التثبت وإحسان الظن بالمسلمين
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي لا يقول إلا حقا، ولا يعد إلا صدقا، عابده يعز ويرقى، وجاحده يذل ويشقى، نحمده تعالى تعبدا وصدقا ورقا، ونشهد ألا إله إلا الله، ونشهد أن نبينا محمدا سيد الخلق طرا، وأرفعهم قدرا، وأطوعهم لله نهيا وأمرا، اللهم فصل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أولي النهى والأحلام، وعلى التابعين لهم بإحسان في حفظ اللسان وقلة الكلام أفضل صلاة وأزكى سلام..
وبعد: فاتقوا الله عباد الله حقّ التقوى، وراقبوه في السر والنجوى..
عباد الله: في قصة عجيبة من قصص السيرة تبين لنا أدباً من آداب المسلم تجاه مجتمعه، أدب ذكره الله من جملة آداب في سورة الآداب سورة الحجرات.. وفي القصة:
أن قبيلة خزاعة أسلمت وكان سيدهم صحابيٌّ جليل اسمه الحارث، وبعد مدّة أرسل إليهم رسول الله رجلاً اسمه الوليد بن عقبة، مهمته أن يجمع زكاة قبيلة خزاعة ويوصلها إلى رسول الله، فلما أقبل الوليد على خزاعة تذكر خصومات معهم في الجاهلية فخاف أن يقتلوه فرجع حتى أتى رسول الله وقال: يا رسول الله: إن الحارث منعَني الزكاة وأراد قتلي، حينها جهَّز رسول الله سرية لقتال الحارث وقومه لِردتهم عن الإسلام.. وفي الوقت نفسه كان الحارث قد جمع الزكاة من قومه، وقال لقد وقّت لي رسول الله وقتاً يرسل عليَّ رسوله فلم يأتِ رسولُ رسول الله، وأنا ذاهب إليه في المدينة...
فأقبل الحارث بأصحابه فإذا هو بالسرية التي أعدها رسول الله لقتاله فقال لهم: إلى من بُعثتم؟! قالوا: إليك، قال: ولم؟! قالوا: إن رسول الله كان بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعتَه الزكاة وأردتَ قتله، قال: لا والذي بعث محمدًا بالحق، ما رأيتُه البتّة ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله قال له رسول الله : ( منعتَ الزكاة وأردت قتل رسولي؟ (
قال: لا والذي بعثك بالحق، ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس عليّ رسولك؛ خشيتُ أن تكون سُخْطة من الله -عز وجل- ورسوله، حينها أنزل الله آية كلكم يحفظها ويعقل معناها وهي قول الله :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)
هذا رجل واحد كادت أن تثور بين الفئتين دماء ودمار وحروب وأشلاء، لولا أن يسر الله عقلاً راجحاً وتريثاً..
هذه الآية الكريمة ترسِم لنا منهجًا عظيمًا في شأن تلقّي الأخبار، تبين لك موقف المسلم تجاه أي خبر يسمعه، أو يقرؤه، يتثبت ويتبيّن ولا يستعجل الحكم يحسن الظن ثم يحسن الظن، وبالأخص في هذا العصر الذي نرى فيه السباق المحموم لنقل الأخبار لحظة بلحظة.
بث الإشاعاتُ والأراجيف، هذا منهج يسلكُه أصحابُه لقلّة الدين ومحبة الفرقة حسدًا من عند أنفسهم، وغالبًا لا تصدُر الشائِعة إلا من مكروه أو مَنبوذ فردًا أو جَماعة، قد امتلأ بالحِقد قلبُه، وفاض بالكراهية صدره.
في دراسة نُشرت قبل فترة وهو أمرٌ مقلق وخطير جدًا مفاده أن أكثر من سبعة وعشرين ألف حساب وهمي مُغْرض مُعَادٍ لهذه البلاد على موقعٍ واحدٍ من مواقع التواصل، هذه وسيلةُ تواصلٍ واحدة فيها هذا العدد من الحسابات الوهمية..
وتعمل هذه الحسابات الوهمية على إغراق تغريدات متتابعة ومتنوعة تدور حول فكرة واحدة واتجاه واحد، وإعادة تكرارها خلال اليوم والأسبوع من حسابات مختلفة بإشراك حسابات وهمية هائلة، فترفع إن شاءت الوضيع وتضع ذا المقام الرفيع، وتثبت في العقول الباطنة ضلالة، وتشكك في مَبدأ وقيمة وسنة، هذا شأنهم وهذا دورهم، رد الله كيدهم في نحورهم.
ف تثبت في الأمور ولا تبادر لشـيء دون مـا نظرٍ وفكر
قبيـحٌ أن تبادر ثم تخطي وترجـع للتثبـت دون عذر
اللم إنا نعوذ بك من شر أسماعنا وأبصارنا وألسنتنا وأنت السميع العليم
أستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا... وبعد:
اتُّهمت الحَصَانُ الرَّزَانُ عائشةُ رضي الله عنها بالزنا، اتهمها المنافقون في حادثةٍ من حوادث السيرة المؤلمة، وظل الناس يلوكون في هذه الشائعة، قالوا ويقولون وفعلت وفعل، ورسول الله في حيرة كبيرة وبلاء عظيم حتى أنزل الله براءتها في سورة النور بعد شهر كامل من مَبْدأ هذه الفِرية.
خبرٌ نشره مغرض وتولى نشره وتزيينه في عقول الناس، فمنهم من صدق، ومنهم من نشر وأذاع، ومنهم من سكت، وخير الناس من دافع عن هذه التهمة، لم يسكت فحسب بل دافع ونافح، قالت أم أيوب: يا أبا أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة -رضي الله عنها-؟! قال:
"نعم، وذلك الكذب، أكنتِ فاعلةً ذلك يا أمّ أيوب؟!" قالت: لا والله، ما كنت لأفعله، قال:
"فعائشة واللهِ خير منك وأطيب، وصفوان خير مني وأطيب، إنما هذا كذب وإفك باطل"
فأنزل الله مدحاً في أبي أيوب ومن صنع صنيعه قوله سبحانه:
(لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)
فأحسنوا الظن في إخوانكم المسلمين يا عباد الله، لا تشمتوا بأحد ولا يُزيننَّ لكم الشيطان اتّهامات وشائعات لو صدقت لكان خيرا للمؤمن أن يُبَرأ أخاه المؤمن وأن يدافع عنه ومن ردَّ عن عرض أخيه في الغيب ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة كما صح الخبر عن رسول الله ..
لا بد أن تكون مواقفنا صارمة من المجتمع في رفضِ الإشاعةِ وعدم السّماح برواجِها والتكلّم بها، لا ترسل ولا تغرد ولا تنقل إلا ما كان صوابا ومع ذلك فليس كل ما يُعلم يقال:
(وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ(
قال :( كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع ) ( بئس مطية الرجل: زعموا )، يعني بئس حديث الرجل تجلس معه فيحدثك الحديث ويقول سمعت أن فلانا قتل لكذا وفلانا سجن لكذا وفلانا طُلقت لكذا كل حديثه قيل وقال وكثرة السؤال، هذه ليست سيما المؤمنين، إنما صفتهم إحسان الظن بإخوانهم مهما يكن جرمهم وخطؤهم..
ألا فاتقوا الله واحفظوا الألسن وصونوا الأسماع، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ولا تمشوا بين الناس بإساءة واحذوا الشيطان وتزيينه ومكره، والله الله في إحسان الظن بهم وإن بدا لكم غير ذلك..
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)
المرفقات
1768328731_التثبت وإحسان الظن بالمسلمين.docx