آداب التنزه والمحافظة على البيئة (موافقة للتعميم + مشكولة)

صالح عبد الرحمن
1447/07/19 - 2026/01/08 11:47AM

خطبة عن آداب التنزه والمحافظة على البيئة (موافقة للتعميم + مشكولة) 19-07-1447هـ

الخطبة الأولى:

الحَمْدُ للهِ مُغيثِ المُستَغِيثينَ، ومُسْبِلِ النِّعمِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ، عَظُمَ حِلمُهُ فَسَتَرَ، وَبَسَطَ يَدَهُ بِالعَطَاءِ فَأكْثَرَ، نِعَمُه تَترَى، وَفضلُهُ لا يُحصَى، إِلَيهِ وَحْدَهُ تُرفعُ الشَّكُوى.

إليك وإلا لا تُشدُّ الركائبُ ** ومنك وإلا فالمؤمِّل خائبُ

وفيك وإلا فالغرام مضيّعٌ ** وعنك وإلا فالمحدِّثُ كاذبُ

أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ المُطَّلِعُ على السِّرِّ والنَّجوَى، وأشهدُ أنَّ نَبِيَّنَا مُحمَّدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، أَصدَقُ العِبَادِ عِبَادَةً وأحسَنُهم قَصدًا، وأَعظَمُهم لِرَبِّهِ خَشيَةً وَتَقوى، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَن سَارَ عَلَى نَهجِهم وَاتَّبعَ طَريقَ التَّقوى.

أمَّا بعدُ: فاتَّقوا اللهَ عِبادَ اللهِ، فَتَقْوَى اللهِ طَريقُ الفَوزِ وَالكَرَامَةِ ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾

عَنْ شُرَيحِ بْنِ هَانِئِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْدُو؟- أَيْ يَخْرُجُ إِلَى الْبَادِيَةِ- قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ يَبْدُو إِلَى هَذِهِ التِّلَاعِ)، والتلاع: هي الأماكن المرتفعة والمنخفضة في الصحراء ومسايل الأودية.

وفي هذا الحديث أيها المباركون دليل على جَوَازُ الخُرُوجِ لِلتَّنَزُّهِ فِي البَرِّ وَمَجَارِي السُيُولِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَتَرجَمَ عَلَيهِ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ، وَهَذَا مُطْلَقًا، وَبَعدَ الاسْتِغَاثَةِ آكَدٌ" ا.هـ.

وَلِذَلِكَ لَم يُنكِرْ يَعقُوبُ عَليهِ السَّلامُ طَلَبَ أبنَائهِ لِلخُرُوجِ إلى النُّزهَةِ عِندَمَا قَالُوا: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، قَالَ ابنُ عَاشُورٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفسِيرِهِ: (يَقْصِدُ مِنْهُ الِاسْتِجْمَامَ وَدَفْعَ السَّآمَةِ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الشَّرَائِعِ كُلِّهَا إِذَا لَمْ يَصِرْ دَأَبًا).

وفي هذه الأيام، ومع قدوم إجازة سعيدة على الجميع إن شاء الله، يَكْثُرُ خُرُوجُ النَّاسِ إلى الصَّحرَاءِ والبرية للتَّنزُّهِ والتمتع والاستجمام، ففي مِثلِ هَذِهِ الرِّحلاتِ عِبادَةٌ مِن أَنفَعِ العِبَادَاتِ، وِهِيَ التَّفَكُّرُ فِي مَا خَلقَ اللهُ مِن مَخلُوقَاتٍ، يَقُولُ اللهُ تَعَالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، فَتَرى السَّمَاءَ والغُيُومَ، وَتَرى اللَّيلَ والنُّجُومَ، وَتَرى الأَرضَ والسُّهُولَ والجِبالَ، وتَرى الدَّوابَ والرِّيَاحَ والرِّمَالَ، فَسُبحَانَ اللهِ الكَبِيرِ المَتَعَالِ.

بيد أن هذه المتعة يجب أن تُحاط بسياجٍ من الفضائل والأدب الرفيع؛ فالمسلم يُؤجر على التنعّم والاستمتاع بما أباحه الله من الطيبات.

فمِن السنة فِي مِثلِ هَذِهِ الرِّحلاتِ إذا وَصَلتَ إلى مَكَانِ الإقَامَةِ وَحِينَ النُّزُولِ، ذَكِّرْ نَفسَكَ وَمَن مَعَكَ بِمَا قَالَ عليه الصلاة والسلام،: (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)، يَقُولُ القُرطُبيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي شَرحِ الحَدِيثِ: (هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَقَولٌ صَادِقٌ، ‌عَلِمنَا ‌صِدقَهُ ‌دَلِيلاً وَتَجرُبَةً، فَإنِّي مُنذُ سَمِعتُ هَذَا الخَبرَ عَمِلتُ عَلِيهِ، فَلَم يَضُرُّنِي شَيءٌ إلى أَن تَرَكتَهُ، فَلَدَغَتنِي عَقرَبٌ، فَتَفَكَّرتُ في نَفسِي، فَإذا بِي قَد نَسِيتُهُ).

