عناصر الخطبة
1/إنزال المطر من كرم الله وفضله 2/المطر نعمة أو نقمة 3/من هدي النبي عند نزول المطر 4/الحث على تعظيم الله وشكرهاقتباس
وعطاء الله ليس له حدّ، وكرمه لا يحصيه عدّ، فلا رادّ لفضله، ولا ممسك لرحمته، والله يرزق من يشاء بغير حساب، فلا تقيسوا ما نزل، ولا تعدوا ما هطل، فلا تحصوا فيحصى عليكم، ولكن سلوا الله من فضله؛ فإن عطاءه جزيل، وخيره عميم، والمعول على البركة وليست الكثرة...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحمدُ للهِ الذي يُطعمُ ولا يَطعمُ، منَّ علينا فهدنا وأطعمنا وسقانا.
لكَ الحمدُ كمْ قلدتنا منْ صنيعةٍ *** وأبدلتنا بالعسرِ يا سيدي يسرا
لكَ الحمدُ كمْ منْ عثرةٍ قدْ أقلتنا *** ومنْ زلةٍ ألبستنا معها سترا
لكَ الحمدُ حمداً ينسخُ الفقرُ بالغنى *** إذا حزتُ يا مولاي بعدَ الغنى فقرا
وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِه وأصحابِه وأزواجِه، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين، وسلَّم تسليمًا مَزيدًا.
أمَّا بعدُ: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)[الأحزاب: 41 - 42].
هو اللهُ الذي لا إلهَ إلا هو، لهُ ملكوتُ كلِّ شيءٍ في السمواتِ والأرضِ، يُعطي بفضلِه وعطائِه من يشاءُ من عبادِه؛ "يَدُ اللَّهِ مَلْأَى، لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ"، "أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَا يَغِيضُ مِمَّا فِي يَمِينِهِ!".
لا مانعَ لما أعطى ولا معطي لما منعَ، بسطَ الخيرَ والعطاءَ لعبادهَ حتى رأوا آلائَه ظاهرةً؛ (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ)[النور: 43].
إذا أبطأ الغيث طال الرجاء، وإذا أقبل فاض العطاء، تستبشر به القلوب قبل التراب، وتحيا به الأجساد قبل الصِلاب؛ (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)[الروم: 48].
فإذا بخل أهلُ الأرض بالعطاء، وجشع أهل الغنى والثراء، وحاسبوا الناس على الفتيل والقطمير؛ فتح الله خزائنه، فعم الغني والفقير، فسبحان من إذا امسك ابتلى، وإذا اعطى اجتبى، يبعثُ من الرِّياحِ لَواقِحَ، ويُرسلُ من الغمامِ سَوافِحَ!.
وغيْم كجيشٍ فوقَ جيشٍ مُرَكَّبٍ *** يُباشرُ أرضَ الله بالوَدْقِ وابِلا
فالسماء قد نسخ صحوها، وغيّم جوّها، فالسحابُ منهمل، والثرى من سقياه ثمل.
يومٌ تجهّم فيه الأفق وانتثرت *** مدامع الغيث في خدّ الثرى هملا
فأحيا به أرضاً هامدة، وأخصب به أخرى جامدة، فأبدل بها الفقرَ روضا، واليَبَسَ غضّا؛ (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا)[الفرقان: 48 - 49].
فما السحاب إلا خزائن الوعيد أو المنّة، وما المطر إلا بشائر الرحمة؛ قالت عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ، أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ؛ (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)[الأحقاف: 24]"(أخرجه البخاري).
وعطاء الله ليس له حدّ، وكرمه لا يحصيه عدّ، فلا رادّ لفضله، ولا ممسك لرحمته، والله يرزق من يشاء بغير حساب، فلا تقيسوا ما نزل، ولا تعدوا ما هطل، فلا تحصوا فيحصى عليكم، ولكن سلوا الله من فضله؛ فإن عطاءه جزيل، وخيره عميم، والمعول على البركة وليست الكثرة؛ فــ"لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا"(أخرجه مسلم).
فالسحاب يدبرها الجليل، ويسوقها المَلَكُ ميكائيلُ بأمر الحكيم الحميد، فلا أرصاد تُسيرها، ولا أفلاك تستطيعُ ردها؛ قَالَ نبينا محمدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ -لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ- فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ"(أخرجه مسلم).
والله هو العليم -سبحانه- بحاجةِ العبادِ، وهو الحكيم بما ينزل، والخبير بما يهب ويقدر؛ (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)[الشورى: 27].
ومن السنة عند نزول المطر ما جاء في صحيح مسلم، أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- كان إذا نزلَ المطرُ حسرَ عن ثوبه حتى يصيبه وقالَ: "إنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ"، ويقول: "اللهمَّ صيباً نافعاً"، وعلَّمَ أصحابَهُ إذا رأوا المطرَ أن يقولوا: "مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ".
فالحمد لله على تمام النعمة، وله الشكرُ لا نحصي ثناء عليه، نستغفره ونتوب إليه، فاستغفروه إن ربنا لغفور شكور.
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده المصطَفى، وعلى آله وصحبه ومَن اجتبى.
أمَّا بعدُ: إذا علمنا أنَّه لا يرفعُ الكربَ إلا اللهُ، ولا يُنزلُ الغيثَ إلا اللهُ، وجبَ علينا تعظيمُ اللهِ وذِكرُهُ، وشُكرُهُ، ودُعاؤُهُ، وتقواهُ، والاعترافُ بنِعَمِه، والمحافظةُ على حدودِه، وإقامةُ الصلاةِ لوقتها حيثُ يُنادى لها، والحذرُ من تحويلِ نعمةِ اللهِ كُفْرًا، والصحةِ والعافيةِ بَطَرًا وأشَرًا، واستبدالِ صوتِ الحقِّ والذِّكرِ بالمعازفِ والغناءِ، والحجابِ والسِّترِ بالسُّفورِ والاختلاطِ والاستعراض وقلَّةِ الحياءِ؛ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ)[إبراهيم: 28 - 29].
والنِّعَمُ والخيرُ والعافيةُ إذا ظهرت، وأورثت عند الناسِ الاستعلاءَ والتكبُّرَ، والإعراضَ والتجبُّرَ، ولم تُقابَلْ بشكرٍ، واعترافٍ، وتقًى، أزالها اللهُ، وأصبحت أثرًا بعدَ عين؛ (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[يونس: 24].
فاحفظوا نعمه وارعو حدوده، ولا تتركوا المحارم والقوارير تجوب الرمال والمتنزهات من دون وليٍّ يحميهن ويصونهن، وكونوا لأهليكم ستراً عن لصوص الأعراض، واحذروا مجرى الامطار، ومنحدرات الأخطار؛ (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)[النساء: 29].
اللهم احفظنا بحفظك، واستر علينا بسترك، وقنا يا رب شر طوارق الليل والنهار، اللَّهُمَّ زِدْنا من خَيْرِكَ وبرِّك وإِحْسانِكَ، وَاجْعَلْنا لِنِعَمِكَ شاكِرِينَ، وَلِأَوامِرِكَ مُمتَثِلِينَ، وَلِنَواهِيكَ مُنْتَهِينَ، اللهم آمنا في دورنا وأصلح ولاة أمورنا.
اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم