عناصر الخطبة
1/وجوب الإيمان بانفراد الله تعالى بعلم الغيب 2/أقسام الغيب 3/ضلال من يدعي علم الغيب 4/التحذير من ضلال من يدعي علم الغيب 5/نفي الأنبياء والرسل عن أنفسهم علم الغيب 6/التحذير من السحرة والمشعوذين 7/وصايا لتجنُّب بعض الألفاظ غير الصحيحةاقتباس
مَنْ زارَ قبورَ الأولياء والصالحين ليدعوهم، أو يستغيثَ بهم، أو دعاهم من بعيد، أو نذَرَ لهم؛ أو اعتقَدَ أنهم يتصرَّفون في الأكوانِ ويعلَمونَ حوادثَ الزمانِ ويعلَمونَ الغيبِ؛ أو أنهم يستجيبون لمن دعاهم، أو أنهم ينفعون أو يضرُّون؛ فقد وقع في الشرك الأكبر المُخرِج من الملة...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، الحمد لله العالِم بخفيَّات الغيوب، وأشهد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له؛ شهادةً تُنيرُ لنا المسالك والدروب، وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه؛ شهادةً تُداوي أدواءَ القلوبِ، صلى الله عليه وعلى آلِه وأزواجه وذريَّته؛ ما هلَّت السحابةُ الدَّلُوحُ الصَّبُوب؛ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ؛ فيا أيها المسلمون: اتقوا اللهَ العليمَ بالخفيَّات، المُحيطَ بما في الضمائر من المقاصِد والنيَّات؛ واتقوا اللهَ الذي إليه تُحشَرون.
أيُّها المسلمون: مِنَ القواعدِ المُقرَّرةِ والأصولِ المُحرَّرةِ عندَ أهل السُّنَّة والجماعة: انفِرادُ الله -تعالى- بعلم الغيب، وأنَّه لا يعلمُه سِواه؛ وكذِبُ مَنِ ادَّعاه لنفسِه كائِنًا مَنْ كان.
واللهُ بالغيب والتقدير مُنْفَرِدٌ *** وما سِوَى حُكمِه غيٌّ وتضليلُ
قال -جلَّ وعزَّ-: (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ في السَّمَاوَاتِ وَلَا في الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا في كِتَابٍ مُبِينٍ)،[سَبَأٍ: 3]، وقال -جل في عُلاه-: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)،[النَّمْلِ: 65] وقال -تبارك وتعالى-: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) [الْأَنْعَامِ: 59].
فوصفَ اللهُ نفسَه بعلمِه الغيبَ؛ إعلامًا منه خلقَه باختصاصِه -سبحانه- بعلم الغيوب الخفيَّة، ونفي علمها عمن سِواه.
لَوَى اللَّهُ عِلْمَ الْغَيْبِ عَمَّنْ سِوَاءَهُ *** وَيَعْلَمُ مِنْهُ مَا مَضَى وَتَأَخَّرَا
والغيوبُ الخفيَّةُ قِسمان: القسمُ الأولُ: ما حجبَه اللهُ عن جميعِ خلقِه؛ فلا مَطْمَعَ لأحدٍ في علم شيءٍ منه، ولم يكشِفْهُ ربُّنا لأحد؛ لَا مِنَ الملائكةِ المُقرَّبينَ، ولا مِنَ الأنبياءِ والمرسَلينَ؛ كعلم الساعة، فلا يعلَمُ أحدٌ جليَّةَ أمرها ووقتَ مجيئِها وقيامِها إلا اللهُ وحدَه، قال -جلَّ وعزَّ-: (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ) [فُصِّلَتْ: 47]، وقال -جلَّ وعزَّ-: (إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) [النَّازِعَاتِ: 44-45].
