أميطوا الأذى عن الأماكن العامة

فهد السعيد
1447/07/21 - 2026/01/10 04:47AM
أميطوا الأذى عن الأماكن العامة 
 
الحمد لله الرحيم البر، أمر عباده بخصال البر، ودلهم على كل خير، إليه المرجع والمستقر. 
والصلاة على نبينا محمد ذي الخلق الأجل، والنهج الأكمل، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم على الخير واستمر.  
أما بعد: فيا أيها المسلمون: فالوصية لي ولكم، في لزوم التقوى على كل حال، فبها يُنال المراد (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) 
عباد الله: الرجولة والشهامة من أروع الصفات، والنبل وحبُ الخير للغير والإيثار، من معادن الكرام النبلاء. 
وبعض الناس لا يتصور نيلَ الدرجات العليا والأجورِ المضاعفةِ إلا في العبادة من صلوات وصيام وقراءة للقرآن! وهذا فهم خاطئ وظنٌ في غير محله. 
فالأجورُ والحسناتُ شاملةٌ ومتنوعة في جوانب الحياة كلها، وهذا من محاسن الدين الإسلامي العظيم. 
فليس الكرم في إطعام الأضياف، أو إقامةِ الحفلات والدعوةِ إلى المناسبات فحسب! 
وليس الإحسانُ وبذلُ المعروف مقتصراً على إغاثة الملهوف، والإنفاق على المحتاج فقط، وإن كان ذلك خيرٌ عظيم لا يٌستهان به. 
لكن مفهوم الطاعة والعبادة أَرْقى وأرفع، وأَعم وأشمل. 
إن مفهومه شاملٌ يتناول أموراً كثيرةً، وهي يسيرةٌ وأجرُها في متناول الجميع، متى ما خَلُصَتِ النية وصَحَّت العزيمة. 
فكفُّ الأذى عن الآخرين عبادة، ومعاملةُ الناس بمقتضى النصح عبادة، وحب الخير للمسلمين عبادة، وأنْ تكره للناس ما تكرهه لنفسك عبادة، والرحمة والشفقة بالآخرين عبادة، وفي الحديث: (والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ) (النسائي)، فلا يكونُ المؤمنُ مُؤمنًا حقًّا حتَّى يَرضَى للنَّاسِ ما يَرضاهُ لنفْسِه، وهذا إنَّما يَأتي مِن كَمالِ سَلامةِ الصَّدرِ مِن الغِلِّ والغِشِّ والحسَدِ. 
وعن أبي موسى الأشعري قال: قلنا يا رسول الله: أيُّ الإسلام أفضل؟ قال: (مَنْ سَلِم المسلمون مِن لِسانه ويَدِه) (صحيح الترمذي)   
بل إن كَفَّ الشرِّ والأذى في الإسلام يعدل الصدقةَ بالمال، قال أبو ذر: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ إن ضَعُفتُ عن بعض العمل؟ قال: (تكُفُّ شركَ عن الناس، فإنها صَدَقَةٌ منك على نَفْسِك) (صحيح مسلم) 
والأذى ليس أذىً اللسانِ فقط، وليس في مَدِّ الأيدي ومخاصمة الناس ومناكفتهم، وليس في التضييق عليهم في مساكنهم ومواقفِ سياراتهم فحسب، وليس في بذاءة اللسان وتطاوله! 
بل يشمل الأذى في القولِ والأذى في الفعل، ومن ذلك أيضاً وهو ما يستهين به كثير من الناس وليس الأكثرون: إلقاء النُّفاياتِ في الطرقِ، وعلى أبوابِ الناس وهو نوع من الأذى، ولا يقل عنه إثماً إلقاءُ الأذى في الأماكن العامة والبراري والحدائق والمتنزَّهاتِ والشواطئ. 
أتحسبون ذلك هَيناً! وفي الحديث: (مَن آذى المسلمين في طُرقهم وجَبَت عليه لعنتهم) (حسنه الألباني). وهذا الحديث وغيرُه يُحذر من إيذاء المسلمين في أماكنهم العامة.  
ويُعدّ من الأذى ما يشمل إلقاءَ القاذورات، وإغلاقَ الطرق، وتلويثَها ورميَ الأذى فيها، وهو ما يَجعلُ فاعلَه مستحقًا لدعاء المسلمين عليه باللعن، ويشملُ الأَذى المادي واللفظي والنفسي في الطرقات، مما يُوجب عقوبةً عظيمة على من يرتكبها.  
  فكما لا يجوز للمسلم أنْ يتخلَّى في الطريق، ولا في الظلّ الذي ينتفع به الناسُ؛ فلا يجوز له أنْ يُلقي أذاه وقَذَرَه، وبقايا طعامه في أماكن الناس التي يَتَنَزَّهون فيها ويَسْتَروِحون ويَسْتَجِمُّون.  
ناهيكم عما تُسببه هذه النُّفايات من تلويثٍ للبيئة على المَدى البعيد، وأذىً للبهائم والنبات وتلويث لتجمعات المياه، وتشويه لجمال البيئة، فعن أبي صرمة مالكِ بن قيس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن ضارَّ أضرَّ اللهُ بهِ، ومَن شاقَّ شاقَّ اللهُ علَيهِ) (صحيح أبي داوود) أي: من أضرَّ غَيرَه بقصدٍ وتَسبُّبٍ لَه بما يَسوءُه دونَ وَجهِ حقٍّ، "أضرَّ اللهُ بهِ"، أي: جعَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ جزاءَه مِن جِنسِ عملِه، فيضرُّ بهِ بمثلِ ما أضرَّ بِغَيرِه، "ومن شاقَّ"، أي: مَن قصدَ إلحاقَ المشقَّةِ بغَيرِه وجعَلَ عليهِ مِن التَّعبِ والجهدِ دُونَ وَجهِ حقٍّ "شاقَّ اللهُ علَيهِ"، أي: جعَلَ اللهُ علَيهِ من المشقَّةِ والتعَبِ بمِثلِ ما فعلَ بِغَيرِه، ويَحتَمِلُ أن يكونَ وَعِيدُ اللهِ في الدُّنيا والآخرةِ؛ لأنَّ الوعيدَ لم يُقيَّد في الحديثِ. 
 
