الْحِفَاظُ عَلَى الْبِيئَةِ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ.

أ.د عبدالله الطيار
1447/07/21 - 2026/01/10 10:15AM

 

الحمدُ للهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَانِ، أَنْشَأَ الْخَلائِقَ وَأَبْدَعَ الأَكْوَانَ، فَأَتْقَنَهَا وَجَمَّلَهَا، وَجَعَلَهَا آَيَةً لِذَوِي الْعُقُولِ وَالأَفْهَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، تَفَرَّدَ بِالْكَمَالِ وَالْجَمَالِ، وَالْعَظَمَةِ وَالْجَلالِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وسلم عليْهِ وعَلَى آلِهِ إلى يوم الدين، أمَّـا بَعْـدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) البقرة: [281].

أيُّهَا المؤمنونَ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا أَوْدَعَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمَا مِنْ الْعَجَائِبِ وَالمُعْجِزَاتِ، آَيَاتٍ كَوْنِيَّةٍ، تَنْطِقُ بِوَحْدَانِيَّةِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ: قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون) غافر:[62].
وَالإِنْسَانُ خَلِيفَةُ اللهِ عزَّ وجلَّ في الأَرْضِ، اسْتَخْلَفَهُ لِعِمَارَتِهَا، قَالَ تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) البقرة: [30]

عبَادَ اللهِ: لَقَدْ تَضَافَرَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى تَقْرِيرِ مَبْدَأٍ عَظِيمٍ مِنْ مَبَادِئِ الإِسْلامِ، وَهُوَ وُجُوبُ صِيَانَةِ الْبِيئَةِ، ولذا يجب على الناس حِفْظُ نِظَامِهَا، وَالذَّوْدُ عَنْ جَمَالِهَا وَكَمَالِهَا، وَالتَّحْذِيرُ الشَّدِيدُ، وَالْوَعِيدُ الأَكِيدُ، لِكُلِّ مَا يُفْسِدُهَا أَوْ يُخِلُّ بِتَوَازُنِهَا أَوْ يُنْقِصُ مِنْ بَهَائِهَا، قَالَ تَعَالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) [البقرة: 60].

أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَقَدْ عَدَّ النَّبيُّ ﷺ تَنْزِيهَ الْبِيئَةِ عَنِ المخَلَّفَاتِ، شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ بِقَوْلِهِ: (الإيمانُ بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شعبةً، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق) أخرجه مسلم (35) بتصرف وحذَّر ﷺ مِنْ شَتَّى أَشْكَالِ الْعَبَثِ بِالْبِيئَةِ، أَوِ الإِضْرَارِ بِهَا بِقَوْلِهِ: (اتَّقُوا اللّعَّانين) أَيْ احْذَرُوا أَمْرَيْنِ يكونان سببًا للعطن، فيَكُونُ جَزَاؤُهُمَا الطَّرْدُ وَالإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ قَالُوا : وَمَا اللَّعّانانِ؟ قَالَ: (الَّذِي يَتَخَلّى فِي طَرِيقِ النّاسِ، أَوْ في ظِلِّهِم) أخرجه مسلم (269).

عِبَادَ اللهِ: وَهَذِهِ النُّصُوصُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُحَافَظَةَ عَلَى الْبِيئَةِ وَحِمَايَتَهَا وَصَيَانَتَهَا، ليست تَرَفًا فِكْرِيًّا، ولا أُسْلُوبًا حَضَارِيًا، وَلا شَأْنًا ثَانَوِيًّا، بَلْ عِبَادَةٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدَ إِلَى رَبِّهِ، وَخُلُقٌ نَبِيلٌ يَشْهَدُ عَلَى صِدْقِ الإِيمَانِ وَكَمَالِ الإِحْسَانِ، كَمَا أنّ إفسادَ البيئةِ، وإلحاقَ الضَّرَرِ بالأماكنِ العَامَّةِ والحدائِقِ وغيرِهَا، دَاءٌ عُضَالٌ، لا يَتَلَبََّسُ بهِ إلا مَنْ فَسَدَ ذَوْقُهُ، وسَاءَتْ سَرِيرَتُهُ وتَجرّدَ مِنْ أَبْسَطِ قَوَاعِدِ الذَّوْقِ العَامِ.
عِبَادَ اللهِ: وَمَعَ بَدْءِ إِجَازَة مُنْتَصَف الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ، يَقْصِدُ النَّاسُ الْحَدَائِقَ وَالمُتَنَزَّهَات، وَالْبَرارِي وَالمُسَطَّحَاتِ؛ لِلتَّنَزُّهِ، وَهُنَا لَزِمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أُمُورٍ مِنْهَا:
 أَوَّلًا: عَدَمُ قَطْعِ الأَشْجَارِ أَوْ إِفْسَادِ النَّبَاتِ، مِنْ قِبَلِ المُحْتَطِبِينَ أَوْ مُلَّاكِ الأَنْعَامِ، قَالَ ﷺ: (مَنْ قَطَعَ سِدْرةً صوَّبَ اللهُ رَأْسَهُ فِي النّارِ) أخرجه أبو داود (5239) وحسّنه ابن حجر (3/201).
ثَانِيًا: تَنْزِيهُ الْبِيئَةِ عَنِ المُخَلَّفَاتِ، فَالنَّظَافَةُ أصلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وأَقَلُّ مَا يَجِبُ على الإنسانِ أنْ يَتْرُكَ المكانَ كَمَا كانَ، والْكَمَالُ أنْ يَتْرُكَ المكانَ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ.
ثَالِثًا: عَدَمُ إِلْقَاءِ المخَلَّفَاتِ الْبِلاسْتِيكِيَّةِ وَالزُّجَاجِيَّةِ، وَالمَعْدَنِيَّةِ الَّتِي تُمَثِّلُ ضَرَرًا بَالِغًا عَلَى المَاشِيَةِ، وَقَدْ تُؤَدِّي لِنُفُوقِهَا، أَوْ مَرَضِهَا، وَهَذَا مِنَ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، وَإِهْلاكِ الْحَرْث وَالنَّسْل، قَالَ تَعَالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) البقرة: (205).

بَارَكَ اللهُ لَي ولكم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عباد الله واعلموا أنَّ الدولةَ -حَرَسَهَا اللهُ- بذلتْ جُهُودًا عظيمةً، وسخَّرتْ إمكاناتٍ ماديةً وبشريةً واسعةً؛ صونًا للبيئةِ وحفاظًا على نقائِهِا وَجَمَالِهَا، فَأَنْشَأَتْ المحْمِيَّات، ونظَّمتْ الصَّيْدَ، وَأَقَامَتْ الْحَدَائِقَ والمُتَنَزَّهَاتِ، وشجَّرَت الطُّرُقَ، وَسَنَّت الأَنْظِمَةَ الرَّادِعَةَ؛ لِتَبْقَى الْبِيئَةُ نظيفةً آمنةً، يَنْعَمُ بِخَيرِهَا الْحَاضِرُونَ، وَتَرِثُها الأجيالُ القَادِمَةُ سَلِيمَةً مُعُافَاةً.

وَالوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ أولًا، ثم نقدِّرُ هذهِ الجُهُودَ، وَأَنْ نَتَعَاوَنَ جَمِيعًا عَلَى حِمَايَتِهَا، بِتَربِيَةِ أَبْنَائِنَا عَلَى احْتِرَامِهَا، وَاجْتِنَابِ كُلِّ مَا يُفْسِدُهَا أَوْ يُشَوِّهُ جَمَالَهَا، لِتَظَلَّ -بِإِذْنِ اللهِ- نِعْمَةً بَاقِيَةً، وَمَوْرِدَ خَيرٍ وَنَفْعٍ لِكُلِّ رُوَّادِهَا وَزُوَّارِهَا.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْحَبِيبِ المُصْطْفَى، وَالنَّبِيِّ المُجْتَبَى، فَقَدْ أَمْرَكُم رَبُّكُم بِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا].

 اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلامَ والمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ، وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ.
اللَّهُمَّ وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خادمَ الحرمينِ الشَّرِيفَيْنِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى اَلْبِرِّ وَالتَّقْوَى.  اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَأَعِنْهُ، وَسَدِّدْهُ، وَاكْفِهِ شَرَّ الأَشْرَارِ، وَاجْعَلْهُ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كَانَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ الأَمْنِ، والمُرَابِطِينَ عَلَى الثُّغُورِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّل عَافِيَتِك، وَفُجَاءَة نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطَكَ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينََ، وصَلَّى اللهُ وَسَلَّم عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الجمعة 20/ 7/ 1447هـ

المشاهدات 80 | التعليقات 0