أحكام الْجَمْع في المَطَرِ.
أ.د عبدالله الطيار
الْحَمْدُ لِلَّهِ منْزِل الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، أَحْيَا بِالْمَطَرِ الْبِلادَ، وَأَغَاثَ بِرَحْمَتِهِ الْعِبَادَ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عليْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ إلى يومِ الدينِ أمَّــا بَعْـدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) أيُّهَا المؤمنونَ: مَعَ دخولِ الشِّتَاءِ، وَهُطُولِ الأَمْطَارِ، وَمَا يَصْحَبُهُ مِنْ مَشَقَّةِ الْبَرْدِ وَالْوَحْلِ في الطُّرُقَاتِ، يَقَعُ الْحَرَجُ للبعض في حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ، والذّهابِ للمساجدِ وأداءِ الصَّلواتِ لذَا نَاسَبَ بَيَانُ أحكامِ بعضِ مسائلِ جمعِ الصلاةِ حالَ المطرِ في الحضرِ ومنها: أولًا: الأصلُ في الصَّلاةِ أَنْ تُؤَدَّى في وَقْتِهَا؛ لقولِهِ تعالى:(إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) النساء: [103] وقولِهِ ﷺ: (صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِها) أخرجه مسلم (648)
ثانيًا: يجوزُ الجمعُ حالَ المطرِ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهمَا أنَّهُ قالَ: (جَمَعَ رسولُ اللهِ ﷺ بين الظُّهرِ والعَصرِ والمغربِ والعِشاءِ بالمدينةِ من غيرِ خوفٍ ولا مَطرٍ. فقيلَ لابنِ عَبَّاسٍ: ما أرادَ إلى ذلكَ؟ قال: أرادَ أنْ لا يُحرِّجَ أُمَّتَه) أخرجه مسلم (705).
ثالثًا: ضَابطُ المطرِ الذي يُبَاحُ لأجلهِ الجمعُ: هو المطرُ الذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ؛ لكثْرَتِهِ وغَزَارَتِهِ بحيثُ إذَا عُصِرَ الثَّوْبُ تَقَاطَرَ منْهُ الماءُ وتَلْحَقُ المشقَّةُ بِالْخُرُوجِ فيهِ للمسجدِ
رابعًا: يُبَاحُ الْجَمْعُ لوجودِ الوَحْلِ، وهو الزَّلقُ النَّاتجُ عنِ المطَرِ، وكذا لوجود الرِّيحِ الشَّديدةِ البَارِدَةِ الَّتِي يَشقُّ على النَّاسِ الخروجُ معهَا للصَّلاةِ؛ لأنَّ عِلَّةَ الْجَمْعِ دَفْعُ الْحَرَجِ.
خَامِسًا: الْجَمْعُ بينَ الصَّلاتَيْنِ لِعُذْرٍ كَالمطَرِ أَوْ غَيْرِهِ، رُخْصَةٌ لمنْ يُصَلِّي في المسْجِدِ فَقَطْ وَعَلَيْهِ فلا يَجُوزُ الْجَمْعُ لِمن يُصَلِّي في بيتِهِ مُنْفَرِدًا أو في جماعةٍ، وَكَذَا النِّسَاءُ لا تَجْمَعُ في الْبُيُوتِ؛ إلا إذَا صَلَّيْنَ جَمَاعَةً مَعَ الرِّجَالِ في المسَاجِدِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْمَعْنَ تِبْعًا لَهُمْ
سَادِسًا: الإمامُ هو صَاحِبُ قَرَارِ الْجَمْعِ مَتَى وُجِدَ سَبَبُهُ، وَهو راعٍ في مسجدِهِ، ومسؤولٌ عن رعيتِهِ،: قالَ ﷺ: (الإمامُ ضامنٌ، فإن أحسنَ فلَه ولَهُم وإنْ أَسَاءَ يَعني فعَليهِ ولا علَيهِم) أخرجه ابن ماجه (981) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (808) فَإِذَا رأى الإمامُ عدمَ الجمعِ؛ لأنَّ المطرَ النَّازِلَ لا يَسُوغُ مَعَهُ الْجَمْعُ، فَلا يَجُوزُ النُّزُولُ لِرَغْبَةِ المأْمُومِينَ، ولا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا بِدُونِهِ -على القولِ الرَّاجِحِ- لِقَوْلِهِ ﷺ: (إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به) أخرجه البخاري (1236) ومسلم (412).