وَمِن أَحكَامِ الطَّهَارَةِ في الصحراء: أَنَّكَ إذا أَردتَ قَضَاءَ الحَاجَةِ أَن تَبتَعِدَ أو تَستَتِرَ بِشيءٍ عَن أَعيُنِ النَّاسِ، فَقَد كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ، ثُمَّ إذا وَصَلتَ إلى مَكَانِ قَضَاءِ الحَاجَةِ، فَلا تَستَقبلُ القِبلَةَ ولا تَستَدبِرُهَا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ، وقُلْ: (بِسمِ اللهِ) قَبلَ كَشفِ العَورةِ، فَهِيَ سِتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ، وَقُل: (اللَّهُمَّ إني أعوذُ بك مِنَ الخُبُثِ والخبائِثِ) قَبلَ الحَاجَةِ، و(غُفرَانَكَ) بَعدَها.

اللهم وفقنا لهداك، وجعل عملنا في رضاك.

أَقُولُ قَولي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُم وَلِسَائرِ المُسلِمِينَ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحَلَّ لَنَا الطَّيِّبَاتِ، وَحَرَّمَ عَلَينَا الخَبَائِثَ وَالمُنكَرَات، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَأَتبَاعِهِم، أَمّا بَعدُ:

وإذا حَانَتِ الصَّلاةُ وَأَنتَ فِي البَادِيَةِ فَأَذِّنْ، وارفَعْ صَوتَكَ بِالأَذَانِ فَفِيهِ الفَضلُ الكَبِيرُ، وَمِن ذَلكَ: شُهودُ الكَائنَاتِ لَكَ يَومَ القِيَامَةِ، قَالَ عَلِيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ: لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، ومِنهَا: مَغفِرَةُ اللهِ تَعَالى لَكَ ودُخُولُكَ الجَنَّةَ، فَقد جَاءَ فِي الحَدِيثِ: (يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا ‌يُؤَذِّنُ، ‌وَيُقِيمُ ‌الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ)، وَمِنهَا: صَلاةُ المَلائكَةِ خَلفَكَ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: (إِذَا كَانَ الرَّجُلُ بِأَرْضِ قِيٍّ -أَيْ: فَلاةٍ- فَحَانَتِ الصَلَاةُ، فَلْيَتَوَضَّأ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً، فَلْيَتَيَمَّمْ، فَإِنْ أَقَامَ، صَلَّى مَعَهُ مَلَكَاهُ، ‌وَإِنْ ‌أَذَّنَ ‌وَأَقَامَ، صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ جُنُودِ اللهِ مَا لَا يُرَى طَرَفَاهُ).

أيها الأنقياء: ومن الآداب والسنن المرعية في الرحلات، إماطةَ الأذى عن طرقات المسلمين وأماكن جلوسهم، ففي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وإِماطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ).

ومن سنته صلى الله عليه وسلم النهيُ عن الإضرار بالمسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (من ضارَّ ضارَّ اللَّهُ بِهِ)، ومن الإضرار بهم: رميُ المخلفات والنفايات أثناء التنزه في الأماكن المهيأة لذلك، ففي رميها أذيةٌ للناس؛ بتشويهِ جمال المكان، وحرمانِهم من الانتفاع به، وما يترتب عليه من أذى للبهائم والنبات.

وهذه المخلفات - خصوصاً البلاستيكية والمعدنية - تشكل خطرًا بالغًا على الماشية، وقد تؤدي إلى مرضها أو موتِها، وهذا من التعدي والإضرار بالثروة الحيوانية التي جعلها الله سببًا للرزق.

قال الله تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا).

وقال عليه الصلاة والسلام (لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ).

ومن صور الفساد في الأرض، والإضرارِ بالمسلمين: إلقاءُ مخلفات البناء والمشاريع في غير الأماكن المخصصة لها؛ لِمَا تسبّبه من تشويهٍ وإضرارٍ بالبيئة، وتعريضِ الناس والممتلكات للأذى.

 والواجب على من رأى من يفعل ذلك: أن يُنهى ويُنبه، أو يُبلَغَ عنه إن لم يستجب.

نسأل الله تعالى ألا يُضرّ بنا أحدًا، وأن يجعلَ لنا من أمرِنا رشدًا، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب.

المشاهدات 773 | التعليقات 0