القسمُ الثاني: ما كشفه الله لبعض ملائكته ورسله دون سائر خلقه لحكمٍ جليلة؛ فمن شاء الله إطلاعَه عليه منهم أطلعَه، ومن شاءَ حجبَه عنه حجَبَه، ولا يُفيضُ بذلك إلا على من شاءَ من رسلِه، ولا يعلَمُ ملكٌ مُقرَّب ولا نبيٌّ مُرسَلٌ شيئًا من الغيب إلا بتعليمٍ من الله -جلَّ وعزَّ- له، فيكشِفُ ما شاءَ من الغيوب لمن شاءَ من أنبيائه بطريق الوحي؛ ليكون ذلك معجزةً تدلُّ على نبوتِه، ودلالةً صادقةً على رسالتِه، وحُجَّةً ناطِقةً على يُمْنِ دعوتِه، قال -جلَّ وعزَّ-: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)،[آلِ عِمْرَانَ: 179] وقال -جل في علاه-: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) [الْجِنِّ: 26-27].
أيُّها المسلمون: ولا يدَّعي علمَ الغيب -الذي استأثرَ اللهُ به- إلا مَنْ كفرَ بالله العظيم؛ لأنَّه مُنازِعٌ لله في ربوبيَّته، ولا يُصدِّقُه إلَّا مَنْ كفرَ وكذَّبَ بالقرآن الكريم، قال الله -تعالى-: (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ) [الْقَلَمِ: 47]؛ أي: هل عندهم اللوحُ المحفوظُ المُثبَتُ فيه المُغيَّبات فهم يكتُبون منه؟!
ومَنْ زعمَ أنَّ أحدًا من الأولياء والصالحين يعلمُ الغيب فهو مُفتَرٍ كذَّابٌ، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ومَنْ حدَّثَكَ أنَّه -أي النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يعلمُ الغيبَ فقد كذب؛ وهو يقول: لا يعلمُ الغيبَ إلا الله"(أخرجه البخاري)، وفي صحيح مسلم، عنها -رضي الله عنها- قالت: "ومن زعمَ أنَّه -أي النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُخبِرُ بما يكونُ في غدٍ فقد أعظمَ على اللهِ الفِرْيَةَ".
أيُّها المسلمون: ولقد ادَّعَى بعضُ الكذبَة المُمَخْرِقِينَ، والحُثالةُ المُلبِّسين، وتُجَّارُ الوهم المُضِلِّين؛ أن الله كشفَ لهم مُخبَّآت الغيب، وما هو مستورٌ في اللوح المحفوظ؛ وكشفَ لهم الحُجُبَ والأستارَ، وأظهرَ لهم الغيوبَ والأسرارَ؛ وأنَّهم يعلمون الوقائع المُستقبليَّة، ويعلَمون ما يختلِجُ في الصدور، ويعلَمون ما كان وما يكون؛ وأنَّهم ورِثوا علمَ الغيوب كما ورِثَ النبوَّةَ يعقوبُ.
فاحذَروا -يا عبادَ اللهِ- من دعاوَى المُخرِّفين، وتدليس المُدلِّسين، وتلبيس المُلبِّسين؛ الذين يتوصَّلُون بهذه الدعاوَى إلى الاستِيلاء على أموال السُّذَّجِ والبُسَطَاءِ والأغرارِ، وتكثيرِ الأتباعِ والأشياعِ؛ واتخاذ المُغرَّر بهم سُخرةً؛ يخدعونهم ويستسخرونهم ويستذِلُّونهم ليكونوا لهم خدمًا وحشمًا وتبعًا، وما هم إلا دجاجلةٌ ضالُّون، أفَّاكون يتأكَّلون بالدعاء علم الغيب المحجوب.
