الجوال ما له وما عليه
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحَمْدُ للهِ تَفَرَّدَ بِالْعِزَّةِ وَالْمُلْكِ والْجَلَالِ؛ فَلَهُ الْحَمْدُ بُكْرَةً وَعَشِيًّا وَفِي الْغُدُوِّ وَالآصَالِ، وَأَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَهُو الْكَبِيرُ المُتَعَالُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ كَرِيمُ الخِصَالِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَيرِ صَحْبٍ وآلٍ، والتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ..
أَمَّا بَعْدُ:
لو تأملنا – يا عباد الله - قليلاً في ملكوت السماوات والأرض، كم خلقَ اللهُ وسخَّر وسهَّل وقدَّر من نعمٍ يعجز اللسانُ عن عدّها، سخرها لبني آدم ليكون لهم بها قِوام حياتهم، وتمام معاشهم.
ومما علَّم الله الإنسان هذا الجهاز الجوال النقال الذي بين أيدي أغلب البشر إن لم يكونوا كلهم، هو نعمة من نعم الله علينا قرَّب البعيد، وسهَّل العسير، ووفر الجهد والوقت، وأُنجزت به كثير من المنافع والحاجات، فنحمد الله رب الأرض والسماوات، الذي علم الإنسان ما لم يعلم ..
كُلُّ العَجَائبِ صنعَةُ العَقلِ الذي *** هُوَ صنعَةُ اللهِ الذِي سَوَّاكَا
وَالعَقلُ لَيسَ بِمُدرِكٍ شَيئاً إذَا *** مَا اللهُ لَمْ يَكتُبْ لَهُ الإدرَاكَا
وهذا الجهاز هو عجيبة من العجائب ونعمة من النعم التي لم تخطر يوماً على قلب بشر إلا أن الكثير من الناس في شتى الأعمار والأجناس قد أصبح هذا الجهاز في أيديهم بمثابة الإدمان، تدخل كثيرًا من المجالس والمرافق فترى كلاً بيده جهازه يُطالعه، تجد الواحد بلا شُعور يُدخل يده في جيبه ويُخرج الجهاز ولو لم يكن له فيه حاجة، حتى قبل تكبيرة الإحرام لا بُدَّ أن يُبصر جواله وقد نُهينا عن الالتفات ونحن إلى المسجد ذاهبون حتى يتمَّ للمسلم خشوعُه وهذا يبصر جواله قبيل التكبير ويبصره مباشرة بعد التسليم، وأثناء الصلاة يرن الجوال بنغمات تذهب الخشوع وتشتت الأفكار، فأيُّ صلاة ستكون صلاته؟
يَستيقظُ النائمُ من نومه فيفتح عينيه على جهازه، ولا ينام حتى يُقلب صفحاته منتقلاً من وسيلةِ تواصلٍ إلى أخرى، فيُبتلى بالسهر والتشتت والأرق والقلق، أصبح الكثير مُدمنا عليه إدمانا، حتى غدا مرضًا من الأمراض يحتاج إلى علاج.
ولست في حاجة أن أُبَيِّن آثاره وآفاته، فكم من شيخٍ وقورٍ رأيناه في مجلس يُقلّب عينيه وفي كل ثانية مقطعاً، وكم من ضيف أو صديقٍ قد سُررنا بمرآه وما أن يحلَّ بمجلسٍ حتى تراه يضحك مع غير الجالسين، كم من الحوادث المرورية التي كان سببها الأول الانشغال بالجوال، أما التصوير فحدث ثم حدث ولا إشكال ولا حرج، لم تَعُد هناك أسرار في البيوت، يُصور كل شيء يراه ويعمله، حتى الصلاة والعمرة التي لا بد أن تكون لله خالصة يعلم العالم كله عن عبادته فيضيع العملُ ويبوءَ البعيد بالحرمان، وفي تفاصيل الأسر في سياحتهم وأكلهم ولبسهم شيء يندى له الجبين.. وكل ذي نعمة محسود..
لم يعَد أحدٌ راضٍ بما قسم الله، ولم تعد المرأة عن زوجها وبيتها راضية، بسبب ما ترى من بذخ كاذب وسرف مصطنع، تفاخر ممقوت مذموم ساهم في نشره مشاهير قد ضلوا وأضلوا إلا من رحم ربي، نسأل الله السلامة ونسأل الله العافية..