عِبَادَ اللهِ: ومن المَسَائِل التي يَكْثُرُ السُّؤَالُ عَنْهَا حَوْلَ الْجَمْعِ حَالَ المَطَرِ مَا يَلِي:
المسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا تَرَدَّدَ الإِمَامُ: هَلْ يَجْمَعْ أَوْ لا يَجْمَعْ، فَلَيْسَ لَهُ الْجَمْعُ؛ لأنَّ الأصلَ وجوبُ فعل الصَّلاةِ في وَقْتِهَا، فَلا يَعْدِلُ عَن الأَصْلِ إلا بِيَقِينِ الْعُذْرِ؛ وَلأنَّ الصلاةَ في وَقْتِهَا وَاجِبَةٌ بإجْمَاعِ المسْلِمِينَ، وَأَمَّا الْجَمْعُ فَرُخْصَةٌ حَيْثُ وُجِدَ السَّبَبُ المُبِيحُ.
المسألةُ الثانيةُ: النيَّةُ ليستْ شرطًا في جوازِ الجمْعِ، بل يُجزئ الجمعُ ولو لم يَنْوِه في الصَّلاةِ الأولى، ما دام سببُه باقيًا، لكن تُشترطُ نيةُ الجمعِ في وقتِ الأولى إذا كانَ جَمْعُ تأخيرٍ؛ لأنَّهُ لا يجوزُ تأخيرُ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِهَا إلا لِعُذْرٍ.
قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) الحج: [78] بَارَكَ اللهُ لَي ولكم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ واعلموا أنَّ من المسائلِ المتعلقةِ بالجمْعِ لأجلِ المطرِ مَا يَلِي: المسألةُ الثالثةُ: مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ معَ المغْرِبِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي سُنَّةَ المغْرِبِ وَسُنَّةَ الْعِشَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُوتِرُ بَعْدَهُمَا وَلَوْ في وَقْتِ المغْرِبِ؛ لأنَّ الْعِشَاءَ مَتَى قُدِّمَتْ دَخَلَ وَقْتُ الْوِتْرِ، وَسُنَّةِ الْعِشَاءِ، ولَوْ كَانَتْ مَجْمُوعَةً مع المغْرِبِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ.
المسألةُ الرابعةُ: الرَّاجِحُ جَوُازُ الْجَمْعِ بينَ الظُّهْرِ والْعَصْرِ في المطَرِ؛ لعمومِ حديثِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهمَا؛ ولأنَّهُ متَى وُجِدَتْ المشَقَّةُ في لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ جَازَ الْجَمْعُ.
المسألةُ الخامسةُ: المشْرُوعُ لِلْمُؤَذِّن إِذَا نَزَلَ مَطَرٌ غَزِيرٌ يَشُقّ مَعَهُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ في المَسْجِدِ أنْ يَقُولَ: (صَلُّوا في رِحَالِكُم) عَقْبَ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ، أَوْ بَعْدَ الأَذَانِ: كَمَا فَعَلَ ابْنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا. رَزَقَنَا اللهُ قُوَّةَ الْفِقْهِ، وَحُسْنَ الْفهْمِ، وَسَلامَةَ الْقَصْدِ.
اللَّهُمَّ أَعِزّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ. اَللَّهُمَّ أمِّنا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحَ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللهم وَفِّق وَلِيَّ أمرنا خادم الحرمين الشريفين ووليَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وخُذْ بِنَاصِيَتِهِما إِلَى اَلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللَّهُمَّ احْمِ حُدُودَنَا، واحفظْ رِجالَ أَمْنِنَا، اللَّهُمَّ ارْحَمْ هذَا الْجَمْعَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمؤْمِنَاتِ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِهِمْ، وآَمِنْ رَوْعَاتِهِمْ وارْفَعْ دَرَجَاتِهِمْ في الجناتِ واغْفِرْ لَهُمْ ولآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، واجْمَعْنَا وإيَّاهُمْ ووالدِينَا وإِخْوَانَنَا وذُرِّيَّاتِنَا وَأَزْوَاجَنَا وجِيرَانَنَا ومشايخَنَا وَمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْنَا في جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الجمعة 28 /6 /1445هـ