لا يعلمُ الغيبَ إلا اللهُ خالِقُنا *** لا غيرُه عالِمٌ عُجْمًا ولا عَرَبَا
لا شيءَ أجهَلُ ممن يدَّعي ثِقَةً *** بِحَدْسِه وترى فيما يرى رِيَبَا
قد يجهَلُ المرءُ ما في بيتِه نظرًا *** فكيفَ عنهُ بما في غيبِه احتجَبَا؟
أيُّها المسلمون: وقد نفَى الأنبياءُ والرُّسُلُ -عليهم السلام- عن أنفسهم علمَ الغيب؛ قال الله -تعالى- مُخاطِبًا نبِيَّه محمدًا -صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) [الْأَنْعَامِ: 50]، فأمرَه ربُّه أن ينفِيَ عن نفسِه علمَ الغيب؛ لأنَّه لا يعلمُه غيرُ اللهِ -تعالى-؛ وأنَّ ما أخبرَ به من غيبٍ فهو عن الله ووحيه.
وقال -سبحانه- لنبيِّه -صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الْأَعْرَافِ: 188]؛ أي: ولو كنتُ أعلمُ الخصبَ من الجدبِ لأعددتُ للسنةِ المجدبةِ من المخصِبةِ؛ وما مسني الجوعُ، ولو كنتُ أعلمُ الغلاءَ من الرخص لأخذتُ الأهبةَ لأيام الغلاء من أيام الرخص؛ وما مسني الغلاءُ، ولو كنتُ أعلمُ يومَ العسرِ مِنْ يومِ اليسرِ لكنزتُ في أيام اليسر لأيام العسر؛ وما مسني العسرُ.
وعن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذٍ قالت: قالت جاريةٌ: "وفينا نبيٌّ يعلَمُ ما في غَدٍ". فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تقولي هكذا، وقولي ما كنتِ تقولين"(أخرجه البخاري)، وفي روايةٍ عند ابن ماجه: "أما هذا فلا تقولوه؛ ما يعلم في غدٍ إلا اللهُ".
ونفَى عيسى -عليه السلام- علمَه الغيبَ، وبيَّنَ أنَّه لا يعلمُ من الأشياء إلا ما علمَه ربُّه؛ فقال: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [الْمَائِدَةِ: 116]، فهؤلاء أنبياءُ الله ورسُلُه نفَوْا عن أنفسِهم علمَ الغيبِ؛ فكيف يدَّعي معرِفةَ الغيبِ مَنْ يدَّعيه ممَّنْ يزعُمُ أنَّه من أتباع الأنبياء والرُّسُل؟!
ومَنْ زارَ قبورَ الأولياء والصالحين ليدعوهم، أو يستغيثَ بهم، أو دعاهم من بعيد، أو نذَرَ لهم؛ أو اعتقَدَ أنهم يتصرَّفون في الأكوانِ ويعلَمونَ حوادثَ الزمانِ ويعلَمونَ الغيبِ؛ أو أنهم يستجيبون لمن دعاهم، أو أنهم ينفعون أو يضرُّون؛ فقد وقع في الشرك الأكبر المُخرِج من الملة؛ فدعاءُ الأموات، والاستغاثةُ بهم، والذبحُ لهم، وطلبُ الشفاء منهم، وطلبُ الغائِبين من الجن أو الملائكة أو غيرهم؛ كلُّه من الشرك الأكبر.
أيُّها المسلمون: والملائكةُ لا يعلمون غيبَ الربِّ الذي اختصَّ به، ولا يعلمون من الغيوب إلا ما أعلمَهم الله به، وقد جهِلُوا أسماءَ المخلوقات المعروضة حين عُرِضَت عليهم؛ لعجزهم عن معرفة الغيب إلا بتعليم الله لهم، وقد علَّم الله آدم الأسماءَ كلَّها -علَّمه اسمَ كل دابَّة وكل طيرٍ وكل شيءٍ- ثم عرَضَهم على الملائكة فقال: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [الْبَقَرَةِ: 31]. قالت الملائكةُ حالَ عجزِها عن معرفة الأسماء: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [الْبَقَرَةِ: 32].
