فوائد وعظات من الإسراء والمعراج

علي عبد الرحمن الحذيفي

2026-01-16 - 1447/07/27 2026-01-17 - 1447/07/28
التصنيفات: السيرة النبوية
عناصر الخطبة
1/عِظَم آيتَي الإسراء والمعراج 2/بيان حال النبي والمسلمين قبل الإسراء والمعراج 3/لطائف وفوائد من الإسراء والمعراج 4/بعض آيات صدق النبي في معجزة الإسراء والمعراج 5/حال النبي والمسلمين بعد حادثة الإسراء والمعراج

اقتباس

الإسراءُ آيةٌ من آياتِ اللهِ الكبرى، والمعراجُ آيةٌ أكبرُ من الإسراء. أكرمَ اللهُ به خليلَه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ومسَحَ به همومَه وغمومَه كلَّها؛ وأنساهُ اللهُ بهذا الإسراءِ كلَّ الشدائدِ والكُرباتِ والمصائبِ، وأنواعَ الأذى الشديد في الدعوة إلى الله -تعالى- الذي لا تُطيقُه الجبالُ الراسياتُ...

  • الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ الملكِ القُدُّوسِ السلامِ؛ ذي الجلال والإكرام، وذي الآيات العظام، وذي القدرة التامَّة على كل شيء؛ فله العزُّ الذي لا يُرام، ولا يُضام. وأشهد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وحدَه لا شريكَ له؛ ذو الخيرات والإنعام. وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا سيدُ البشرِ بما خصَّه اللهُ من عُلُوِّ الدرجاتِ والمقامِ. اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أنوارِ الظلامِ.

 

أما بعدُ: فاتقوا اللهَ -سبحانه- بكل ما تقدِرون عليه من التقوى؛ فشأنُ اللهِ عظيمٌ كبيرٌ، وحقُّه على الخلقِ كثيرٌ. ولا يستطيعُ أحدٌ أن يقوم بحقِّ اللهِ على الكمالِ؛ ولكنَّ اللهَ تجاوَزَ وعفَا، وتفضَّل ففرضَ اليسير ووعدَ عليه بالأجر الكبير. قال -سبحانه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)[الْأَنْفَالِ: 29].

 

أيها الناسُ: الإسراءُ آيةٌ من آياتِ اللهِ الكبرى، والمعراجُ آيةٌ أكبرُ من الإسراء. أكرمَ اللهُ به خليلَه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ومسَحَ به همومَه وغمومَه كلَّها؛ وأنساهُ اللهُ بهذا الإسراءِ كلَّ الشدائدِ والكُرباتِ والمصائبِ، وأنواعَ الأذى الشديد في الدعوة إلى الله -تعالى- الذي لا تُطيقُه الجبالُ الراسياتُ؛ فقبل الإسراء -في زمنٍ عصيب، ووقتٍ من هذا الحدث قريب- تتابَع على خير الخلق -عليه الصلاة والسلام- أحزانٌ، ولقيَ من السُّخرية والهوان، فماتت خديجة -رضي الله عنها- التي كانت سكنًا له، ووزيرَ صدقٍ تُصبِّرُه وتُعينُه على مهامِّه الشاقةِ في الحياة، وتُواسِيه بمالِها. وماتَ عمُّه أبو طالبٍ في عامٍ واحدٍ؛ والذي كان يُناصِرُه ويحميه من كل باغٍ وحاسِدٍ وشريرٍ يريدُ أن ينالَه بأيِّ أذًى.

 

والتمسَ النُّصرة عند القبائل في مواسم الحج، والتمسَ النُّصرة من ثقيفٍ آخرَ الأمر؛ فأغرَوْا به السُّفَهاء يرمونَه بالحجارة حتى أدمَوْا رِجليه. فتوجَّه إلى ربِّ العزة والجلال بهذا الدعاء: "اللهمَّ إليك أشكُو ضَعْفَ قوَّتي، وقِلَّةَ حيلَتي، وهَوَانِي على الناسِ؛ يا أرحمَ الراحمينَ، أنتَ ربُّ المُستضْعَفِينَ وأنتَ ربِّي، إلى مَنْ تكلني؟ إلى عدوٍّ بعيدٍ يتجهَّمني؟ أم إلى عدوٍّ ملَّكتَه أمري؟ إن لم يكن بكَ غضبٌ عليَّ فلا أُبالِي، ولكِنْ عافيتُكَ أوسعُ لي. أعوذُ بنورِ وجهِك الذي أشرقَت له الظلمات، وصَلُحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرة؛ من أن ينزِلَ بي غضبُك، أو يَحِلَّ عليَّ سُخْطُكَ؛ لكَ العُتْبَى حتى ترضَى، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بك".

 

وبعدَ الطائف ناداهُ مَلَكُ الجبالِ أن يأمرَه أن يُطْبِقَ على مكةَ الأَخْشَبَيْنِ؛ فقال: "أرجُو أن يُخرِجَ الله من أصلابِهم من يعبُدُ اللهَ". وهذا هو الحِلمُ واليقينُ والصبرُ والرحمةُ. ولم يرجع إلى مكة إلا في جوار رجلٍ مُشرِكٍ، فلما جفَا أهلُ الأرضِ هذا النبيَّ، واستخفُّوا به وناصَبُوه العداوةَ، وقَعَدُوا بكل سبيل يرُدُّون دعوةَ التوحيد؛ أرادَ الله بعزَّته أن يرفعَ رسولَه الكريم -عليه الصلاة والسلام- إلى السماوات العُلى، إلى ذي العرش العظيم؛ ليرفعَ منزلتَه وليُكرِمَه بذلك؛ وليكونَ عزاءً وتسليةً لرسولِه -صلى الله عليه وسلم- عن جفاء الكافرين؛ وليكونَ تهيئةً وإعدادًا لهذا الدين الذي سيكونُ -فيما بعد الإسراء- له من النصر المُبين في الْمَواطِن كُلِّها ما به يظهرُ على الشركِ كلّه، قال الله -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[التَّوْبَةِ: 33]، ورفعُ الربِّ -تبارك وتعالى- لرسولِه إلى السماوات له معنى رفعة الإسلام أبدًا؛ فالإسلامُ يعلُو ولا يُعلَى عليه؛ كعلُوِّ رسولِه -صلى الله عليه وسلم- إلى مُستوًى لم يبلُغْهُ رسولٌ قبلَه. فطُوبَى لمن نصرَه، وويلٌ لمن عاداه وخذَلَه، قال -تعالى-: (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[التَّوْبَةِ: 40].

 

أيها الناسُ: افتتَح -تبارك وتعالى- الإسراءَ بقولِه العزيزِ: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الْإِسْرَاءِ: 1].

 

وربُّ العالمين إذا أرادَ أن يُنزِّهَ نفسَه ويُقدِّسَها، ويُثنيَ على نفسِه بصفات الكمال والجلال والكبرياء والعظمة وكمال القُدرة؛ يبدأ هذا بتسبيحِ نفسِه -جلَّ وعلا-؛ كقوله -سبحانه-: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)[يس: 83]، وكقوله -تعالى-: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)[الصافات: 180].

 

وإذا أرادَ أن يُنزِّه نفسَه -جل وعلا- عن أقوال المُشرِكين والمُلحدين التي يُقدَّسُ الربُّ ويُنزَّه عنها، وي-تعالى- الله ويتعاظَمُ عنها -جلَّ وعزَّ-؛ يبدأ بتسبيح نفسه -تبارك وتعالى-؛ كقوله -تعالى-: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا -سُبْحَانَهُ-)[الْأَنْبِيَاءِ: 26]، وكقوله -تعالى-: (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الطُّورِ: 43].

 

وإذا أرادَ الله أن يُذكِّر بعجائِبِ أفعالِه وآياتِه العِظام، وبديع صُنعِه وما خلَق؛ بدأ بتسبيح نفسه -تعالى- كقوله -عز وجل-: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ)[يس: 36].

 

وأُمرنا بالتسبيح في كل حال؛ قال الله -تعالى-: (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى)[طه: 130]، ومن القراءة المتواترة: (فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تُرْضَى)بضمِّ التاء.

 

ومن أسباب نعيمِ أهل الجنة دوامُ التسبيح؛ قال الله -تعالى- عن أهل الجنة: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)[يُونُسَ: 10]، وفي الحديث: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالْحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ"(رواه مسلم)، عن جابر -رضي الله عنه-.

 

والإسراء من أفعال الله -تعالى- العجيبة، والآيات الكُبرى التي تُوجِبُ تسبيحَ الله -تعالى- وتقديسَه وتنزيهَه عن أن يكون له شبيهٌ أو مثيلٌ في ذاته أو صفاته أو أفعاله؛ فلا زمانَ يَخرُجُ عن قُدرةِ اللهِ، ولا مسافةَ تُعجِزُ اللهَ -تعالى-؛ ولا مكانَ إلَّا وهو مُلكُ اللهِ -سبحانه- وفي قبضته، هو -سبحانه- القابضُ والباسطُ القادرُ؛ يقدِر أن يجعل الزمنَ القصيرَ متَّسِعًا لما يشاء من الأمور، ويقدِر أن يجعل المسافةَ التي تكون أبعدَ شيءٍ أقصرَ شيءٍ تُقطَعُ كما أرادَ اللهُ -جل وعلا-؛ كما قال -سبحانه-: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ في السَّمَاوَاتِ وَلَا في الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا)[فَاطِرٍ: 44].

 

وفي ليلة الإسراء جَرَتْ لسيد البشر عمليَّةٌ جراحيَّةٌ تكريميَّةٌ؛ زادتْه كمالًا في عقلِه ونفسِه وقلبِه وروحِه، ونورًا في كمالِ فِطرتِه وقوةِ بدنِه ويقينٍ في إيمانِه؛ عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حدَّثَهم عن ليلةَ أُسْرِيَ به قال: "بينما أنا في الحِجْرِ مُضطَجعًا، إذ أتاني آتٍ فشقَّ ما بين نحرِه إلى شِعْرَتِهِ، فاستخرجَ قلبي؛ ثم أُتيتُ بطستٍ من ذهبٍ مملُوءةٍ إيمانًا، فغسلَ قلبي ثم حُشِيَ ثم أُعيدَ"(رواه البخاري ومسلم).

 

وفي حديث شُريكٍ عن أنسٍ -رضي الله عنه-: "أن ثلاثة نفرٍ من الملائكة ليلةَ أُسْرِيَ به احتمَلُوه فوضعُوه عند بئر زمزم، فتولَّاه جبريلُ؛ فشقَّ ما بين نحرِه إلى لَبَّتِه حتى فرَغَ من صدرِه وجوفِه، وغسلَه بماءِ زمزم بيدِه حتى أنقَى جوفَه؛ ثم أتَى بطستٍ من ذهبٍ محشُوٍّ إيمانًا وحِكمًا، فحشَى به صدرَه ولَغَادِيدَهُ -يعني عُروقَ صدرِه- ثم أَطْبَقَهُ"(رواه البخاري ومسلم).

 

وهذه عمليةٌ جراحيةٌ كماليةٌ ليس فيها أيُّ ألم؛ بلغَ بها سيِّدُ الخلق -صلى الله عليه وسلم- أعلىَ الكمالِ البشري الذي ليس بعدَه كمالٌ؛ ليكون مُهيًّا ومُقدَّسًا من الله -تعالى- في قُربِه من ربِّ العزة والجلال ومُناجَاةِ الربِّ -سبحانه-؛ وليستقبِلَه الملأُ الأعلى استقبالَ أفضلِ رسولٍ بعَثَه؛ وليكونَ مخصوصًا بالشفاعة العُظمى يومَ القيامة لفصل الله -تعالى- بين الخَلْق، وهذه العمليةُ الجراحيةُ الإلهيةُ الكماليةُ مثلُ شقِّ صدرِه وهو صبيٌّ من غير ألَم؛ فاستُخرِجَ من قلبِه عَلَقَةُ دمٍ وقيلَ: هذه حظُّ الشيطانِ من بني آدم.

