فوائد وعظات من سورة "ق"

الشيخ ياسر الدوسري

2026-01-09 - 1447/07/20 2026-01-10 - 1447/07/21
عناصر الخطبة
1/بعض فوائد وعظات سورة "ق" إجمالا 2/بيان بعض فوائد وعظات سورة "ق" تفصيلا

اقتباس

سورةٌ من سور القرآن اشتَمَلَت على أعظم مقاصِد الإسلام، وأجلِّ غاياته العظام؛ فشهِدَت بصدق رسالات الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؛ وردَّت على شُبُهات أهل الكفر والضلال؛ وأقامَتْ دلائلَ البعث والنشور بالحُجَّة والبرهان؛ وكشفَت عن مَشاهِد الموت والحساب...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ لله؛ نحمدُه ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ:70-71].

 

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ وشرَّ الأمور مُحدَثاتُها، وكل مُحدَثةٍ بِدعةٌ، وكل بِدعةٍ ضلالةٌ.

 

معاشرَ المسلمينَ: سورةٌ من سور القرآن اشتَمَلَت على أعظم مقاصِد الإسلام، وأجلِّ غاياته العظام؛ فشهِدَت بصدق رسالات الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؛ وردَّت على شُبُهات أهل الكفر والضلال؛ وأقامَتْ دلائلَ البعث والنشور بالحُجَّة والبرهان؛ وكشفَت عن مَشاهِد الموت والحساب؛ تبصِرةً وذكرَى لأُولِي الألباب؛ إنها "سورةُ ق"؛ والتي نقِفُ اليومَ مع آياتها؛ نستنبِطُ دلالاتِها، ونتمعَّنُ في مقاصِدها، ونُبحِرُ في معانيها، وإنها فيها لذكرى (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)[ق:37]، فلقد كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يعِظُ الناسَ بها في الأعياد والمجامِع، والمواسم والمحافِل، فعن أم هشام -رضي الله عنها- قالت: "ما أخذتُ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)، إلا عن لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ يقرأُها كلَّ يومِ جمعةٍ على المنبر إذا خطبَ الناس"(رواه مسلم).

 

أيها المؤمنون: استهلَّ اللهُ -جل وعلا- هذه السورة بحرفٍ من الحروف المُقطَّعة؛ التي تحمِلُ من الدلالات والإشارات ما الله أعلمُ بمبلغه ومراده ومقصده، ثم أَقسَم اللهُ بالقرآن المجيد، ثم أتبعَ ذلك ببيان عجب المشركين من بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتكذيبهم بالبعث والنشور، فقال -تعالى-: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ في أَمْرٍ مَرِيجٍ)[ق:1-5].

 

وهكذا جاء مَطْلَعُ السورة يقرعُ المشركينَ على إنكارهم البعثَ، وتكذيبهم للحق؛ بأسلوبٍ مُحكَمٍ متينٍ، وبيانٍ متقَنٍ رصينٍ.

 

ثم جاءت البراهينُ على إثباتِ البعثِ، وأنَّه ليس بأعظم من ابتداء خلق السماوات وما فيها وخلق الأرض وما عليها، وقد بثَّ اللهُ في الكون من الآيات البيِّنات ما لو تأمَّلوه لَارتدعوا عن جدالهم، ورجعوا عن ضلالهم، فقال -سبحانه-: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ)[ق:6-8].

 

ثم ضرَب اللهُ مثلًا للبعث والنشور بإحياء الأرض الموات؛ فإذا أَذِنَ اللهُ للسحاب أن يُمطِر، وللأرض أن تُنبِت؛ اخضرَّ وَجهُها، وتفتَّحَتْ أزهارُها، وأخرجت ثمارها، قال -جل وعلا-: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ)[ق:9-11]، فإحياءُ الأرضِ بعد موتها دليلٌ على إحياء الإنسان بعد موته؛ إنها حجةٌ باهرةٌ، وبينةٌ ظاهرةٌ، ولكن هؤلاء اتَّبَعُوا سَنَنَ مَنْ كان قبلهم، فكفروا بآيات الله ظلمًا، وكانوا عن الانتفاع بالقرآن عميًا وصمًّا، قال -عز وجل-: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ في لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ)[ق:12-15].