والجنُّ لا يعلمون الغيبَ، وقد كانت الجنُّ تدَّعي أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنَّهم يعلمون ما في غدٍ، فمات نبيُّ اللهِ سليمانُ -عليه السلام- فَعَمَّى اللهُ موتَه على الجانِّ المُسخَّرينَ له حولًا كاملًا؛ فلبِثُوا يعملون له في الأعمال الشاقة وهو ميت -وهم يظنُّونَه حيًّا ولم يعلموا بموته-؛ ومكَثَ متوكِّئًا على عصاه حتى أكلَتها دابَّةُ الأرض -وهي الْأَرَضَةُ- وسقطَ إلى الأرض؛ وعلِمَت الجنُّ أنَّه قد مات منذ مُدَّةٍ طويلةٍ، وتبايَنَت الإنس وتعارَفَتْ وتعالَمَتْ؛ وانكشفَ لهم أنَّ الجنَّ لا يعلمون الغيبَ، قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا في الْعَذَابِ الْمُهِينِ) [سَبَأٍ: 14].
فاحذَروا أصحابَ النفوس الشريرة، والعقول المنحرفة، والقلوب الزائِغة؛ الذين يدَّعون علمَ ما استأثرَ اللهُ بعلمِه، ويدَّعون الإخبارَ بالغيوب، ويدَّعون معرفةَ المسروقِ، ومكانَ الضالَّةِ، ورجوعَ الغائبِ؛ وغيرَ ذلك من الأكاذيب والألاعيب، وليس يَشِينُ المسلمَ مثلُ تصديقِ هذه الأوهام والخُرافات والخُزعبلات.
واحذَروا السحرةَ والكهنةَ والعرَّافينَ والمُنجِّمينَ والمُشعوذينَ والرمَّالينَ والدجَّالينَ ومَنْ ضاهاهم؛ ممن يضربون بالحصى، ويزجُرون بالطير، وينظُرون في الفنجان، ويقرؤون الكفَّ، ويخُطُّون في الأرض؛ ويدَّعون علمَ الغيب وعلمَ ما يحدُث في المستقبل، لا تأتُوهم، ولا تسألُوهم، ولا تصدِّقوهم، ولا تُصغُو إلى أباطيلهم وتخاليطهم.
الخطُّ والزجرُ والكهَّانُ كلُّهُمُ *** مُضلِّلون ودونَ الغيبِ أقفالُ
أيُّها المسلمون: ومن زعمَ أن النجومَ تدلُّ على الغيب فهو كافر.
مَنْ كان يخشى زُحَلًا أو كان يرجُو المُشتري *** فإنني منه وإن كان أبي الأدنى بري
ومِنَ المُنجِّمين مَنْ يُخبرُ بأحداث السنة القادمة؛ وما سيقعُ في البلدان، وما سيجري في قابل الأزمان، فاحذَروا تصديقَ اختلاقِهم، ونشرَ كلامهم، وتعظيمَ حالهم؛ فإنهم فَرَاشُ نار، وخَشَاشُ بَوَار.
لا تَعْبَؤُوا بِالسُّقَّاطِ الْغُوَاةِ الدَّجَّالِينَ:
يُنجِّمون وما يدرون لو سُئِلوا *** عن البعوضةِ أنَّى مِنْهُمُ تَقِفُ!
أيُّها المسلمون: والعيافةُ والطِّيَرةُ من أفعال الجاهليَّة؛ وهي التشاؤمُ والتَّيَمُّنُ بالطير، وادِّعَاءُ معرفة الأمور من كيفيَّة طيرانها، ومواقعها، وأسمائها، وألوانها، وجهاتها التي تطيرُ إليها.
فاحذَروا -يا عبادَ اللهِ- ما يفسِدُ دينَكم وعقيدتَكم وعقولَكم، وقاني اللهُ وإيَّاكم من طُرُق أهل الضلال، وحمانا بفضلِه من السُّقوط في هذه الأوحال.
أقولُ ما تسمعون، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ؛ فاستغفِروه ويا فوزَ المُستغفِرين.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ على نعمةِ الإسلامِ التي أَرْوَى القلوبَ طُهرُها، وفاضَ في الأرض نهرُها، وأشهد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له؛ شهادةً يقترِنُ بالخلودِ ذِكْرُها، وينسدِلُ على الهفواتِ سترُها، وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه؛ شهادةً يعمُّ الكونَ نشرُها، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابِه صلاةً دائمةً ما انهلَّ من السماء قطرُها.
أما بعدُ، فيا أيُّها المسلمون: اتقوا الله وراقِبوه، وأطيعُوه ولا تعصُوه؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التَّوْبَةِ: 119].
أيُّها المسلمون: ومن الناس من يقولُ عند تيسُّر الأمر له: "من حُسن الطالع"؛ ويقولُ عند تعسُّر الأمر وتعثُّره: "من سوء الطالع". والطالعُ والغارِبُ -من النجومِ والأبراجِ- لا تأثيرَ لهما في الحوادث التي تحدُثُ في الأرض؛ فيحرُمُ على المسلم أن يقولَ: "من حُسن الطالع"، أو "مِنْ سوء الطالع"؛ لأن هذا القولَ يتضمَّنُ نسبةَ التأثيرِ في الحوادث الكونيَّة إلى الْمَطَالِع، وهي لا تملكُ من ذلك شيئًا؛ والمُلكُ والتصرُّفُ لله وحده، قال الله -تعالى-: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الْأَعْرَافِ: 54].
ومن قالَ هذه العبارات مُعتقِدًا أن هذه المطالع فاعلةٌ بنفسِها -من دون الله- فقد أشركَ شركًا أكبرَ، ومن قالَها مُعتقِدًا أن المُلكَ والتصرُّفَ والأمرَ كلَّه بيدِ الله وحده؛ فقد أتَى بلفظٍ مُحرَّمٍ يُنافِي كمالَ التوحيد الواجِب؛ وعليه تركُ ذلك واجتِنابُه.
وصلُّوا وسلِّموا على أحمد الهادي شفيع الورى طُرًّا؛ فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا.
اللهمَّ صلِّ وسلِّم على نبيِّنا وسيِّدنا محمدٍ، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدينَ، والأئمةِ المهديينَ، ذوي الشرف الجليِّ، والقَدْر العليِّ: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليِّ؛ وعن سائر الآل والأصحاب، وعنَّا معهم يا كريم يا وهَّاب.
اللهمَّ أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحفَظ بلادَنا وبلادَ المسلمين من كيد الكائِدين، ومكر الماكرين، وحِقْد الحاقِدين، وحسَد الحاسِدين يا ربَّ العالمينَ.
ربِّ اجعل هذا البلد آمنًا، اللهمَّ احفَظ جنودَنا المُرابِطين على حُدودنا وثُغورنا، اللهمَّ تقبَّل موتَاهم في الشُّهَداء يا ربَّ العالمينَ؛ ومُنَّ على جرحَاهم بالشِّفاء، ورُدَّهم إلى أهلِهم سالمين يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصيتِه للبرِّ والتقوى، اللهمَّ وفِّقه ووليَّ عهدِه وسائرَ ولاة المسلمين لِمَا فيه عزُّ الإسلامِ وصلاحُ المسلمين يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ واشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وارحم موتانا يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ انصُر إخوانَنا في فلسطين على الطُّغاة المُعتدين، والظَّلَمة المُحتلِّين، اللهمَّ طهِّر المسجد الأقصى من رِجس اليهود الغاصِبين، واحفَظ أهلَنا في فلسطين، واجبُر كسرَهم، وعجِّلْ نصرَهم، وأقِلْ عثرتَهم، واكشِفْ كُربتَهم، وفُكَّ أسرَاهم، واشفِ مرضاهم، وتقبَّلْ موتَاهم في الشُّهَداء يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ أغِثنا، اللهمَّ أنزِل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانِطين.
اللهمَّ اجعل دعاءَنا مسموعًا، ونداءَنا مرفوعًا؛ يا كريم، يا عظيم، يا رحيم.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم