلهم بكل الوسائل وبجميع الأوقات والأماكن: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا)[نوح: 8-9]، ومرات رغبتهم بخيري الدنيا والآخرة: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)[نوح: 10-12]، ومرات أخرى لفتَّ أنظارهم إلى براهين وجود الله ووحدانيته من حولهم: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا)[نوح: 15-20]... كل هذا وهم معرضون لا يستجيبون: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا...)[نوح: 21-22].
وهكذا يكون صبر الداعية إلى الله -تعالى- على تعنت قومه، هكذا يكون جلده واحتسابه، فما من داع إلى الحق إلا ناله الأذى والصدود والإعراض من بعض الناس، ولعل ذلك هو سر قول لقمان الحكيم لابنه: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ)[لقمان: 17]؛ يقول ابن كثير: "علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر"(تفسير ابن كثير)، ويتفق معه القرطبي فيقول: "هو إشعار بأن المغير يؤذى أحيانًا"(تفسير القرطبي).
***
ومع ذلك الجهد الجهيد والجلد والصبر والعناء كان نبي الله نوح -عليه السلام- ذا ثقة عظيمة بربه وتوكل مطلق عليه -سبحانه وتعالى-، فنسمعه يتحدى قومه ثقة في التأييد والنصر فيقول لهم: (يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ)[يونس: 71]، يقول الخازن: "أخبر الله -عز وجل- عن نوح -عليه السلام- أنه كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله، وأنه كان واثقًا بنصره، غير خائف من كيدهم؛ عِلمًا منه بأنهم وآلهتهم ليس لهم نفع ولا ضر وإن مكرهم لا يصل إليه"(تفسير الخازن).
تُذَكِّرنا ثقته تلك بثقة أخيه هود -عليه السلام- حين قال لقومه: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا)[هود: 55-56]، وتُذَكِّرنا بثقة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- بنصر ربه حين قال لخباب بن الأرت -رضي الله عنه- في ذروة الاضطهاد والتعذيب: "والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه"(رواه البخاري)، وحين بشرهم عند حفر الخندق وجيوش الأحزاب تسعى لاستئصال المسلمين بفتوح بلاد الشام وفارس واليمن...
وتُذَكِّرنا كذلك بثقة جميع أنبياء الله -تعالى- بنصر ربهم القريب ووعده الصادق: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)[الصافات: 171- 173].
***
ومع بذل نوح -عليه السلام- غاية جهده واستفراغ كامل وسعه واستنزاف تمام طاقته، لا نقول: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ)[هود: 40] فقط، بل نزيد على ذلك أنه حتى ابنه الذي من صلبه، وزوجته التي هي فراشه وسكنه لم يؤمنا به كذلك! فأما الابن فـ(قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)[هود: 43]، وأما الزوجة فضُرب بها المثل في الكفر وخيانة الدين: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا)[التحريم: 10].
وفي هذا عبرتان، بل ثلاث:
الأولى تقول: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)[القصص: 56]، فلا تسل إبراهيم الخليل عن أبيه، ولا تسل نبي الله نوح عن زوجته وولده، ولا لوطًا -عليه السلام- عن زوجته، بل لا تسل خاتم الرسل محمدًا -صلى الله عليه وسلم- عن عمه؛ فقلوب الناس ليست بأيدي الناس، وإنما: "بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء"(رواه مسلم).
والثانية: أن الله -عز وجل- يأجرنا على نفس العمل، وليس على نتائج العمل، يجازينا بسعينا وجهدنا وحرصنا، لا على ثمار ذلك السعي والجهد، ولقد أخبرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- فقال: "عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد"(متفق عليه)، ولذا قالوا وصدقوا: "عليك أن تسعى، وليس عليك إدراك النجاح"، "عليك أن تبذر الحبة، وعلى الله إنباتها": (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ)[الواقعة: 63-64]؟!
وأما الثالثة: فأن الداعية لا بد أن يبتلى، بداية من الأنبياء فمن دونهم؛ فهذا ورقة بن نوفل يقول لنبينا -صلى الله عليه وسلم-: "لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي"(متفق عليه)، بل هذا القرآن الكريم يقرر قائلًا: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ)[الفرقان: 31]، فهي قاعدة عامة: "إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل"(رواه النسائي، وصححه الألباني).
***
ولا يزال نوح -عليه السلام- يدعوهم، ولا يزال قومه يصدون ويُكذِّبون ويُعرضون ويكابرون... حتى استنفذ صبر نوح ودعا على قومه: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)[نوح: 26-27]، وربما قال قائل: لماذا دعا عليهم؟! هلا فعل كنبينا -صلى الله عليه وسلم- حين رفض أن يدعو على قومه وقال: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا"(متفق عليه)؟
يجيب الخازن في تفسيره فيقول: "إنما قال نوح هذا حين أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم، وأعقم بعد ذلك أرحام النساء، وأيبس أصلاب الرجال، وذلك قبل نزول العذاب بأربعين سنة، وقيل بسبعين سنة، وأخبر الله نوحًا أنهم لا يؤمنون ولا يلدون مؤمنًا فحينئذ دعا عليهم، فأجاب الله دعوته فأهلكهم جميعًا، ولم يكن معهم صبي وقت العذاب لأن الله -تعالى- أعقمهم قبل العذاب".
ويقول ابن عباس وغيره: "كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح فيقول له: احذر هذا فإنه كذاب وإن أبي حذرنيه، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك"(تفسير الخازن).
***
ويؤمر نوح -عليه السلام- ببناء السفينة على اليابسة، ويمر عليه الكفار ساخرين! وتحين الساعة ويلتقي ماء الأرض بماء السماء على هدف واحد هو إهلاك جميع الكافرين، فلم ينج إلا المؤمنون، المؤمنون وحدهم... فذلك وعد الله، وتلك سنة الله -عز وجل-؛ إهلاك المستكبرين وعزة المؤمنين مهما طال الأمد؛ ولو ألف سنة إلا خمسين عامًا.
وفي قصة نبي الله نوح -عليه السلام- ألف عظة وعبرة ودرس، نترك الآن الأمر لخطبائنا أن يظهروها ويجلوها.
التعليقات