اللهم أعذنا من نزوات نفوسنا، ومن نزغات الشيطان.  
أقول ما سمعتم فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطئاً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله العظيم الجليل، التوابَ الرحيم، من كل ذنب وخطأ، وتجاوزٍ وزلل، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. 
 
 
 
الحمد لله الولي الحميد، يحكمُ ما يشاءُ ويفعلُ ما يُريد، وما ربك بظلام للعبيد. 
والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد العبيد، وعلى آله وصحبه وأتباعه على دينه وخُلُقِه، إلى يوم المزيد. 
أما بعد: 
فيا أيها المسلمون: إنّ من الإضرار بالناس وهو ناتج عن الأنانية، بل هو نوع من الظلم مَا نُشَاهِدُهُ مِنْ تَشْوِيهٍ لِلمُتَنَزَّهَاتِ البَرِّيَّةِ، حَيْثُ يَتْرُكَ بَعْضَ المُتَنَزِّهَيْنِ الَّذِينَ أُتُوا لِيَسْتَجِمُّوا مُخَلَّفَاتِهِمْ عِنْدَ مُغَادَرَتِهِمْ بِمَنَاظِرِ بَشِعَةٍ، تَتَقَزَّزُ مِنْهَا الأَنْفُسُ، وَتَضِيقُ مَنْهَا الصُّدُورُ، وَلَا تُسَرُّ بِـمَرْآهَا العُيُونُ؛ وليس هذا واللهِ من أخلاق الإسلام ولا من أعمال المسلمين، فَإِذَا أَتَى إِلَى هَذِهِ الْأَمَاكِنِ زُوَّارٌ وَمُتَنَزِّهُونَ جُدُدٌ؛ ضَاقَتْ عَلَيْهُمْ الأَمَاكِنُ النَّظِيفَةُ؛ وَقَد لَا يَسْلَمُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ سَخَطِ اللهِ عَلَيْهِ وَدُعَاءِ النَّاسِ. 
أَيَلِيقُ بِمُسْلِمٍ تَرَبَّى عَلَى الْأَخْلَاقِ الَّتِي حَثَّ عَلَيْهَا القُرْآنُ، وَعَرَفَ نَهْجَ النُّبُوَّةِ؛ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا؟! وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ أَشْرَفُ السُّنَنِ وَأَعْلَاهَا، وَأَكْمَلُهَا وَأَوْفَاهَا، وَأُفَضَلُهَا فِي مَعْرِفَةِ حَاجَاتِ النَّاسِ، وَمُتَطَلَّبَاتِ الحَيَاةِ، وَمِنْهَا المُحَافَظَةُ عَلَى البِيئَةِ. قَالَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي الحَدِيثِ: التَّحْذِيرُ مِنْ الأَفْعَالِ الَّتِي يَلْعَنُ مِنْ خِلَالِهَا النَّاسُ فَاعِلِيهَا، كَمَنْ يُلَوِّثُ قَارِعَةَ الطَّرِيقِ، أَوْ ظِلَّ الشَّجَرَةِ، أَوْ ضِفَاف الأَنْهَارِ، وَمَجَامِعَ السُّيُولِ بِفَضَلَاِتِه؛ مِمَّا يَحْرِمُهُمْ الجُلُوسَ فِيهَا وَالاِسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَيُقَاسُ عَلَيْهَا مَنْ يُلَوِّثُهَا بِفَضَلَاتِ طَعَامِهِ، وبقايا حطب النار.  
وَالْـمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ تَجْلِبُ اللَّعْنَ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَهَا يَلْعَنُهُمْ الـمَارَّةُ عَلَى فِعْلِهُمْ القَبِيحِ، حَيْثُ أَفْسَدُوا عَلَى النَّاسِ مَنْفَعَتَهُمْ، فَكَانَ ظُلْمًا، وَكُلُّ ظَالِمٍ مَلْعُونٌ. وَقَدْ تَأْتِي رِيَاحٌ تَنْقُلُ هَذِهِ المُخَلَّفَاتِ إِلَى آخَرِينَ؛ فَيَزْدَادُ عَدَدُ المُتَضَرِّرِينَ مِنْ هَذِهِ الأَفْعَالِ المَشِينَةِ.  
والحل الأمثل، والعمل الأكمل، أن يَـجْـمَـعُوا مُخَلَّفَاتِهِمْ، وَيَضَعُوهَا فِي الأَمَاكِنِ المُخَصَّصَةِ لَهَا، وَيَفْصِلُوا الطَّعَامُ عَنْهَا، وَيَضَعُوهُ فِيمَا خُصِّصَ لَهُ، أَوْ يُقَدِّمُوهُ لِلْحَيَوَانَاتِ، وَإِذَا كَانَتْ بَعْضُ هَذِهِ المُتَنَزَّهَاتِ البَرِّيَّةِ، لَا تُوجَدُ فِيهَا أَمَاكِنُ مُخَصَّصَةٌ لِلمُخَلَّفَاتِ، فَعَلَيْهُمْ أَنْ يَضَعُوهَا فِي أَقْرَبِ مَكَانٍ مُخَصَّصٍ لَـهَا، أو يحملوها معهم عند مغادرة المكان إلى أقرب سلة مهملات.  
وَالمَقْصُودُ أَنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْهَا بِأَيِّ طَرِيقَةٍ مُمْكِنَةٍ وَمَشْرُوعَةٍ. فَلَيْسَ الإِنْسَانُ بِحَاجَةٍ إِلَى رَقِيبِ بَشَرِي، يُوَجِّهُهُ طَالَمَا أَنَّ الخَوْفَ مِنْ الجَلِيلِ مَوْجُودٌ بِقَلْبِهِ.  
ومن القيم العليا إذا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذِهِ المُخَلَّفَاتِ فِي طُرُقِ النَّاسِ، وَفِيَّ مُتَنَزَّهَاتِـهِمْ؛ فَلِنُبَادِرْ بإزَالَتِهَا إِمَّا بِأَنْفُسِنَا أَوْ بِتَنَبيه أَهْلِ الاِخْتِصَاصِ، ومناصحةِ من يفعل ذلك، أو بالتبليغ عنهم إنْ تكرر أذاهم، فهؤلاء من المفسدين في الأرض، قَالَ رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.  
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ؛ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. 
  
  
اللهم وفقنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. 
اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها. 
اللهم وفق المسلمين في كل مكان لما تحب وترضى 
اللهم فرج هم المهمومين ونفس كرب المكروبين واقض الدين عن المدينين. 
  
  
المرفقات

1768009270_خطبة أميطوا الأذى عن الأماكن العامة.pdf

المشاهدات 91 | التعليقات 0