الِاسْتِجْمَامُ وَالنُّزْهَةُ ( تعميم )

يوسف العوض
1447/07/18 - 2026/01/07 09:33AM

الخُطْبَةُ الأُولَى

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي جَعَلَ فِي هٰذِهِ الحَيَاةِ فُسْحَةً لِلْقُلُوبِ، وَرَاحَةً لِلنُّفُوسِ، وَأَذِنَ لِعِبَادِهِ بِالِاسْتِجْمَامِ وَالنُّزْهَةِ، فِي إِطَارٍ مِنَ الِاعْتِدَالِ وَشُكْرِ النِّعْمَةِ، وَأَمَرَ بِعِمَارَةِ الأَرْضِ وَصَوْنِهَا، وَنَهَى عَنِ الإِفْسَادِ فِيهَا، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهَا وَصِيَّةُ اللَّهِ لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، قَالَ تَعَالَى:﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يَحْسُنُ فِي مِثْلِ هٰذِهِ الأَجْوَاءِ الْجَمِيلَةِ، وَأَوْقَاتِ الْخُرُوجِ إِلَى الْبَرَارِي وَالْمُتَنَزَّهَاتِ، أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ أَمْرٍ أَبَاحَهُ الإِسْلَامُ، وَحَثَّ عَلَيْهِ بِضَوَابِطِهِ، أَلَا وَهُوَ الِاسْتِجْمَامُ وَالنُّزْهَةُ، وَتَجْدِيدُ نَشَاطِ النَّفْسِ بِمَا لَا يُخَالِفُ شَرْعَ اللَّهِ.

وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّرْفِيهِ الْمُبَاحِ، فَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَوْلَادِ نَبِيِّ اللَّهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ۝ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.

وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

«أَمَّا الْخُرُوجُ إِلَى الْبَادِيَةِ أَحْيَانًا لِلتَّنَزُّهِ وَنَحْوِهِ فِي أَوْقَاتِ الرَّبِيعِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ رُخْصَةٌ».

وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذٰلِكَ أَيْضًا، فَعَنْ شُرَيْحٍ الْحَارِثِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:" هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْدُو؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ يَبْدُو إِلَى هٰذِهِ التِّلَاعِ".

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَإِذَا كَانَ الإِسْلَامُ قَدْ أَبَاحَ التَّنَزُّهَ، فَإِنَّهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ قَرَّرَ قَوَاعِدَ عَظِيمَةً تَضْبِطُ هٰذَا السُّلُوكَ، وَتَمْنَعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى أَذًى أَوْ إِفْسَادٍ، فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى نَظَافَةِ الأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ، وَمَوَاقِعِ التَّنَزُّهِ الْبَرِّيَّةِ، مِنْ صَمِيمِ تَعَالِيمِ الشَّرِيعَةِ.

وَقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.

وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِمَاطَةَ الأَذَى عَنِ الطُّرُقَاتِ وَأَمَاكِنِ جُلُوسِ النَّاسِ صَدَقَةً، فَقَالَ:

«وَإِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ».

أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَة

الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الضَّرَرَ مُحَرَّمٌ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ بِجَمِيعِ صُوَرِهِ، وَقَدْ قَرَّرَ النَّبِيُّ ﷺ قَاعِدَةً عَظِيمَةً فَقَالَ:

«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».

وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الضَّرَرِ فِي هٰذَا الزَّمَانِ: مَا يُخَلِّفُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ مُخَلَّفَاتٍ بِلَاسْتِيكِيَّةٍ أَوْ مَعْدِنِيَّةٍ فِي الْبَرَارِي وَالْمُتَنَزَّهَاتِ، مِمَّا يُشَكِّلُ خَطَرًا كَبِيرًا عَلَى الثَّرْوَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَقَدْ يَتَسَبَّبُ فِي أَمْرَاضِهَا أَوْ نُفُوقِهَا.

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:

«مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ».

وَكَذٰلِكَ يُنَبَّهُ عِبَادُ اللَّهِ إِلَى خَطُورَةِ إِلْقَاءِ مُخَلَّفَاتِ الْبِنَاءِ وَالْمَشَارِيعِ فِي غَيْرِ الْمَوَاقِعِ الْمُخَصَّصَةِ لَهَا، لِمَا فِي ذٰلِكَ مِنْ تَشْوِيهٍ لِلْبِيئَةِ، وَتَعْرِيضٍ لِلنَّاسِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ لِلْأَذَى، وَإِنَّ الإِبْلَاغَ عَنِ الْمُخَالِفِينَ فِي هٰذَا الْبَابِ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْبِيئَةِ مَسْؤُولِيَّةٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ، وَمِنْ شُكْرِ النِّعَمِ صَوْنُهَا، وَمِنْ حُسْنِ الدِّينِ حِفْظُ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ.

اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا شُكْرَ نِعَمِكَ، وَحُسْنَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُصْلِحِينَ فِي الأَرْضِ، اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَبِيئَتَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ.

 

المرفقات

1767770866_النزهة.docx

المشاهدات 680 | التعليقات 0