خطبة الكسوف 1441هـ

الشيخ ياسر الدوسري

2020-11-12 - 1442/03/26 2026-01-12 - 1447/07/23
التصنيفات: الخلق والآفاق
عناصر الخطبة
1/تذكرة وعبرة في تقلب الليل والنهار 2/بعض فوائد تعاقب الليل والنهار 3/بعض الحكم من الكسوف 4/توضيح ظاهرة الكسوف من ناحية شرعية

اقتباس

لَسْنَا نُعَالِجُ التَّعْلِيلَ الْعِلْمِيَّ لِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ الْكَوْنِيَّةِ، فَتِلْكَ أَسْبَابٌ رَبَّانِيَّةٌ بِيَدِ خَالِقِهَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وَإِنَّمَا نَحْنُ مُطَالَبُونَ بِحَالٍ وَمَقَالٍ؛ كَسُلُوكٍ شَرْعِيٍّ حِينَ وُقُوعِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ، وَحَالُنَا وَمَقَالُنَا مُنْضَبِطٌ بِهَدْيِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-...

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، مُكَوِّرِ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ، تَذْكِرَةً لِأُولِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ، وَتَبْصِرَةً لِذَوِي الْأَلْبَابِ وَالِاعْتِبَارِ، الَّذِي أَيْقَظَ مِنْ خَلْقِهِ مَنِ اصْطَفَاهُ فَزَهَّدَهُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَشَغَلَهُمْ بِمُرَاقَبَتِهِ وَإِدَامَةِ الْأَفْكَارِ، وَمُلَازَمَةِ الِاتِّعَاظِ وَالِادِّكَارِ، وَوَفَّقَهُمْ لِلدَّأْبِ فِي طَاعَتِهِ، وَالتَّأَهُّبِ لِدَارِ الْقَرَارِ، وَالْحَذَرِ مِمَّا يُسْخِطُهُ وَيُوجِبُ دَارَ الْبَوَارِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ تَغَايُرِ الْأَحْوَالِ وَالْأَطْوَارِ.

 

أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَزْكَاهُ، وَأَشْمَلَهُ وَأَنْمَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْبَرُّ الْكَرِيمُ، الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، الْهَادِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَالدَّاعِي إِلَى دِينٍ قَوِيمٍ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70، 71].

 

أُمَّةَ الْإِسْلَامِ: لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ؛ لِحِكَمٍ بَالِغَةٍ، وَغَايَاتٍ سَامِيَةٍ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ -سُبْحَانَهُ-: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)[يُونُسَ: 5]، وَقَالَ -تَعَالَى-: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)[الْأَنْعَامِ: 96].

 

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْآيَةِ: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا)؛ أَيْ: يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ مُقَنَّنٍ مُقَدَّرٍ، لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَضْطَرِبُ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا لَهُ مَنَازِلُ يَسْلُكُهَا فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ طُولًا وَقِصَرًا" انْتَهَى.

 

وَجَعَلَ اللَّهُ -تَعَالَى- (الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا) فَبِهِمَا تُعْرَفُ الْأَزْمِنَةُ وَالْأَوْقَاتُ، فَتَنْضَبِطُ بِذَلِكَ أَوْقَاتُ الْعِبَادَاتِ، وَآجَالُ الْمُعَامَلَاتِ، وَيُعْرَفُ بِهِمَا مُدَدُ مَا مَضَى مِنَ الْأَوْقَاتِ الَّتِي لَوْلَا وُجُودُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَتَنَاوُبُهُمَا وَاخْتِلَافُهُمَا؛ لَمَا عَرَفَ ذَلِكَ عَامَّةُ النَّاسِ، وَاشْتَرَكُوا فِي عِلْمِهِ، بَلْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا أَفْرَادٌ مِنَ النَّاسِ، بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، وَبِذَلِكَ يَفُوتُ مِنَ الْمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ مَا يَفُوتُ.

 

قَالَ -تَعَالَى-: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا)[النَّبَأِ: 10-13].

 

وَالسِّرَاجُ الْوَهَّاجُ هُوَ الشَّمْسُ؛ فَنَبَّهَ بِالسِّرَاجِ عَلَى النِّعْمَةِ الْمُتَمَثِّلَةِ بِنُورِهَا، الَّذِي صَارَ ضَرُورَةً لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَأَشَارَ بِالْوَهَّاجِ الَّذِي فِيهِ الْحَرَارَةُ عَلَى حَرَارَتِهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ.

 

وَقَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)[إِبْرَاهِيمَ: 33-34].

 

وَقَالَ -تَعَالَى-: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)[النَّحْلِ: 12].