 

ثُمَّ يؤكِّد الخلَّاقُ العليمُ تفرُّدَه بالخَلْق، وعِلْمَه بالنفس البشريَّة وما فيها من همةٍ وإرادةٍ ووساوسَ خفيةٍ؛ فقال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)[ق:16]، وهذا يدعو الإنسانَ إلى مراقَبةِ خالقِه المطَّلِعِ على ضميره وباطنه، القريب منه في جميع أحواله؛ فيستحي منه أن يفقده حيث أمَرَه، أو يراه حيث نهاه وزجَرَه.

 

ولقد وكَّل اللهُ بالإنسان ملكينِ يكتبانِ، وعن أعماله لا يَغفُلان، قال -تعالى-: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[ق:17-18]؛ إنها مراقَبةٌ دائمةٌ؛ في الخلوات والجلوات، وفي الحركات والسكنات، ولكنَّ كثيرًا من العصاة عن ذلك لاهون، وعن عواقبه ساهون، حتى إذا حضَر الأجلُ، واشتدَّ من سكرات الموت الوجلُ، وحانت ساعةُ الفراق، والتفَّت الساقُ بالساقِ؛ نَدِمَ الغافلُ ولاتَ حينَ مناص، قال -جل وعلا-: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)[ق:19].

 

وبعدها يمكُثُ العبدُ -ما شاء اللهُ أن يمكُثَ- في برزَخِه؛ إلى أن يأتي يومٌ يُبعثَرُ فيه ما في القبور، ويُحصَّلُ ما في الصدور، وحينها ينتهي الظُّلمُ، ويُقامُ العدلُ، ويُحاسَبُ العبادُ، وتُنصَبُ الموازينُ، وتُنشرُ الدواوينُ، ويُحضَرُ الأشهادُ، وتنطِقُ الأركانُ.

 

ملائكةٌ تسوقُ العبادَ إلى المحشر، وملائكةٌ تشهدُ عليهم، قال -عز وجل-: (وَنُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ في الْعَذَابِ الشَّدِيدِ)[ق:20-26]، فيلقي العبدُ باللائمة على قرينه الذي أطغاه؛ فيتبرَّأ منه القرينُ، وينفي أن يكون قد أغواه قائلًا: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ في ضَلَالٍ بَعِيدٍ)[ق:27]، فيُنهي اللهُ ذلك الخِصامَ بكلمة الفصل والقضاء العدل؛ فقد سبقَ الوعيدُ، وتوالت النُّذرُ على العبيد؛ (قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)[ق:28-29].

 

وفي مشهدٍ من أعظمِ مَشاهِدِ يومِ القيامةِ؛ نارٌ تكادُ تميَّزُ من الغيظ الشديد، وتسألُ ربَّها المزيدَ، قال -عز وجل-: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)[ق:30]، عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "لا تزالُ جهنمُ يُلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمَه، فينزَوي بعضُها إلى بعضٍ وتقول: قَطْ قَطْ"(رواه مسلم).

 

وفي المقابل مشهدٌ عظيمٌ لتكريم عباد الله المتقينَ، وما أعدَّه لهم من النعيم المقيم؛ فتُقرَّب لهم الجنة وتُدنى منهم؛ لينظروا إليها، ويزدادوا شوقًا إليها قبلَ دُخولِها، قال -سبحانه-: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ)[ق:31-33]، فيا بشراهم حين يقال لهم: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ)[ق:34]، فالجنةُ دارُ أمنٍ وسلامٍ؛ لا غِلَّ فيها، ولا تدابُرَ، ولا خِصامَ؛ (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ)[يُونُسَ:10]، لهم فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطَر على قلب بشر، وأعظمُ ذلك وأجلُّه وأفضلُه: النظرُ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ، والتمتُّعُ بسماعِ كلامِه، والتنعمُ بقربِه، قال -سبحانه-: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)[ق:35].

 

عبادَ اللهِ: بارَك اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، وبهدي سيِّد المرسلين -عليه أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم-.

 

أقول قولي هذا، وأستغفِر اللهَ لي ولكم؛ فاستغفِروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أنزلَ القرآن هُدًى للمتقين، ورحمةً وموعِظةً للمؤمنين، وعبرةً للمعتبرين، وأشهد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبه، ومَنْ سار على نهجه إلى يوم الدين.

 

أما بعدُ، معاشرَ المسلمينَ: وعطفًا على ما تقدَّم من الإنذار والوعيد؛ تنتقل السورة من الاستدلال إلى التهديد؛ فتُذكِّر بعاقبة المكذبينَ من الأمم السابقة والقرون السالفة، قال -عز وجل-: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا في الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)[ق:36-37].

 

ثُمَّ يُبيِّن اللهُ أنَّه خلَق السماواتِ والأرضَ وما بينَهما في ستة أيام، وما مسَّه مِنْ تعبٍ ولا إعياءٍ؛ فالذي أوجَدَها على عظمتِها قادرٌ على الإعادةِ والإحياءِ؛ بل هو أهونُ عليه، وللهِ المثلُ الأعلى، قال -سبحانه-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ)[ق:38]، ومع ذلك كذَّبَ المُكَذِّبُون، وجَحَدَ الجَاحِدُون؛ فجاءَ التوجيهُ الرَّبَّانيُّ للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بالصبر على أذى المشركينَ، والاشتغالِ بالتسبيحِ والأذكارِ في كلِّ حينٍ، قال -سبحانه-: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)[ق:39-40].

 

ثم تعودُ السورة إلى التذكير بمَشاهِد النُّشورِ؛ يومَ يُنادِي المُنادِي، ويُنفَخُ في الصُّور، ويُبعَثُ الأمواتُ من القبور، قال -تعالى-: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ)[ق:41-44].

 

ولَمَّا كان القرآنُ العظيمُ مدارَ النجاةِ والسعادةِ، وحبلَ الصِّلةِ بينَ المؤمنِ وعالِمِ الغيبِ والشهادةِ؛ افتُتِحَت السورةُ بالقَسَمِ به، واختُتِمَت بالتذكيرِ به؛ قال -سبحانه-: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)[ق:45]، فيا له من براعةِ استهلالٍ، ومسكِ خِتامٍ!

 

هذا وصلُّوا وسلِّموا على المبعوث رحمةً للأنام محمد بن عبد الله -عليه أفضلُ الصلاة والسلام-؛ فقد أُمرتُم بذلك في مُحكَمِ البيانِ، فقال الرحيمُ الرحمنُ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ:56].

 

وعن أوس بن أوس -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ مِنْ أفضلِ أيامِكم يومَ الجمعةِ، فأكثِرُوا عليَّ مِنَ الصلاةِ فيه، فإنَّ صلاتَكم معروضةٌ عليَّ"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

فاللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ؛ وبارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميدٌ مجيدٌ.

 

وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدينَ، الأئمةِ المهديينَ: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ؛ وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ، وعَنِ التابعينَ ومَنْ تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ؛ وعنَّا معهم بمنِّكَ وكرمِكَ وإحسانِكَ يا أكرمَ الأكرمينَ.

 

اللهمَّ اجعل القرآن العظيم ربيعَ قلوبنا، ونورَ صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغُمومنا؛ وسائقَنا ودليلَنا إليك وإلى جنَّاتك جنَّات النعيم.

 

اللهمَّ أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعَل هذا البلدَ آمِنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائرَ بلاد المسلمين، يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ أيِّدْ بالحقِّ إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين الملكَ سلمان، ووليَّ عهده الأمير محمد بن سلمان؛ ووفِّقهما لكل ما تحبُّ وترضى، ولِمَا فيه صلاحٌ للبلاد والعباد، ولكل ما فيه عزٌّ وتمكينٌ للإسلام والمسلمين؛ واجزِهما عَنَّا وعن الإسلام والمسلمين خيرَ الجزاء يا رب الأرض والسماء.

 

اللهمَّ انصُر رجالَ أمننا، وجنودَنا على ثغورنا؛ واحفَظهم بحفظك، واكلأهم برعايتك، وكُنْ لهم عونًا ونصيرًا، ومُؤيِّدًا وظهيرًا. واحفَظهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانِهم وعن شمائلهم، ومن فوقهم؛ ونعيذُهم بعظمتِكَ أن يُغتالوا من تحتهم يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ كُن لإخواننا في فلسطين، وارزقهم أمنًا وأمانًا، وسلامًا واطمئنانًا، اللهمَّ احفَظ المسجد الأقصى، واجعله شامِخًا عزيزًا إلى يوم الدين.

 

(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ:201].

 

عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ:90]، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ الجليلَ الكريمَ يذكُركم، ولَذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلم ما تصنعون.

 

 

المرفقات

فوائد وعظات من سورة ق.doc

فوائد وعظات من سورة ق.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات