الخشوع في الصلاة

الخطبة الأولى:

الحمد لله المتفرد بالعظمة والجلال، المتفضل على خلقه بجزيل النوال، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المنقذ بإذن ربه من الضلال، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآلٍ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل.

 

وبعد: عَبْد الله: تأمل في قول الله جل في علاه وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ؛ إقامة الصلاة تختلف اختلافاً كبيرا عن أداء الصلاة أو فعل الصلاة، أكثر المسلمين اليوم يؤدي الصلاة لا يقيمها إقامة يرتضيها الله، الإقامة التي بمعنى خشوع القلب واعتدال كل عضو في كل حركة من الصلاة..

 

دخل رجل المسجد فصلى ركعتين ثم سلّم على رسول الله   فقال له المصطفى ( ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ ) فقام فصلى ثم سلم فرد عليه السلام ثم قال ( ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ ) ثم قام الثالثة فقال له رسول الله نفس مقالته، فقال الرجل ( والذي بعثك بالحق لا أحسن غيرها فعلمني )؛ فقال له عليه الصلاة والسلام: ( إذا قمتَ إلى الصلاة فكبّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئنّ راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ) رواه البخاري

 

هذه هي الصلاة الخاشعة، الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، الصلاة التي قال الله عن أهلها:   قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ   الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وفي آخر الأوصاف وعدهم بأجمل وعد فقال: الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون.

 

الطمأنينة: هي أن يسكن الإنسان في كل ركن من أركان الصلاة حتى يرجع كل عضو إلى موضعه فمن لم يطمئن في صلاته فلا صلاة له ولو صلى ألف مرة، لأن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة لا تتم الصلاة إلا بها، وقد وصف النبي   المتعجل في صلاته بأنه أسوأ الناس سرقة فقال: ( إِنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَسْرِقُهَا؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا ) .

 

 

 

 

صلاتك عبد الله إذا زينتها بالخشوع نهتك عن الفحشاء والمنكر، فيستنير قلبك ويتطهر فؤادك ويزداد إيمانك، لأنها ستكون أُنسك وسلوتك، غاية مرادك ومناك، ولك في حبيبك أسوة حين يكرر على مسمع بلال دائما: ( أرحنا بها )  ويقول أيضًا: (جُعِلت قُرّة عيني في الصلاة )  قُرّة عينه ونعيم روحه وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها، فصلى الله وسلم على من كان أكمل الناس خشوعاً، لا دونه ولا فوقه، كان إذا قام إلى صلاته طأطأ رأسه تواضعاً لله، ولم يلتفت ولم يتكلم، بل كان يُسمع له في صلاته أزير كأزيز المرجل من البكاء .

 

عباد الله: كم نذنب وكم نقصر والصلاة الخاشعة كفارة وأعظم كفارة، نور يتطهّر به المسلم من هفوات نفسه، قال الصادق المصدوق في حديث فضائل الوضوء في صحيح مسلم قال : ( فإن قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه وَمَجَّدَهُ بالذي هو له أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قلبه لله إلا انصرف من خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يوم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) هذا الجزاء العظيم في هذا الحديث الصحيح ليس إلا لمن أقام صلاته كما أقامها القائل ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) عليه الصلاة والسلام، أمَّا من ينقرها نقر الغراب فإنها تُلَفُّ على وجهه كالثوب الخلِق وتقول ضيعك الله كما ضيعتني....

 

اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يستجاب له ...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي نور قلوبنا بالإيمان، وأعزنا بالإسلام، وجعلنا من أمة خير الأنام عليه الصلاة والسلام...

أما بعد: عباد الله وهذه أمور أذكرها على مسامكم الكريمة لعلَّها أن تعيننا على الخشوع في صلاتنا: أولها:

أن يخرج المصلي إلى المسجد مبكرًا بسكينة ووقار، قد لبس أجمل ثيابه وطهَّر بدنه وفَرَّغَ قلبه من الشواغل، طيب الرائحة، تاركاً كل رائحة خبيثة في فمه من ثوم أو بصل أو نحوهما، أو في جسده، مستعداً استعدادا يليق بجلالة من سيقف بين يديه، لا تراه بلباس يخجله أن يلبسه في مجالس المناسبات، بل قد تكلّف في الزينة واستجاب لقول ربه: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد

 

ومن أسباب الخشوع أن يكثر المسلم من ذكر الله والدعاء وقراءة القرآن وهو ينتظر الصلاة، ويتجنب العبث بجواله أو تشبيك أصابعه أو الالتفاف يمنة ويسرة في الداخلين والخارجين؛ فقد ورد النهي عنه في حق منتظر الصلاة، قال  : ( إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبّكن بين أصابعك؛ فإنك في صلاة) ثم يصفُّ المصلي في صلاته كما تصفُّ الملائكة يصِلُ الصفوف الصف الأول فالأول ولا يترك فرجة، وفي الحديث ( سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة )

 

ثم يستاك ويبالغ في السواك... ثم يأخذ بوصية الرسول    الخالدة: (صَلِّ صلاة مَوَدِّع )

 

يقبل المؤمن على ربه إقبال الخاشع الخاضع فلا يسابق الإمام ولا يوافقه ولا يتأخر عنه بل تراه يتابعه متابعة ... وقد قال  : (لا تركَعُوا حتى يركعَ ، ولا تسجدُوا حتى يسجدَ  )  وقال ( أما يخشى الذي يرفعُ رأسَه قبلَ الإِمامِ أن يُـحَـوِّلَ اللهُ رأسَـه رأسَ حِمـارٍ، أو يجعلَ صورتَه صورةَ حِـمـارٍ ) وهذا وعيدٌ، والوعيدُ مِن علاماتِ كون الذَّنْبِ مِن كبائرِ الذُّنوبِ .

 

ومن أسباب الخشوع: أن ينوع الإنسان في أذكاره في أدعية الاستفتاح وقراءة السور وأذكار الركوع وكذا السجود، يكثر في صلاته من تعظيم ربه ودعائه فإنها مواضع مباركة عظيمة تستجاب فيه الدعوات وتغفر فيه الزلات..

اللهم أعنَّا على ذكرك .....

 

المرفقات

1768585590_الخشوع في الصلاة.docx

المشاهدات 53 | التعليقات 0