الإسراء والمعراج فوائد وأحكام
عبدالرحمن سليمان المصري
الإسراء والمعراج فوائد وأحكام
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أسرى بعبده ليلا ، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العلى، وأراه من آياته العظمى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فهي وصية الله للأولين والآخرين قال تعالى ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾
عباد الله : مر النبي ﷺ بعدة مراحل في دعوته إلى توحيد الله والتحذير ونبذ الشرك ، فلقي من قومه التكذيب والاستهزاء ، والأذى النفسي والجسدي ، وبعد مرور عشر سنين على بعثته ﷺ ؛ مات عمه أبو طالب ، الذي كان يناصره ويعاضده ويدافع عنه ، ثم بعد مدة قصيرة ماتت زوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، والتي كانت خير عون له ، فقد كانت سندا له في إبلاغ رسالته ، وتشد من أزره ، وتواسيه بنفسها ومالها .
ثم تجرأت قريش على إيذائه صلى الله عليه وسلم والنيل منه ، فخرج إلى الطائف يطلبهم النصرة لتبليغ دين الله ، فأغروا به سفهاءهم ، ورموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين ، وعاد مهموما حزينا ، ولم يستطع دخول مكة إلا بجوار المطعم بن عدي ، وكان مشركا.
عباد الله : وفي ظل هذه الظروف القاسية ، و اشتداد المحن وتكاثر الأحزان ، هيئ الله لعبده ونبيه صلى الله عليه وسلم حدثا عظيما ، وهي حادثة الإسراء والمعراج ، وهي معجزة من أعظم المعجزات ، خصها الله بنبيه على سائر الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، فآواه الله إليه ، تثبيتا لفؤاده ، وجبرا لآلامه وأحزانه ، وتقوية لعزمه على مواصلة دعوته .
عباد الله : انشق سقف بيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، فنزل جبريل عليه السلام ، ثم شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم من نحره إلى أسفل بطنه ، فاستخرج قلبه، وغسله بماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ، مملوء حكمة وإيمانا ، فأفرغه في صدره ثم أطبقه ، وذلك تهيئة لما سيستقبله ، وفي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر وعدم تأثره بذلك ، ما جعله يزداد يقينه بالله تعالى ، ويأمن من جميع المخاوف .
عباد الله : ثم جاءه جبريل بالبراق ، وهو دابة أبيض طويل ، فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه ، فأتى بيت المقدس ، وربطه بالحلقة التى يربط بها الأنبياء ، ثم دخل المسجد وصلى ركعتين .
ثم عرج جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ، وكان جبريل يستأذن له عند كل سماء، فيؤذن له ، ويرحبوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ووجد في السماء الدنيا أباه آدم عليه السلام ، فقال له مرحبا بالنبي الصالح، والابن الصالح ، ثم أتى السماء الثانية ، ووجد فيها عيسى ويحيى، ابني الخالة عليهما السلام ، فقالا له: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم أتى السماء الثالثة ، فوجد فيها يوسف عليه السلام ،وقد أعطي شطر الجمال ، وقال له: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم أتى السماء الرابعة، فوجد فيها إدريس عليه السلام ، فقال له: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم أتى السماء الخامسة، فوجد فيها هارون عليه السلام ، فقال له: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم أتى السماء السادسة، فوجد فيها موسى عليه السلام ، فقال له: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ثم أتى السماء السابعة، فوجد فيها أباه إبراهيم عليه السلام ، فنبينا من ذرية إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، وقد رآه مسندا ظهره إلى البيت المعمور ، الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ، لا يعودون إليه أبدا ، فقال له: مرحبا بالنبي الصالح، والابن الصالح، مثلما قال آدم .
ثم قال له : يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر .
عباد الله: ثم عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ سدرة المنتهى ، وهناك رأى نبينا صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام ، على صورته الحقيقية له ستمائة جناح ، ثم عرج به إلى مستوى سمع فيهن صريف الأقلام، التي يكتب بها القضاء والقدر، ثم كلمه ربه جل جلاله ، وفرض عليه الصلوات خمسين صلاة ، ثم لم يزل يسأل ربه التخفيف، مترددا بين موسى عليه السلام ، وبين رب العزة والجلال ، حتى جعلها سبحانه خمسا، فضلا منه وإحسانا .
ثم بعد ذلك رأى الجنة والنار فدخل الجنة، ورأى شيئا من نعيمها ، ورأى النار ، ورأى أصنافا من المعذبين بها ، ورأى فيها شجرة الزقوم ، نعوذ بالله من النار .
ثم نزل إلى بيت المقدس ، وهبط معه الأنبياء الذين رآهم في السماء ، فصلى بهم ، ثم ركب البراق عائدا إلى مكة من ليلته ، ولما أصبح حدث الناس بذلك ، فآمن من آمن ، وكفر من كفر ، قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ﴾.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد :
عباد الله : الإسراء والمعراج من آيات الله العظيمة الدالة على صدق رسوله ﷺ ، وعلى عظم منزلته عند الله جل وعلا، كما أنها من الدلائل على قدرة الله الباهرة .
وكان الإسراء والمعراج في اليقظة ، بجسده وروحه صلى الله عليه وسلم ، في ليلة واحدة ، ولو كان مناما لما استنكرته قريش ، ولما كان فيه شيء من الإعجاز ، ومن الفوائد والأحكام من هذه الحادثة :
وجوب الإيمان بقصة الإسراء والمعراج ، فمن أنكر هذه الحادثة فقد كذب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
وفيها اثبات علو الله تعالى المطلق على جميع خلقه، واثبات صفة الكلام لله جل جلاله ، وأن الجنة والنار موجودتان الآن ، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرى ربه بعينه ليلة المعراج ، فقد قضى الله أن لا يراه أحد في الدنيا، وإنما يراه المؤمنون في الآخرة، كرامة لهم ، قال أبو ذر رضي الله عنه: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل رأيت ربك ، قال: " نور أنى أراه " ، وفي رواية : " رأيت نورا " رواه مسلم.
عباد الله : وفي حادثة المعراج دليل على محبة الله لفريضة الصلاة وعلو منزلتها .
وفي هذه الحادثة ، ارتباط بيت المقدس بالمسلمين ، حيث أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ومنه عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ، وفيه صلى النبي إماما بالأنبياء ، و المسجد الأقصى هو أولى القبلتين ، وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال ، فاللهم حرر الأقصى من دنس الصهاينة الغاصبين المعتدين.
عباد الله: وفي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء إماما ، دلالة على فضله عليهم ، وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع ، قال شيخ الإسلام رحمه الله :إنما رأى أرواحهم مصورة في صور أبدانهم ، إلا عيسى ، فإنه رفع بجسده إلى السماء.
عباد الله: وقد اختلف العلماء في تحديد الإسراء والمعراج ، في سنتها وشهرها على أقوال كثيرة ، لعدم وجود أدلة صحيحة على تعيينها ، ولو ثبت تعيينها لم يجز تخصيصها بشيء ، و النبي ﷺ لم ينقل عنه الاحتفاء بتلك الليلة ، أو تخصيصها بشيء من العبادة ، من القيام أو الصيام أو العمرة ، ولم يعرف ذلك عن الصحابة ، ولا التابعين ، ولا أئمة الإسلام ، وقد قال ﷺ: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد " رواه البخاري.
والواجب على أهل الإيمان ، أخذ العبرة والعظة من حادثة الإسراء والمعراج ، بالتمسك بأوامر الله واجتناب نواهيه ، وتعظيم شأن الصلاة التي فرضت في السماء ، فهي قرة عيون المحبين ، ولذة أرواح الموحدين ، وميزان أحوال السالكين ، ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾الحشر:7.
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
المرفقات
1768491868_الإسراء والمعراج فوائد وأحكام2.docx
1768491869_الإسراء والمعراج فوائد وأحكام2.pdf