أشواكٌ على الطريقِ.. 20 /7/ 1447هـ
د عبدالعزيز التويجري
الخطبةُ الأولى : أشواكٌ على الطريقِ 20 /7/ 1447ه
الحمدُ للهِ الوَلِيِّ الحَمِيدِ، يَفعلُ ما يَشاءُ ويَحكُمُ ما يُريدُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ ذو العَرشِ المَجِيدِ، وأشهدُ أنَّ نَبيَّنا محمَّدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وأصحابِه وأزواجِه، ومَن تَبِعَهُم إلى يومِ المزيدِ. أمَّا بعدُ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
أخرجَ البخاريُ ومسلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنه قَالَ: قَال النَّبِيُّ r: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ".
خصالُ الإيمانِ وشمائلُ الإسلامِ كثيرةٌ جليلةٌ، لا تقفُ عندَ بناءِ مسجدٍ أو إغاثةِ ملهوفٍ، وأبوابُ الجنةِ مشرعةٌ لكلِّ طالبٍ، ينالُها الكبيرُ والصغيرُ والذكرُ والأنثى من المسلمين إذا احتسبه ووقرَ تعظيمُ اللهِ في قلبهِ..
في صحيحِ البخاري: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ r، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قَالَ: "تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ" قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ r: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا"، وعندَ الترمذيِ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
تَناوَلْ مِن الأَغصَانِ مَا تَستَطِيعهُ ** وَجاهِد عَلى الغُصنِ الذي لا تُطَاوِلُهْ
وكلُّ معروفٍ صدقةٌ، وكلَّما كان العملُ متعدِّيًا في نفعِ الآخرينَ، كان الأجرُ أعظمَ، في صحيحِ مسلمٍ قالَ عليه الصلاةُ والسلامُ "لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ"
وفي البخاري: "مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: وَاللهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ".
ويشملُه من يزيلُ نفاياتِه وبقاياه عن الأماكنِ العامةِ والخاصةِ التي تؤذي المسلمين.
وكذا من يزيلُ الأشواكَ التي تجرحُ أخلاقَ المسلمين أو أعراضَهم أو دينَهم، ولذا قرن رسولُ اللهِ r إزالةَ الشوكِ الحسي بغصنِ شجرةٍ، بإزالة الشوك المعنوي بالأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ، ففي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها قالت: قال رسولُ اللهِ r: "خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ، وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِمِائَةِ السُّلَامَى، فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ".
وفي صحيح مسلم قَالَ أَبُو بَرْزَةَ رضي اللهُ عنه: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: "اعْزِلِ الْأَذَى، عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ".
كم في أجهزتنا من نفاياتٍ وأشواكٍ تدمي العينَ وتُخلُ بالأخلاقِ ينبغي الحذرَ منها، كم في طريقِ الأبناءِ من أشواكٍ في العابِ أجهزتهم، وعلاقاتِ أصحابهم يجبُ إزالتُها.
تكثرُ أغصانُ أشواكِ الأخلاقِ والأعراضِ التي تؤذي المسلمين في المتنزهاتِ والكافيهاتِ تتأكد إزالتُها.
حريُ بالمرأة التي تريدُ أن تتقلبَ في الجنةِ أن تزيلَ الأشواكَ التي تجرحُ القلبَ وتوقظُ الفتنةَ من ملابسها.
كلُّ مَن ولِيَ أمرًا من أمورِ المسلمين، صَغُرَ ذلك الأمرُ أو كَبُرَ، فإنَّ عليه إزالةَ عوائقِ الأشواكِ في طريقِ معاملاتِ الناسِ ما استطاعَ إلى ذلك سبيلًا، لعلَّه أن تُصِيبَه دعوةُ رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم: "اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ" أخرجَهُ مسلمٌ.
و"الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
و «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". "واشفَعُوا تُؤْجَرُوا"، والبخيلُ من بخلَ بجاهِهِ.
وفي المقابلِ فإن في ايذاءِ المسلمينَ في طرقهِم وفي الأماكن التي يجلسون فيها يعرضُ صاحبَهُ للمقتِ واللعنِ وتحملِ الإثمِ المبينِ، وفي الحديثِ الصحيحِ الذي أخرجَهُ مسلمٌ: "اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ" قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ".
وكذا إيذائُهم بإسماعَهم ما يكرهون من معازفَ وغناءٍ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: قالَ قتادةُ: فإياكم وأذى المؤمن، فإن اللهَ يحوطُه، ويغضبُ له...
نستغفرُ اللهَ الذي لا إله إلا هو ونتوب إليه ، واستغفروا ربكم إن ربي غفورٌ رحيمٌ.
الخطبة الثانية :الحمدُ لله على إحسانِه والشكرُ له على فضلِه وامتنانِه، وصلى اللهُ وسلَّمَ على عبده ورسولِه وآلِه وأصحابِه.أمَّا بعدُ
ومع الاجازات والرحلات قد يغفل المرء عن ورده من القرآن، فهو سعادته وحياة قلبه ، والنور الذي يهديه، والطريق الذي يوصله ..
واليومَ، وبرغمِ ما يَعصِفُ بالأُمَّةِ من مِحَنٍ وأشواكٍ، إلا أنَّ العودةَ إلى القرآن الكريم هي السلامة من الفتن ، والمخلصة من أشواك المصائب والحروب والهموم والديون ..
إنه ينبغي لكلِّ مَن يريدُ وجهَ اللهِ والدَّارَ الآخرةَ ، ويريد أن يخلص نفسه من كل مايكدر حياته ويكون سبباً في نجاته أن يكونَ له وِردٌ يوميٌّ من القرآنِ، يَحفَظُ به نفسَه، ويرفعُ به درجاتِه، ويَحطُّ به من خطاياه، ويُزَحْزِحُ به نفسَه عن النارِ.
كلُّنا صِغارٌ أمامَ القرآنِ .. ولا يُرَبِّي النفوسَ إلا القرآنُ. لا تستقيمُ البلادُ، ويَرفَهُ عيشُها، ويَطمَئنُّ أمنُها إلا بالقرآنِ. لا تَسعَدُ البيوتُ، ولا يَجتمِعُ شملُها إلا بالقرآنِ.
مَن لم يكنْ له وِردٌ يوميٌّ من كتابِ اللهِ، فقد ضلَّ سعيُه، وخوى قلبُه، وتاهتْ نفسُه.
ما أجملَ أن نملأَ مساجدَنا ودورَنا وننير رحلاتنا وسفرنا بكلام ربنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (*) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُور﴾.
اللَّهُمَّ اهدِنا بهُداكَ، واجعلْ أعمالَنا في رِضاكَ..
اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ.
اللهم آمنا في دورنا واوطاننا واصلح ولاة أمورنا ......
المرفقات
1767874886_أشواكٌ على الطريق.docx
1767874886_أشواكٌ على الطريق.pdf