هذا الجهاز نعمة من نعم الله إلا أنه لا بد أن يكون الإنسان معه حازما في وقتِه، وقتُه الذي سيسأله الله تعالى يوماً عنه، عن عمره فيمَ قضاه وعن شبابه فيمَ أمضاه، وقتك عزيز فلا تضيّعه في توافهَ تأكل الأعمار أكلاً، وتقتل الساعات قتلا..
قال عثمان رضي الله عنه : ( لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم ) لو كانت قلوبنا طاهرة زكية لكان الأولى بأن لا نشبع منه هو قراءة كتاب الله والتلذذ به والعيش معه، فهو خيرُ ما أُفنيت فيه الأعمار، أما اليوم فإن عيون الكثير وقلوبهم لا تشبع من هذا الجهاز، فيها نهمٌ يا ليته يكون في طاعة الله وتَعَلُّم ما ينفع من العلوم والحرص على نشر كل خير، والسلامة من كل مأثم ومغرم..
اللهم ردنا إليك ردا جميلاً، اللهم وخذ بنواصينا للبر والتقوى، ووفقنا لما تحب وترضى
أستغفر الله العظيم لي ولكم
الخطبة الثانية:
الْـحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَعَلَّمَهُ الْبَيَانَ، والصلاة والسلام على سيد الثقلان وبعد:
عباد الله:
وفي خِضَمِّ الثَّوْرَاتِ الصِّناعِيَّةِ المتتابِعَةِ، تبرزُ إلى العالم ثورةٌ ليستْ كسابِقَاتِها، عرفناها باسمِ "الذَّكاءِ الاصطناعيِّ".
وحين يرى المؤمن تلك القدرة العجيبة في هذه الثورة يستشعر قولَه تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، يرى في هذه الصناعَةِ بعضَ قدرةِ الله عزَّ وجلَّ، وشيئًا من أسبابِ جدارةِ الإنسانِ بالخلافةِ في الأرضِ، وهي قبولُه للتعليم، وقدرتُه على وضعِ علْمِهِ فيما يُعينُه على قضاءِ حاجاتِه وأعمالِهِ، وكل ذلك تحت علم الله وقدرته لا يعزب عنه شيء ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾...
أحسنَ بعضُهم استخدامَهُ في تطويرِ نفسِهِ وقدراتِهِ، ونفعِ الآخرينَ بنشرِ العلمِ النافعِ، وتطويرِ الوسائلِ المفيدةِ للمجتمعاتِ، وتَبْصيرِ الناسِ بشرعِ ربِّهم، وتعاليمِ دينِهِ القويمِ.
وأساءَ آخرونَ استغلالَه، إساءاتٍ متفاوتةً، فمنهمْ من حاولَ النيل من المؤمنينَ، بِنَشْرِ ضلالاتِه وانحرافاتِه.
وربما صنعِ مواقعَ تقدِّمُ معلوماتٍ مغلوطة عن الإسلامِ، وتنفِّرُ الناسَ من اتِّباعِهِ، وتشوِّهُ رموزَهُ وقياداتِه بتركيبِ الصورِ والمقاطعِ المرئيةِ الكاذبةِ.
ومنهم من استغلَّ وسائلَ الذكاءِ الاصطناعيِّ في التجسسِ والمراقبةِ؛ للإضرارِ بالناسِ، ومنهم من استخدَمها لمحاكاةِ أصواتِ العلماءِ -حيِّهمْ وميِّتِهمْ-؛ لزَعْزَعَةِ مكانَتِهمْ، أو تمريرِ معلوماتٍ شرعيةٍ غيرِ صحيحةٍ على ألسِنَتِهِمْ.
والمؤمنُ كَيِّسٌ فطنٌ، يعرفُ من أينَ يأخذُ دينَهُ، وكيفَ يدافعُ عنهُ، وكيف يستعينُ بالوسائلِ الحديثةِ لنشرِهِ، ويُحسِنُ وضعَ الأمورِ في مواضِعِهَا، ولا تغريهِ البَهْرَجَةُ، ولا تَغُرَّهُ الزَّخَارِفُ، يرى هذهِ الوسائلَ فيزدادُ إيمانًا بِقُدرةِ الله، وتفتحُ له آفاقَ أخرى لفهمِ قولِهِ تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
وخير من هذا من يدخل فيه ويسعى لنشر الإسلام والتوحيد للعالم بلغات مختلفة فيكون عنصراً مباركا وداعيا إلى الله في هذا المجال الخصب..
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وعملا صالحا يرضيك عنا
المرفقات
1768583862_الجوال ما له وما عليه.docx