الحث على الزواج وتيسيره
أحمد بن علي الغامدي
أما بعد: فإن الزواجَ شَرِيعَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَسُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ، وَفَضِيلَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ ، بِهَا يُحْفَظُ الْعِرْضُ، وَيَدُومُ النَّسْلُ، وَتَسْتَقِرُّ الْحَيَاةُ ،وَهُوَ سُنَّةُ من سنن الأَنْبِيَاءِ والْمُرْسَلِيـنَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ﴾. وَلَمَّا أَرَادَ بَعْضُ الصَّحَابِةِ-رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- أَنْ يَتَعَفَّفُوا عَنِ النِّكَاحِ نَـهَاهَمُ النَّبِـيُّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: (وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي).رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
عباد الله : لقد حث النبيُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، عَلَى الزَّوَاجِ؛ بِشَكْلٍ عَامٍّ، فَقَالَ: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). وَحَثَّ الشَّبَابَ بِشَكْلٍ خَاصٍّ عَلَى الزَّوَاجِ؛ فَقَالَ ﷺ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ). فالزَّواجُ – عباد الله- ليس ترفًا يُؤجَّلُ، ولا خيارًا ثانويًّا يُهمَلُ، بل هو حِصنُ الإيمانِ، والمعينُ على غضِ البصرِ، وحفظِ الفرجِ، وسكينةِ النَّفسِ في زمنٍ تَضُجُّ فيهِ الشهواتُ، وتتكاثرُ فيهِ أسبابُ الفتنةِ، ؛ فمن رامَ السَّكينةَ بغيرِهِ ضلَّ، ومن التمسَ الاستقرارَ خارجَ هديِهِ خابَ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.وقالَ سبحانهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾. فالإنسانُ بلا سكنٍ يأوي إليهِ يكونُ في قلقٍ واضطرابٍ؛ وكما أنَّ البيوتَ سكنُ الأبدانِ، فالزَّواجُ سكنُ القلوبِ والأرواحِ.
عِبَادَ اللِه: عَلَى الشَّابِّ أَنْ يَثِقَ بِأَنَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، سَيُعِينُهُ مَتَـى مَا أَقْدَمَ عَلَى الزَّوَاجِ، يُرِيدُ بِهِ أَنْ يَعِفَّ نَفْسَهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَوْنُهُمْ: وَذَكَرَ مِنْهُمْ: (النَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ) " . وقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: «أطيعوا اللهَ فيما أمركم بهِ من النكاحِ يُنجزْ لكم ما وعدكم من الغِنى». وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: «التمسوا الغِنى في النكاحِ». ولذا فإنّ من يترك الزواجَ خشية الفقر : فقد أساء بالله الظن.
عبادَ اللهِ : من منافعِ الزَّواجِ ـ أنَّهُ لباسٌ يسترُ الشابَّ والفتاةَ، كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾؛ واللباسُ سترٌ وأمانٌ، وزينةٌ ووقايةٌ، ولا غنى للإنسانِ عن لباسِهِ؛ فالمرأةُ سترٌ لزوجِها عن مزالقِ الإثمِ، وهو سترٌ لها عن دواعي الفجورِ؛ يُعِفُّ كلٌّ منهما صاحبَهُ، ويكفُّهُ عن الحرامِ، فيكونُ الزَّواجُ ستارَ الطُّهرِ، وحرزَ العفَّةِ، ووقايةَ القلوبِ قبلَ الأبدانِ.