 

فَاللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ؛ أَيْ ذَلَّلَهُمَا بِالطُّلُوعِ وَالْأُفُولِ تَقْدِيرًا لِلْآجَالِ وَإِتْمَامًا لِلْمَنَافِعِ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: مَعَ هَذَا التَّسْخِيرِ جُعِلَتِ الشَّمْسُ آيَةً بَاهِرَةً تَدُلُّ عَلَى عِظَمِ خَالِقِهَا الْمُسْتَحِقِّ لِلْإِفْرَادِ بِالْعِبَادَةِ، وَتَنْبِيهًا لِلْغَافِلِينَ الْعَابِدِينَ لَهَا دُونَ خَالِقِهَا؛ قَالَ -تَعَالَى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)[فُصِّلَتْ: 37].

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمَعَ اعْتِيَادِ الْمَرْءِ وَرُؤْيَتِهِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَقَائِهَا لِسَاعَاتٍ، وَتَقَلُّبِهِ فِي هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَلِفَهَا، فَمَعَ طُولِ الْعَهْدِ فَإِنَّ الْعَبْدَ يَنْسَى هَذِهِ النِّعْمَةَ، فَيَغْفُلُ وَيَطْغَى، فَيَأْتِي التَّنْبِيهُ الرَّبَّانِيُّ مِنَ الْخَالِقِ -عَزَّ فِي عُلَاهُ-: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ)[الْقَصَصِ: 71].

 

فَلَوْ جُعِلَ اللَّيْلُ دَائِمًا، لَا نَهَارَ مَعَهُ، مَنِ الَّذِي سَيَأْتِيكَ -أَيُّهَا الْغَافِلُ- بِضِيَاءِ نَهَارٍ تَطْلُبُ فِيهِ الْمَعِيشَةَ؟!!

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَقَدْ يَأْتِي التَّخْوِيفُ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِسَلْبِ تِلْكَ النِّعْمَةِ لِسُوَيْعَاتٍ قَلِيلَةٍ؛ لِيَرَى النَّاسُ عِظَمَ الْمَشَقَّةِ حِينَ يَفْقِدُونَ الْعَطَايَا وَتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ، وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا)[الْإِسْرَاءِ: 59].

 

قَالَ قَتَادَةُ: (إِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ النَّاسَ بِمَا شَاءَ مِنْ آيَةٍ؛ لَعَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ، أَوْ يَذَّكَّرُونَ، أَوْ يَرْجِعُونَ).

 

وَالْآيَاتُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَخْوِيفًا لِعِبَادِهِ:

1- إِمَّا سَمَاوِيَّةٌ: كَكُسُوفِ الشَّمْسِ، وَخُسُوفِ الْقَمَرِ، وَالرَّعْدِ، وَالْبَرْقِ، وَالصَّوَاعِقِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ.

2- وَإِمَّا أَرْضِيَّةٌ: كَالزَّلَازِلِ، وَالْخَسْفِ، وَالْفَيَضَانَاتِ وَغَيْرِهَا.

3- وَقَدْ تَكُونُ لَا سَمَاوِيَّةً وَلَا أَرْضِيَّةً: كَالرِّيَاحِ الْعَوَاصِفِ، وَمَا يَحْدُثُ عَنْهَا مِنْ قَلْعِ الْأَشْجَارِ وَتَدْمِيرِ الدِّيَارِ وَمَا تَسُوقُهُ مِنَ الرِّيَاحِ السَّمُومِ.

 

وَالْيَوْمَ نَشْهَدُ ظَاهِرَةً كَوْنِيَّةً جَعَلَهَا الشَّارِعُ الْحَكِيمُ مَنَاطًا لِعِبَادَةٍ شَرْعِيَّةٍ عَظِيمَةٍ، أَلَا وَهِيَ كُسُوفُ الشَّمْسِ.

 

وَلَسْنَا نُعَالِجُ التَّعْلِيلَ الْعِلْمِيَّ لِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ الْكَوْنِيَّةِ، فَتِلْكَ أَسْبَابٌ رَبَّانِيَّةٌ بِيَدِ خَالِقِهَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وَإِنَّمَا نَحْنُ مُطَالَبُونَ بِحَالٍ وَمَقَالٍ؛ كَسُلُوكٍ شَرْعِيٍّ حِينَ وُقُوعِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ، وَحَالُنَا وَمَقَالُنَا مُنْضَبِطٌ بِهَدْيِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ قَالَ -تَعَالَى-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الْأَحْزَابِ: 21].

 

وَقَالَ -تَعَالَى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[الْحَشْرِ: 7].

 

أُمَّةَ الْإِسْلَامِ: لَقَدْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَامَ فَزِعًا مُسْرِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، فَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: "فَزِعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَأَخَذَ دِرْعًا حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ".

 

وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى فِي النَّاسِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نُودِيَ: "إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ"(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

فَصَلَّى بِهِمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَاةً طَوِيلَةَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.

 

وَرَأَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَهَمَّ أَنْ يَأْخُذَ عُنْقُودًا مِنَ الْجَنَّةِ فَيُرِيَهُمْ إِيَّاهُ، قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ".

 

وَرَأَى بَعْضَ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ، فَرَأَى: امْرَأَةً تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ، وَرَأَى عَمْرَو بْنَ مَالِكِ بْنِ لُحَيٍّ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.

 

ثُمَّ خَطَبَهُمْ خُطْبَةً بَلِيغَةً بَعْدَ الصَّلَاةِ قَالَ فِيهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُرْسِلُهَا، يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَجَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، وَكَانَ مِمَّا قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا".

 

وَفِي رِوَايَةٍ: "ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ".

 

وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ كَيَوْمِهِ ذَلِكَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَأَمَرَهُمْ عِنْدَ حُصُولِ الْكُسُوفِ بِالْتِزَامِ الْعِبَادَةِ.

 

فَأَوْصَاهُمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْفَزَعِ إِلَى الصَّلَاةِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: "فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ".

 

وَأَنْ يَلْزَمُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَنْجَلِيَ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "فَإِذَا خَسَفَا فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ".

 

وَفِعْلُ الْجَلَاءِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ قَدْ زَالَ، وَغُمَّةٍ أَظَلَّتْ فَكُشِفَتْ، فَتَكُونُ صَلَاةُ الْكُسُوفِ صَلَاةَ رَهْبَةٍ، كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةُ رَغْبَةٍ.

 

وَأَوْصَاهُمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بِالتَّكْبِيرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالصَّدَقَةِ، وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي؛ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا، وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا".

 

وَأَوْصَاهُمْ بِالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مَرْفُوعًا قَالَ: "فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ".

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لَقَدْ حَدَثَ ذَلِكُمُ الْكُسُوفُ مُتَوَافِقًا مَعَ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ وَلَدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَتَنَاقَلَ الْبَعْضُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ مَوْتُ إِبْرَاهِيمَ؛ فَصَحَّحَ لَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَلِكَ الِاعْتِقَادَ الْخَاطِئَ؛ فَلَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ".

 

وَهَذَا التَّنْبِيهُ مِنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّمَا هُوَ لِحِمَايَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَالتَّصَوُّرَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَفِيهِ أَدَبٌ عَظِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِكَيْ لَا يُعَلِّلُوا الْحَوَادِثَ بِغَيْرِ أَسْبَابِهَا، وَيَنْتَحِلُوا لَهَا عِلَلًا تُوَافِقُ الْأَهْوَاءَ، كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الدَّجَاجِلَةُ مِنَ الْكُهَّانِ وَأَضْرَابِهِمْ.

 

وَيَصِفُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ لَنَا حَالَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَائِلًا: "كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهَا، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو، حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مَا مَضَى مِنَ النُّصُوصِ وَالْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَتَدُلُّ -بِمَجْمُوعِهَا- عَلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنَ التَّقَلُّبِ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ وَأَلْوَانِ الْقُرُبَاتِ حَالَ حُدُوثِ ظَاهِرَةِ الْكُسُوفِ أَوِ الْخُسُوفِ، وَقَدْ مُلِئَ قَلْبُهُ بِكَمَالِ الْخَوْفِ مِنْهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، مَعَ كَمَالِ الرَّجَاءِ بِزَوَالِ الْغُمَّةِ وَكَشْفِ الْكُرْبَةِ.

 

فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَاجْتَنِبُوا الْمَعَاصِيَ وَالذُّنُوبَ وَالْآثَامَ، وَبَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَلَازِمُوا الذِّكْرَ وَالتَّكْبِيرَ وَالصَّدَقَةَ وَالدُّعَاءَ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَبِّكُمْ فِي الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ، كَمَا أَوْصَاكُمْ نَبِيُّنَا وَحَبِيبُنَا سَيِّدُ الْمُخْبِتِينَ وَالْأَخْيَارِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.

 

عِبَادَ اللَّهِ: هَذَا... وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى سَيِّدِ الْمُسْتَغْفِرِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ.

المرفقات

خطبة الكسوف 1441هـ.doc

خطبة الكسوف 1441هـ.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات