الْحَثُّ عَلَى تَيْسِيرِ الزَّوَاجِ 4- شعبان- 1447هـ

عايد القزلان التميمي
1447/08/04 - 2026/01/23 07:20AM
إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا.
أمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ- عِبَادَ اللهِ- حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. وَاعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ؛ اِعْلَمُوا أنَّ الزَّوَاجَ مِنْ أَفْضَلِ النِّعَمِ التِـي أَنْعَمَ اللهُ بِـهَا عَلَى الْبَشَرِ، وهُوَ أمرٌ فِطْرِيُّ، وَهُوَ سُنَّةُ الأَنْبِيَاءِ والْمُرْسَلِيـنَ، وَمِنْ أَسْبَابِ دَوَامِ الْبَشَرِيَّةِ، وطريقٌ للعفاف وصيانة للأعراض، وسببٌ لاسْتِقْرَارِ المُجْتَمَع، وفيه حِفظٌ للدِّين وتحقيقٌ لِمَقاصِد الشَّرِيعَة في حِفْظِ النَّسْل والأَخْلاق، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)، وقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ وعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
عِبَادَ اللَّهِ
وَقَدْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِالْمَعُونَةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحَصِّنَ فَرْجَهُ بِالزِّوَاجِ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتِبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ))
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ.
وَالزَّوَاجُ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْغِنَى، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: } وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ مُرَغِّبًا فِي الزَّوَاجِ، وَمُحَذِّراً مِنْ كُلِّ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، بِمَا فِي ذَلِكَ غَلَاءَ الْمُهُور؛ فَقَدْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ من يُمنِ المرأةِ – أي أي: مِن دَلائِلِ بركَتِها على الزَّوجِ،- تيسيرَ خِطبتِها، وتيسيرَ صَداقِها، وتيسيرَ رحِمِها،)) قال عُروةُ أحد رواة الحديث ((إنَّ مِن شُؤمِ المَرأةِ أن يَكثُرَ صَداقُها)) حسَّنَه الألباني.
عِبَادَ اللَّهِ، كَمْ هُمْ أُولَئِكَ الْآبَاءُ الَّذِينَ عَضَلُوا بَنَاتِهِمْ عَنِ الزَّوَاجِ، بِسَبَبِ غَلَاءِ الْمُهُورِ أَوْ طَمَعًا فِي أَمْوَالِهِنَّ مِمَّا وَهَبَهُ اللَّهُ لَهُنَّ، فَلْيَعْلَمْ كُلُّ أَبٍ أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ مِمَّا يُغْضِبُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَسْؤُولٌ أَمَامَ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ هَذَا الْعَمَلِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (( ما مِن عَبْدٍ اسْتَرْعاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْها بنَصِيحَةٍ، إلَّا لَمْ يَجِدْ رائِحَةَ الجَنَّةِ.)) رواه البخاري
عباد الله
وَكَثِيرٌ مِنَ الْآبَاءِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُغَالَاةُ فِي الْمُهُورِ، وَأَنَّ تَيْسِيرَ الزَّوَاجِ هُوَ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَطْبِيقٌ لِشَرِيعَتِهِ، لَكِنَّ التَّقْلِيدَ الْأَعْمَى، فِي غَلَاءِ الْمُهُورِ، وَالْمُبَاهَاةَ بِهَا، وَالْإِسْرَافَ فِي الْحَفَلَاتِ، وَالْمُبَالَغَةَ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ، وَمِنَ التَّبْذِيرِ الْمَذْمُومِ شَرْعًا، وَسَبَبٌ لِوُقُوعِ الشَّبَابِ فِي الدُّيُونِ وَالْهُمُومِ، وَعُزُوفِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ عَنِ الزَّوَاجِ.
فَكُنْ قُدْوَةً أَيُّهَا الْأَبُ الْكَرِيمُ، كُنْ قُدْوَةً، كُنْ لِبْنَةً صَالِحَةً، كُنْ مِفْتَاحَ خَيْرٍ؛ حَتَّى يَقْتَدِيَ بِكَ أَهْلُ بَلَدِكَ، وَقَبِيلَتُكَ،
وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ.
أَيْضًا لَيْسَ عَيْبًا عَلَيْكَ أَنْ تَعْرِضَ ابْنَتَكَ لِلصَّالِحِينَ،
أَلَمْ نَقْرَأْ فِي الْقُرْآنِ: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾
وَهَذَا فَارُوقُ الْأُمَّةِ ـ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ ـ، يَعْرِضُ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ بَعْدَ أَنْ مَاتَ زَوْجُهَا عَلَى
أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عَلَى عُثْمَانَ، فَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفَعَلَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً.
عِبَادَ اللَّهِ
وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ الْحَذَرُ مِنْ عَضْلِ النِّسَاءِ أَوِ التَّشَدُّدِ فِي الشُّرُوطِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفَاسِدٌ عَظِيمَةٌ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ:
(إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ).
وَيَجِبُ عَلَيْنَا تَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ تَرْبِيَةً سَلِيمَةً، لِيَتَحَمَّلُوا الْمَسْئُولِيَّةَ عِنْدَ الزَّوَاجِ، وَالرُّجُوعِ وَالِالْتِزَامِ بِتَعَالِيمِ الدِّينِ الْحَنِيفِ، فِي كَافَّةِ أُمُورِ حَيَاتِنَا، وَعَدَمِ الطُّمُوحِ الزَّائِدِ فِي شَرِيكَةِ الْحَيَاةِ، وَالِاهْتِمَامِ بِالْخُلُقِ وَالدِّينِ فِي اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ (( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ )).
بارك الله لي ولكم....
الخطبة الثانية
الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ.
أما بعد: فيا عِبَادَ اللَّهِ، وَاحْذَرُوا وَحَذِّرُوا فَتَيَاتِكُمْ خَاصَّةً مِنَ الدَّعَوَاتِ الضَّالَّةِ الَّتِي تَسْتَغِلُّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ لِلتَّنْفِيرِ مِنَ الزَّوَاجِ؛ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ دَعْوَةٌ مُغْرِضَةٌ تُخَالِف دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ إِلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهَا تُرِيدُ الْإِفْسَادَ لَا الْإِصْلَاحَ، وَانْتِشَار الرَّذِيلَةِ لَا الْفَضِيلَةِ؛ (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا).
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ تَعَاوُنَ الْمُجْتَمَعِ بِأَفْرَادِهِ وَمُؤَسَّسَاتِهِ فِي إِعَانَةِ الرَّاغِبِينَ فِي الزَّوَاجِ وَتَذْلِيلِ عَقَبَاتِهِ بِالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ الْمَادِّيَّةِ وَالْعَيْنِيَّةِ لَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ أَعْمَالِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ؛ لِعِظَمِ آثَارِ الزَّوَاجِ مِنْ حُصُولِ الْعِفَّةِ، وَتَكْثِيرِ عَدَدِ الْأُمَّةِ، وَالْإِسْهَامِ فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ وَقُوَّتِهِ وَازْدِهَارِهِ. فَأَعِينُوا الْمُحْتَاجِينَ مِنَ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الزَّوَاجِ وَاحْتَسِبُوا فِي ذَلِكَ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ. وأن أثره لا يقتصر على الفرد، بل يتعداه إلى المجتمع بأسره.      
المرفقات

1769142075_الحث على تيسير الزواج والتحذير من العزوف عنه 4-8-1447هـ.docx

1769142076_الحث على تيسير الزواج والتحذير من العزوف عنه 4-8-1447هـ.pdf

المشاهدات 455 | التعليقات 0