 

ولما جاء ميقاتُ الإسراء قال: "ثم أُتيتُ بدابَّة دون البغل وفوق الحِمار أبيض -وهو البُراق- يضَعُ حافِرَه عند أقصَى طَرْفِه"(رواه البخاري ومسلم)، عن أنس، قال: "ثم حملَني عليه جبريل، ثم خرجَ معي لا يفوتني ولا أفوتُه".

 

قال ابنُ كثير: "فلما جاء بيتَ المقدس ربطَه بالحلقة التي كانت تَربطُ بها الأنبياءُ، ثم دخلَ بيتَ المقدس فصلَّى في قبلتِه ركعتَين، وبقيَ البُراقُ مربوطًا ليرجعَ عليه إلى مكة".

 

قال: "لَمَّا فرغتُ مما كان في بيتِ المقدس أُتيَ بالمعراج، ولم أرَ شيئًا قطُّ أحسنَ منه؛ وهو الذي يمُدُّ إليه ميتُكم بصرَه إذا حُضِرَ، فأصعدَني فيه جبريل"(رواه ابن إسحاق عن أبي سعيد الخُدري).

 

وروى البخاريُّ ومسلمٌ صُعودَ النبي -صلى الله عليه وسلم- وعُروجَه إلى السماء الدنيا، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، مُرتَّبين في السماوات: آدم، وقال: "مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح"؛ ثم عيسى ويحيى، ثم يوسف، ثم إدريس، ثم هارون، ثم موسى، ثم إبراهيم، وقال: "مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح" -صلى الله وسلم عليهم أجمعين-، وكلُّهم سلَّم عليه ورحَّب به وأثنَى عليه بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم رُفعَ إلى سدرة المُنتَهَى. قال الإمام ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وغشِيَها عند ذلك أمورٌ عظيمة وألوانٌ متعدِّدةٌ باهرةٌ؛ وركِبَتها الملائكة كالغِربانِ على الشجرِ كثرةً؛ وفَرَاشٌ من ذهبٍ، وغشِيَها من نورِ الله -جل وعلا- ما غَشِيَ؛ حتى لا يستطيعُ أحدٌ من خلقِ الله أن ينعَتَها".

 

قال ابن كثير: "ثم جاوَزَ مراتبَهم كلَّهم؛ حتى ظهرَ لمستوًى يسمعُ فيه صريفَ الأقلامِ".

 

وكلَّمَ اللهُ -تعالى- نبيَّه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بلا واسِطَة ليلةَ إذٍ، وفرَضَ الله عليه خمسين صلاةً في اليوم والليلة، فمرَّ على موسى -صلى الله عليه وسلم- فقال: بما أُمِرْتَ؟ فقال: "بخمسين صلاة". فقال: "إن أمتَك لا تستطيعُ ذلك، وإني -واللهِ- قد عالَجتُ بني إسرائيل أشدَّ المُعالَجَة، وجرَّبتُ الناس قبلَك؛ فارجِعْ إلى ربِّك فاسأله التخفيف".

 

ثم رجعَ إلى موسى، فيقولُ له في كل مرَّة: "ارجع إلى ربِّك واسأله التخفيف على أمتِك". حتى أمرَه ربُّه -جل وعلا- بخمس صلواتٍ في اليوم والليلة، كما روى البخاري ومسلم. فهي خمسُ صلوات. فقال الرب -تبارك وتعالى-: "يا محمد، إنهنَّ خمس صلواتٍ كلَّ يومٍ وليلة، كل صلاةٍ بعشر؛ فذلك خمسون صلاةٍ"(رواه البخاري ومسلم)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.

 

ثم هبطَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى بَيْت الْمَقدسِ، وصلَّى نبيُّنا -عليه الصلاة والسلام- بالأنبياء في بَيْت الْمَقدسِ؛ فتقدَّمهم إمامًا بهم عن أمر جبريل -فيما يرويه عن ربِّه-؛ وهذا يدلّ على أن شريعةِ محمد -صلى الله عليه وسلم- ناسِخةٌ لما قبلَها.