عباد الله :إنَّ سرَّ هذه الأوامرِ الرَّبانيَّةِ، والتوجيهاتِ النبويَّةِ في شأنِ الزَّواجِ، يكمنُ في أنَّ تركَهُ والعُزوفَ عنهُ، وردَّ الأكفاءِ من الرِّجالِ؛ بابٌ واسعٌ للفتنةِ، وميدانٌ خصبٌ للشيطانِ، ومعولُ هدمٍ للأُسرِ، وتقليلٌ للنَّسلِ، حتى تُصابَ المجتمعاتُ بالهَرَمِ والشَّيخوخةِ. فما ضعُفَ الزَّواجُ في أُمَّةٍ إلا قلَّ فيها الإنجابُ.قال ﷺ: «إذا خَطَبَ إليكم من ترضَونَ دينَهُ وخُلُقَهُ فزوِّجوهُ، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ».فحريٌّ بكلِّ أسرةٍ وفتاةٍ تقدَّمَ لها كُفءٌ أن لا تردَّهُ، وألا تُقدِّمَ على الزَّواجِ دراسةً ولا وظيفةً؛ فالكُفءُ لا يحضرُ في كلِّ وقتٍ. وعلى الأولياءِ أن يسعَوا في تزويجِ أبنائِهم وبناتِهم، وأن يُذلِّلوا العقباتِ، بل وعلى المجتمعِ كلِّه، أن يتَّقوا اللهَ في هذا البابِ، وألا يُغلقوا أبوابَ الحلالِ بمفاتيحِ التكلُّفِ والمغالاةِ؛ فكم من زواجٍ تعطَّلَ، وكم من شابٍّ أُثقلَ بالديونِ، لا لشيءٍ إلا لأنَّ السُّنَّةَ أُهملتْ، والعادات قُدِّمتْ. وقد أرشدَ النبيُّ ﷺ إلى ميزانِ البركةِ فقالَ ﷺ: «أعظمُ النساءِ بركةً أيسرُهنَّ مؤونةً»؛ فحيثُ خفَّتِ المؤونةُ نزلتِ البركةُ، فالبركةُ لا تُشترى بكثرةِ النفقةِ، وإنما تُنالُ باتباعِ الهديِ، والتيسيرِ فيما يسَّرهُ اللهُ.
عباد الله :أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية:
أما بعد :فإنّ من أسباب عزوف الشباب عن الزواج : وَضْعُ بَعْضِ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ شُرُوطًا تَعْجِيزِيَّةً فِيمَنْ يَرْغَبُ بِالزَّوَاجِ مِنْهُ، فَتَجِدُ بَعْضَ الرِّجَالِ يَشْتَـرِطُ شُرُوطًا، وَكَأَنَّهُ الْكَامِلُ، وَمِثْلُهُ بَعْضُ الْفَتَيَاتِ، وَكَأَنَّـهَا الْكَامِلَةُ. وَقَدْ حَدَّدَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَهَمَّ الشُرُوط في الرجل ، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ،وأما بالنسبة بَالْمَرْأَة ، فذاتُ الدِّينِ؛قال ﷺ: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ».
عباد الله :إنّ مِنْ حُقُوقِ الْأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمُ السَّعْيُ فِي تَزْوِيجِهِمْ، وَتَشْتَدُّ حَاجَتُهُمْ إِلَيْهِ مَعَ كَثْرَةِ الْفِتَنِ وَالْمُغْرِيَاتِ،وَقَدْ يَأْثَمُ الْأَبُ إِذَا قَصَّرَ فِي ذَلِكَ – مع قدرته- فَوَقَعَ ابْنُهُ فِي الْإِثْمِ؛ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "زَوِّجُوا أَوْلَادَكُمْ إِذَا بَلَغُوا، لَا تَحْمِلُوا آثَامَهُمْ"، وَقال قَتَادَةُ: كَانَ يُقَالُ: "إِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ أَبُوهُ فَأَصَابَ فَاحِشَةً، أَثِمَ الْأَبُ". كما أنّه لا ينبغي أن يتحرج الولي في أن يعرِض ابنته أو أخته على من يراه كفئاً لها ، بطريقة ( غير مباشرة )تحفظ لها كرامتها ، وهذا الأمر فعلُه خيار الناس يقول صاحب مدين لموسى -عَلَيْهِ السَّلاَم- : (( إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ))، وعمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه عرض ابنتَه حفصة على أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم ليتزوجاها ،واعتذرا عن القبول. ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما بارت سوقُ حفصة عندما عرضها والدها كما يقول الناس ، بل تزوجها أكرم الخلق صلى الله عليه وسلم .
ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- جميعًا، وتفقُّدُوا أحوالَ من ولاكم الله عليهن، وتلمُّسوا حاجاتِهن، وقدّروا مشاعرهن، وقوموا بمسؤولياتكم.
ثم صلُّوا وسلِّموا على خيرِ البريةِ، وأزكى البشريةِ، نبيِّنا محمدٍ ﷺ.
المرفقات
1769108079_1خُطْبَةٌ الْحَثُّ عَلَى تَيْسِيرِ الزَّوَاجِ.docx