الحمد لله الذي كفانا وآوانا
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله على فضله وإحسانه، وعظيم آلائه وامتنانه، الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وأوانا ، الحمد لله حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرًا ... أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى كما أمركم بتقواه، واشكروا نعمه، فما بكم من نعمة دقَّت أو جلَّت صَغُرت أم عَظُمت إلا من الله تعالى وحده .. فهنيئاً لمن اعترف بمسديها وأدام شكر مُعطيها، فأفاض عليه بمزيد كرمه وجميل وصله، مصداقاً لقوله وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
أيها المسلمون:
قبل خمس ليالٍ خرجت امرأة من إحدى الدول وبصحبتها طفلتيها، خرجت فارَّة لعظم الفقر وقلة الأمن في بلادها، وبينما هي في الطريق ماشية إذ فاجأتهم عاصفة ثلجية فآثرت بِنْتَيها بِمِعْطفها وبثوبها وبنعلها وتدثرت هي بأكياس خفيفة لا تغني من ذاك البرد شيئا، ونُقل لنا بعدها الخبر وقد كفَّنها الثَّلج بعد أن فارقت الحياة، وابِنْتَيها عند رأسها لا يَدْرون ما خبرُ أمهم، حتى رآهم أهل قرية مجاورة فأسعفوا الطفلتين وحملوا أمهم جنازة..
عندها يا عباد الله تذكرتُ قول أنس بن مالك رضي الله عنه حين قال:
كانَ رسول الله إذَا أَوَى إلى فِرَاشِهِ قالَ: ( الحَمْدُ لِلَّهِ الذي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ له وَلَا مُؤْوِيَ )
( فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ له وَلَا مُؤْوِيَ ) وصدَق ، وقد كان هذا دأَبُه وهذه سنته عليه الصلاة والسلام إذا أوى إلى فراشه تذكر نِعَمَ الله تعالى عليه فأمسى يحمد الله، وما أجمل أن يتذكر المسلم نعم ربِّه، كأن تنام قرير العين قد أطعمك ربّك وسقاك وكفاك وآواك، فكم من جائع وضامئٍ في أرض الله لا يجد ما يأكل ولا يشرب، وكم ممن قد ابتلي بمرض أو همٍ أو مُصاب وأنت قد كفاك الله همَّ دنياك وكفاك مؤونة الحياة وكفاك الشرور كلها، ثم بِتَّ قد آواك الله تعالى في بيتك ومسكنك مُطْمئنَّ القلب قد أصلح الله بالك، وأسنكنك بفضله بيتاً تأنس وتسعد فيه، فسلمت من الطَّرد والتشريد ، ومن قسوة البرد أو لهيب الحرّ، فسترك الله إذ كان آلاف البشر بلا مأوى ولا سكن...
الأمن يا عباد الله نعمة، وزادُك الذي تتخيره وتأكل منه ما تشاء نعمة، والماء العذب الزلال نعمة، والماء الساخن الذي يخرج لك من بين جدران بيتك بلا تعب ولا عناء في شدة البرد نعمة، وأن تُكفى ما أهمّك نعمة، وأن تنام قد عافاك الله تعالى من الأمراض والأسقام نعمة، وأن تأوي إلى بيتك ومسكنك قد قرَّت عينُك برؤية ولدك نعمة، نِعمٌ قد أحاطت بنا من كل جانب فلله تعالى الحمد والمنة..
ويا لقسوة قلبِ من لا يستشعر فضل ربه وعظيم جوده عليه، ويا لتَعاسة من قابلها بالجحود والمعاصي، ويا لَسَفِهِ من نَظر إلى من فوقه فاحتقر معيشته وازدرى ما هو فيه من النّعم العظيمة الجزيلة، ولو هُدي إلى النظر إلى مثل تلك المرأة كيف كانت نهايتها، وما حال بُنياتها من بعدها، ولا يزال الشتاء يذكرنا نعم الله تعالى إذا نظر أحدنا إلى مثل حالها وحال المشردين في بلاد الشام أو العراق أو اليمن أو غيرهم ممن هم حولنا ويهمُّهم ما يَهمنا، وغيرهم كثير في أرض الله تبارك وتعالى..
فانظروا يا معشر المسلمين إلى من هو تحتكم ممن قد سُلب الكثير الكثير من نعم الله التي ترفلون وتنعمون بها، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله تعالى عليكم، وقد أخبرنا المصطفى أن من مَلَكَ ثلاثًا فقد عاش عِيشة الملوك ومَلَكَ ما يملكون فقال عليه الصلاة والسلام:
( من أصبح منكم آمِنًا في سِرْبِهِ، معافًى في جسدِهِ، عنده قوتُ يومِهِ، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافِيرها )
فلا إله إلا الله، ما أعظم أفضاله وما أجمل إنعامه، وما أعظم ستره وعفوه، وما أكثر التقصير والزلل، وما يعفو الله تعالى عنه أكثر..
( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)
( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ * فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ)
اللهم أوزعنا شكر نِعمك وابسط علينا سترك وفضلك وكرمك
الْحَمْدُ للهِ ربِّ النَّاسِ، رافعِ البلاءِ والبأسِ بعدَ القنوطِ واليأسِ
يا فَاطِرَ الخَلْقِ البَدِيْعِ وكَافِلاً ... رِزْقَ الجَمِيْعِ سَحَابُ جُوْدِكَ هَاطِلُ
عَظُمَتْ صِفَاتُكِ يَا عَظِيْمُ فَجَلَّ أَنْ ... يُحْصِي الثَّنَاءَ عَلَيْكَ فِيْهَا قَائِلُ
رَبٌّ يُرَبِيْ العَالَمِيْنَ بِبِرِّهِ ... وَنَوَالُهُ أبَدًا إِليْهمْ وَاصِلُ
يا مُوْجِدَ الأشْيَاءِ مَن ألَقْى إلَى ... أبْوَابِ غَيرِك فَهُو غِرٌ جَاهِلُ
ومَن اسْتَرَاحَ بِغَيرِ ذِكْرِكَ أَوْ رَجَا ... أحَدًا سِوَاكَ فَذَاكَ ظِل زَائِلُ
الخطبة الثانية:
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى ومن اهتدى بهديه وسار على منهجه إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
عباد الله:
يحتاج المسلم كل حين أن يتذكر نِعَم الله تعالى عليه، فهو أدوم لبقائها واستمرارها، ولو طالعنا سنة نبينا لوجدنا عظيمَ تعلقه بالله ونسبته لكل النّعم لمسديها جل شأنه وتقدست أسماؤه...
فإن أكَل أو شرب قال: ( الحمد لله الذي أطعمني هذا، وزرقنيه ،من غير حول مني ولا قوة ) أو قال: ( الحمدُ لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيهِ، غيْرَ مَكْفيٍّ ولا مُوَدَّع، ولا مُستَغنَى عَنْهُ ربّنا )
وإن لبس ثوباً قال: ( الحَمْدُ لله الذِي كَساني هذا الثوب ورَزَقَنِيه مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنّي ولا قُوةٍ )
وإن لبس ثوبًا جديداً قال: ( اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ كَسَوتَنِيه،أسْألك مِنْ خَيرِهِ وخَيْر ما صُنع لَهُ،وأعُوذُ بِكَ مِنْ شرِّه وشَرّ ما صُنِعَ لَهُ )
وإن أوى إلى فراشه قال: ( الحَمْدُ لِلَّهِ الذي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ له وَلَا مُؤْوِيَ)
وإن قام من نومه قال: ( الحَمْدُ لله الذِي أحْيَانا بَعْدَ مَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النَشُور )
وربما قال: ( الحَمْدُ لله الذِي عَافَانِي في جَسَدِي ورَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وأَذِنَ لي بِذِكْرهِ )
وإن رأى مبتلى قال: ( الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً )
وهكذا عباد الله كان هذا حاله مع شكره وثنائه لله تعالى، ولو سردنا تفاصيل حياته لرأيناه دائم التعلق بالله تعالى شاكراً ذاكراً أوّاها منيباً لا صحةً تطغيه ولا غنى يُنْسيه، إن استجدَّت عليه نعمة حمد الله أو سجد لله تعالى شكراً، أو صلَّى لله ما شاء الله أن يصلي، وبهذا يا عباد الله تدوم النعم وتُحفظ من الزوال...
اللهم إنا نعوذ بك بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجمع سخطك
اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا ورغد عيشنا، اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أطعم جائعهم واسق ضامئهم وآوي شريدهم اللهم اكفهم ما أهمهم وأنت أرحم الراحمين
المرفقات
1768585366_الحمد لله الذي كفانا وآوانا.docx