 

ورأى من ملكوت الله وآياته ما لم يَرَهُ بشرٌ من المرسلين، ثم ركِبَ البُراقَ إلى مكة، وحدَّثَ الناسَ بما أكرمَه الله به؛ فالمؤمنون صدَّقوا وازدادوا إيمانًا، والمكذِّبون كذَّبوا.

 

وأقامَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- البراهينَ والحُجَجَ على الإسراء؛ بأَنْ وصفَ لهم بيتَ المقدس بأدقِّ التفاصيل وهو لم يره قبلَ ذلك. عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لَمَّا كذَّبني قريش قُمتُ في الحِجْرِ فجلَّى اللهُ لي بيتَ المقدس، فطفِقتُ أخبرُهم عن آياته وأنا أنظرُ إليه"(رواه البخاري ومسلم). وفي القوم مَنْ سافَرَ إلى البلد ورأى المسجد؛ فقال المكذِّبون: "أَمَّا النَّعْتُ فوالله لقد أصاب".

 

ومن آيات صدقه في الإسراء أنَّه قال: "مرَرنا بعيرِ بني فُلان، بوادي كذا وكذا، فَنَدَّ لهم بعيرٌ؛ فدللتُهم عليه وأنا متوجِّهٌ إلى الشام"، "ثم أقبلت حتى إذا كنتُ بضجنان -جبلٍ قريبٍ من مكة- مررتُ بعيرِ بني فُلانٍ، فوجدتُ القومَ نيامًا ولهم إناءٌ فيه ماء قد غطُّوا عليه بالشيء؛ فكشفتُ غِطاءَه، وشربتُ ما فيه ثم غطَيْتُ عليه كما كان. وآيةُ ذلك أن عيرَهم تَصُوبُ الآنَ -أي تُقبِلُ- من ثنيَّة التنعيم البيضاء؛ يقدُمُها جملٌ أورَقُ عليه غِرَارَتَانِ -إحداهما سوداء والأخرى بَرْقَاء-". والغرارتان: وعاء الحَبّ كالكيس. تطلُعُ العيرُ مع شُروق الشمس؛ فابتدَر القومُ الثنيَّةَ، فقالوا: هذا شُروق الشمس. ثم قالوا: وهذه العيرُ قد طلَعَتْ مع شُروق الشمس، وهذا الجَملُ الأول في العير بهذه الصفة؛ أول ما طلَعَ كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

ومن آيات صدقه -عليه الصلاة والسلام- قوله: "ثم مرَرنا بعيرٍ لقريش بمكان كذا وكذا، قد أضلُّوا بعيرًا؛ فسلَّمتُ عليهم فقال بعضهم لبعض: هذا صوتُ محمدٍ".

 

وأعظمُ آيةٍ على أنَّه -عليه الصلاة والسلام- أُسْرِيَ به وعُرِجَ به إلى السماوات: إخبارُه -عليه الصلاة والسلام- بذلك، وتصديقُ الصحابة -رضي الله عنهم- له؛ وأولُهم الصديق -رضي الله عنه- قال: "لَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ صَدَقَ؛ إِنِّي أُصَدِّقُهُ عَلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ؛ خَبَرِ السَّمَاءِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً. فَمَا كَانَ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ -تَعَالَى-".

 

والإسراء والمعراج كان يَقَظَةً بروحِه وجسدِه المُطهَّرِ؛ وهذه عقيدةُ المسلمين. وما كان من الأحاديث التي فيها أنَّه كان منامًا؛ فإنَّ الأحاديث التي تذكرُ ذلك تدلُّ على أن المنامَ توطِئَةٌ؛ فذكَر ابنُ كثيرٍ أنَّه رأى مثلَ ما وقعَ له يَقَظَةً رآه منامًا قبلَه؛ ليكون ذلك من بابِ الإرهاص والتوطِئة والتثبيت والإيناس، فإن رُؤْيَا الأنبياء حقٌّ؛ كرُؤْيَا إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في ذبحِ ولدِه. وفي حديثَ عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان لا يرَى رُؤْيَا إلا جاءت كفلَق الصبح"(رواه البخاري ومسلم).

