الحث على النكاح وتيسيره
خالد الشايع
**الخطبة الأولى
(إعدادُ الأُسرةِ والمُسارعةُ بالنِّكاح)
4 شعبان 1447هـ**
أمَّا بَعْدُ، فيا أيُّها النَّاسُ: اتَّقُوا اللهَ تعالى، واستجيبوا لأوامرِه، وسيروا على صراطِه المستقيمِ تُفلِحوا، ولقد خلقَ اللهُ الخلقَ وفطرهم على تكوينِ الأُسَرِ، وعمارةِ الأرضِ، فإذا صَلُحَت أُسَرُ المجتمعِ صَلُحَ المجتمعُ بأسره، وإذا فَسَدَت الأُسَرُ فَسَدَ المجتمعُ بلا شكٍّ.
عبادَ اللهِ: من هنا البدايةُ في إصلاحِ المجتمعِ، فالمجتمعُ يتكوَّنُ من فردٍ، ثم يكونُ زوجًا أو زوجةً، ثم تنشأُ الأُسرةُ وهكذا، فلا بُدَّ من العنايةِ بهذا الأمرِ، فكونُ الشابِّ يتزوَّجُ بامرأةٍ صالحةٍ، والمرأةُ تتزوَّجُ بشابٍّ صالحٍ، ويُنشِئون أُسرةً صالحةً تعبُدُ اللهَ عزَّ وجلَّ، وتُصلِحُ المجتمعَ.
ولِكي يبدأَ المجتمعُ في صلاحِه؛ فلا بُدَّ للمسلمِ أن تكونَ له نيَّةٌ صادقةٌ صالحةٌ في ذلك، أمَّا إذا بحثَ الإنسانُ عن رغبةٍ غيرِ الصلاحِ، وحصلَ أن تزوَّجَ شابٌّ غيرُ صالحٍ بامرأةٍ غيرِ صالحةٍ، وكونوا أُسرةً، ففي الغالبِ أنَّ الأولادَ كالآباءِ، فتكونُ الأُسرةُ فاشلةً، فإذا كثرَ هذا في الأُسَرِ فسدَ المجتمعُ.
ولهذا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نبَّه على ذلك، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلام قال:
«تُنكَحُ المرأةُ لأربعٍ: لحسَبِها، وجمالِها، ومالِها، ودينِها، فاظفرْ بذاتِ الدِّينِ تربتْ يداكَ».
قال شُرَّاحُ الحديثِ: هذا الحديثُ يُبيِّنُ رغباتِ الناسِ في النكاحِ، فبعضُهم يطلبُ الجمالَ، والبعضُ يطلبُ المالَ، والبعضُ يطلبُ الحسبَ والنسبَ، والدينُ آخرُ اهتماماتِهم، فينبغي للشابِّ إذا أراد أن يتزوَّجَ أن يحرصَ على هذه الخصلةِ العظيمةِ، ولا يحرصَ على الجمالِ فقط، فالبعضُ –للأسف– جعلوا الدِّينَ آخرَ اهتماماتِهم، وما علموا أنَّه أساسُ تكوينِ البيتِ.
ولذلك النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قلبَ الموازنةَ، فقال: «اظفرْ بذاتِ الدِّينِ»، بل قال أهلُ العلمِ: ليست ذاتُ الدِّينِ وحدها، بل لا بُدَّ أن يكونَ البيتُ كلُّه ذا دينٍ، وتمسُّكٌ بشرائعِ الإسلامِ، وانضباطٌ أُسريٌّ يُعينُ على التربيةِ الصحيحةِ.
ولِماذا نحرصُ على بيتِ أهلِ الزوجةِ (الأخوالِ)؟ لأنَّ الأولادَ في الغالبِ يتخلَّقون بأخلاقِهم، مهما أصلحتَ في أبنائكَ فإنَّه يتأثَّرُ بالمجتمعِ وبالبيئةِ، فلا بُدَّ أن تكونَ البيئةُ بيئةً صالحةً.
فينبغي للشابِّ أن يحرصَ على هذه الخصلةِ، وليس معنى الحديثِ أنَّك تتزوَّجُ امرأةً دميمَةً أو شديدةَ الفقرِ، بل اجعلْ رغبتَكَ في ذاتِ الدِّينِ أوَّلًا، ثم لا بأسَ بالجمالِ والمالِ، لكن ليكنْ «الشَّرطُ الأوَّلُ» هو الدِّينُ.
ولنكنْ أكثرَ صراحةً: إنَّ الأمَّ تُربِّي في البيتِ أكثرَ من الأبِ، فإذا كانت الأمُّ غيرَ صالحةٍ فكيف تُصلِحُ أولادَها؟
وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كما أخرج النسائيُّ:
«ألا أُخبرُكم بنسائِكم في الجنَّةِ؟ كلُّ ودودٍ ولودٍ…».
ولهذا قال عليه الصلاةُ والسلامُ: «اظفرْ بذاتِ الدِّينِ تربتْ يداكَ»، هذه النواةُ الأولى لإصلاحِ المجتمعِ.
اللهم أصلِحْ نيَّاتِنا وذريَّاتِنا يا ربَّ العالمين.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم…
⸻
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
أمَّا بَعْدُ، فيا أيُّها النَّاسُ: إنَّ اختيارَ الزوجةِ من البدايةِ أمرٌ مهمٌّ، لا بُدَّ أن يعتنيَ به الزوجُ وأبوهُ، والزوجةُ وأبوها، فمن بنى حياتَه على أساسٍ فاشلٍ أثِمَ، وتجرَّعَ غُصَصَ الندامةِ عندما ينهارُ البيتُ.
فالأبُ يأثمُ إذا زجَّ بابنتِه في رجلٍ غيرِ صالحٍ، أو تهاونَ في السؤالِ عنه طمعًا في دنياه، والزوجُ يأثمُ إذا تزوَّج امرأةً غيرَ صالحةٍ من أجل جمالِها أو دنياها، ثم أفسدَ أولادَه.
ومع فسادِ المجتمعِ يصعبُ على الشابِّ الصالحِ أن يجدَ امرأةً صالحةً، ونحن نحثُّ الشبابَ والشاباتِ على التبكيرِ بالزواجِ؛ لأنَّه من حفظِ النفسِ والدينِ والمجتمعِ، خصوصًا في زمنٍ انتشرت فيه الفتنُ.
وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كما في الصحيحين:
«يا معشرَ الشبابِ، من استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوَّجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبصرِ، وأحصنُ للفَرجِ».
أيُّها المؤمنونَ: سارعوا بتزويجِ أبنائكم وبناتِكم، وانتقوا لهم الصالحَ ذا الأخلاقِ العاليةِ، فإنَّها أمانةٌ وستُسألون عنها يومَ القيامةِ.
وختامًا عبادَ اللهِ: يسِّروا أمرَ الزواجِ، ولا تُغالوا في المهورِ، ولا تُبالغوا في حفلاتِ الزواجِ، واحذروا من عضلِ النساءِ، واحذروا ممَّن يُروِّجُ للعزوفِ عن الزواجِ.
اللهم استُرْ على نساءِ المسلمينَ، وارزقهنَّ السِّترَ والعفاف
المرفقات
1769089570_إعداد الأسرة والمسارعة بالنكاح.docx