 

وأمَّا المعراج فقد رأى فيه من آيات الله الكبرى ما فاقَ المُرسَلينَ درجاتٍ، وشرفَت لِمَوْطِئِ قدمِه السماواتُ، كما شرفَت الأرضُ به. وشيَّعَه الرسلُ الكرامُ العِظامُ والمُقرَّبُون من كل سماءٍ في صُعودِه.

 

قال ابن كثير -رحمه الله-: "والظاهرُ أنَّ الأنبياءَ هَبَطُوا معه تكريمًا وتعظيمًا عند رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة" انتهَى. ورأى الجنة والنار، وأنهارَ الجنة. ورأى جبريل -عليه الصلاة والسلام- على صورته التي خلقَه الله عليها؛ له ستمائة جناح، كلُّ جناحٍ يسُدُّ الأُفَق. رآه مرتين. في آياتٍ من ملكوت الله كانت زادًا له وقوةً وعزمًا ويقينًا في نشر دينه، لا يرَى بعد الإسراء والمعراج مشاقَّ وعَنَتًا وشدائدَ وحُزنًا في كيد الأعداء ومَواطِن جهادِه؛ فإذا وجدَ شيئًا من ذلك ذكرَ الإسراء والمعراج؛ فكان ذلك أعظمَ قوةٍ له؛ تكونُ الشدائدُ عندَه بعده كسحابةِ صيفٍ تنقشع سريعًا.

 

وما أخبرَ به -عليه الصلاة والسلام- في الإسراء من البراهين على صدقِه؛ بيَّنه اللهُ في المعراج في القرآن الكريم، وبيَّنه رسولُه -صلى الله عليه وسلم- في سُنَّتِه. لا نشُكُّ في ذلك مثقالَ ذَرَّة؛ فثِقَتُنا ببصر رسولنا -عليه الصلاة والسلام- الذي قالَ اللهُ فيه: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)[النَّجْمِ: 17] أعظمُ من ثِقَتنا بأبصارنا؛ لأن أبصارنا قد يعتريها الخِداعُ، وثِقَتُنا بفُؤاد رسولِنا -صلى الله عليه وسلم- محمدٍ أعظمُ من ثِقَتنا بأفئِدَتنا؛ لقول الله -تعالى-: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)[النَّجْمِ: 11]؛ ولأن أفئِدَتنا يعتريها النقصُ والضعفُ.

 

بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله -تعالى-: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)[النَّجْمِ: 10-18].

 

بارَك اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَنا بهدي سيِّد المرسلين. أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ؛ فاستغفِروه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ لله ذي المُلكِ والملكوتِ، والحمدُ لله ذي العِزَّةِ والجبروتِ؛ الذي يُميتُ الخلائقَ ولا يمُوت. وأشهد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ذو الطَّوْلِ؛ لا إلهَ إلَّا هو إليه المصيرُ. وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدنا محمدًا عبدُه ورسولُه؛ البشيرُ النذيرُ، والسِّراجُ المُنيرُ. اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدكَ ورسولكَ محمدٍ، وعلى أهلِه وصحبِه السابِقين إلى كلّ عملٍ مبرورٍ، وخيرٍ مشكورٍ.

 

أما بعدُ: فاتقوا اللهَ بالمُسارَعة إلى مرضاته، ومُجانَبة مُحرَّماته؛ تفوزُوا برِضوانه والجنَّات، وتنجُوا من العذابِ والهوانِ والحسَراتِ.

 

أيُّها المسلمون: تذكَّروا ما أنعمَ اللهُ به عليكم بفَرْض هذه الصلواتِ التي لو كانت مفروضةً على الأمم الهالكة، وقاموا بها ما أُخذوا بالهلاك والاستِئْصال؛ فقد هبطَ نبيُّنا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- من عند ربِّ العزة والجلال بعد المعراج بكل خيرٍ لأُمَّتِه، ونزلَ بالرحمةِ والسلامِ والعدلِ والإحسان والهدايةِ إلى صراط الله المستقيم. وبالشريعة الرحيمة التامَّة الشاملة التي تُصلِحُ الحياةَ كُلَّها؛ والتي لا ظُلمَ فيها ولا عيبَ، والتي لم ترَ البشريةُ أرحمَ منها ولا أعدَلَ، قال الله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[الْأَنْبِيَاءِ: 107]، ورأى الناسُ ذلك بأعينِهم، وعاشُوا في ظلِّها حياتَهم. فما أحسنَ أثرَ المسلمينَ على الناس، وما أسوأَ وأقبحَ أثرَ المُعادين للإسلام على المسلمين، قال الله -تعالى-: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 110] الآيات.

 

وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الخلقُ عيالُ الله، فأحبُّهُم إلى الله أنفعُهم لعياله"(حديثٌ حسن من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-). وهذا الوصفُ تجِدُه في المؤمنين. ومعنى عيالُ الله: أي الذين يعُولُهم ويُحسِنُ إليهم.

 

يا أيُّها المسلمون: هل تدرون ماذا كانت حالُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الثَّبات بعد أن هبطَ من المعراج؟

 

قال الإمامُ ابنُ كثيرٍ: "وعادَ إلى مكة فأصبَح بها وهو في غايةِ الثَّباتِ والسَّكِينةِ والوقارِ. وقد عاينَ في تلك الليلة من الآياتِ والأمورِ التي لو رآها -أو بعضَها- غيرُه لأصبح مندهشًا أو طائشَ العقل؛ ولكنَّه أصبح ساكنًا". انتهى. فسبحان مَنْ خصَّه بهذا الكمال البشري.

 

عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد. اللهمَّ بَارِكْ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.

 

اللهمَّ ارضَ عن الخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ؛ وعن الصحابة أجمعين، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ وعنَّا معهم برحمتِك يا أرحم الراحمين.

 

اللهمَّ أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الكفر والكافرين. اللهمَّ انصُر دينَك وكتابَك وسُنَّة نبيِّك محمد -صلى الله عليه وسلم-. اللهمَّ احفَظ الإسلام وأهله في كل مكان يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ اغفِر لأمواتِنا وأمواتِ المسلمينَ، واغفِر للمسلمينَ والمسلماتِ يا ربَّ العالمينَ يا أرحمَ الراحمينَ. اللهمَّ اشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا. اللهمَّ أعِذنا وذرياتنا من إبليس وأوليائه. اللهمَّ يسِّر أمرَ كل مسلمٍ ومسلمةٍ.

 

اللهمَّ ادفعَ عَنَّا الغَلَاءَ والوَبَاءَ والرِّبَا والزِّنَا والزَّلَازِلَ والمِحَنَ، وسُوءَ الفتن ما ظهرَ منها وما بطَن؛ اللهمَّ أغثنا غَيْثًا نَافِعًا غيرَ ضارٍّ. اللهمَّ استر عوراتنا وعورَاتِ المسلمين، وآمِن روعاتنا يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ احفَظ هذه البلاد المباركة بحدودها وجنودها وأمنها وخيراتها. اللهمَّ وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضَى، وأَعِنْه على كل خيرٍ يا ربَّ العالمينَ. اللهمَّ وفِّقه ووليَّ عهده لما فيه الخيرُ لهذه البلاد والعباد.

 

اللهمَّ احفَظ بيتَ المقدس من الصهاينة المُحتلِّينَ. اللهمَّ وانصُر فلسطين على الصهاينة المُعتدين الظالمين. اللهمَّ اجعل للمؤمنينَ والمسلمينَ من أهل فلسطين فرَجًا ومخرجًا. اللهمَّ اكْفِهِمْ شرارَهم. اللهمَّ أطعِمهم واكسُهم، ويسِّر لهم الدفءَ والسكن، وأجزِل عليهم رحمتَك التي تُغنيهم بها عن رحمة مَنْ سِواكَ يا ربَّ العالمينَ.

 

(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]. اللهمَّ لا تكِلنا إلى أنفسنا طرفةَ عين، ولا أقلَ من ذلك.

 

عبادَ اللهِ: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبِّحوه بُكرةً وأصيلًا؛ واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلم ما تصنعون.

المرفقات

فوائد وعظات من الإسراء والمعراج.doc

فوائد وعظات من الإسراء والمعراج.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات