الخلق الحسن مع الخصوم
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله الحليم العظيم، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ربُّ العرش العظيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث بكلِّ خلق كريم، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... وبعد:
عباد الله: اتقوا الله واعتصموا بحبله وتزينوا بكل خلق حسن جميل فإن أقرب الناس منازلاً يوم القيامة من الله ومن رسول الله أحسن الناس أخلاقاً ... وأحبُّ الخلق إلى الله تعالى أحاسنهم أخلاقاً ...
ألا وإن من حُسن الخلق العفو عمَّن أساء إليك وظلمك، العفو عمَّن أساء إليك وظلمك، ابتغاء للأجر من ربك، واقتداءً بسنة حبيبك، وعزاً تعزُّ به نفسك، وراحة وطمأنينة تجدها في قلبك...
بسلامَة الصَّدر الحياةُ تطيبُ وتفيضُ بالحبِّ الكبيرِ قلوبُ
في القلبِ ميزانُ العبادِ فإنْ صفَ فالعيشُ صافٍ ، و البعيدُ قريبُ
وإذا تخثَّر بالضَّغائنِ والهوى فالقلبُ " كوزٌ " فارغٌ مقلوبُ
يقول ربنا جل جلاله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )
وما دام المؤمنون إخوة فإن الأخ يحِنُّ ويرحم ويصبر على أخيه، إن أحسن قوبل بالفضل والإحسان، وإن ظلم أو جفا فظلمه وجفاؤه على نفسه، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ألا يكفيك إن عفوت لله أن يكون أجرك على الله، واسمع عبد الله إلى قول الله:
) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّه )
أَجْرُهُ عَلَى اللّه، الله الذي يثيبه، والله الذي يكافؤه، والله الذي يجازيه بعفوه، فما ظنكم برب العالمين...
أيها الأحبة: تأملوا معي حال خصم لدود من خصوم الحبيب اسمه عبدالله بن أبي بن سلول منافق بل رأس النفاق، كان يُظهر الإسلام ويُكِنُّ العداوة والبغض لله ولرسوله، تأملوا معي كيف كان يتعامل بكل خبث ودناءة وشراسة، وكيف تعامل معه الحبيب ..
لما هاجر المصطفى إلى المدينة آمن به من آمن، وصدَّ عنه من صد، فقيل لرسول الله يوماً لو كلمت عبد الله بن أبي لعله أن يسلم، فذهب إليه رسول الله على حمار له، فلما أقبل عليه وكان ابن أبيّ جالساً ومعه أصحابه قال: إلَيْكَ عَنِّي، لا تغشنا في مجالسنا فَوَاللَّهِ، لقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ،: فرد عليه عبدالله بن رواحة فقال : وَاللَّهِ، لَحِمَارُ رَسولِ اللهِ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ... فتصارعا بالجريد والأيدي حتى هدَّأ بينهم رسول الله وانصرف... وسكت عنه المصطفى ..
ثم أظهر إسلامه وأبطن كفره بعد غزوة بدر لما نصَر الله المؤمنين، وصار مع رسول الله في مجالسه، حتى إذا كانت غزوة أحد ورسول الله معه ألف مقاتل، وقريش بثلاثة آلاف مقاتل، أراد الخبيث أن يُوهن صَفّ المسلمين فرجع إلى المدينة ومعه ثلاثمائة من أصحابه... وهو يقول: ( علام نقتل أنفسنا ) وسكت عنه المصطفى ..
وموقف ثالث بينما رسول الله وأصحابه في غزاة إذ نشب خلاف بين مهاجري وأنصاري فتصارع الحيَّان كلٌ يقول يا للمهاجرين والآخر يقول يا للأنصار فسمع رسول الله أمرهم فصاح فيهم قائلاً ( ما بال دعوى الجاهلية دعوها فإنها منتنة ) فانكفأ المنافقون إلى عبدالله بن أبي وقال لهم: أوقد فعلوها نافرونا وكاثرونا في بلادنا صدَق من قال: سِّمن كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل.. َفَنُقلت المقالةُ إلى المصطفى فسكت عنه وقال: ( نترفق به ونحسن صحبته ما بقي فينا )...
وفي قصةٍ وحادثةٍ هي الأفجع وهي الأنكى وملخصها: لمـَّا عاد رسول الله من غزوة بني المصطلق وكانت عائشة رضي الله عنها معه في هودج يقودها أحد الرجال وقد استراح الجيش، ففقدت عقدًا لها فذهبت تطلبه، وسار الجيش فلما عادت إلى هودجها لم تجد رسول الله وصحبه، فجلست مكانها علَّهم إن فقدوها أن يعودوا، وبينما هي كذلك إذ نامت فما قامت إلا على استرجاع الصحابي الجليل صفوان ن معطل رضي الله عنه، وكان رسول الله يجعله دائما خلف الجيش، قالت عائشة: والله ما كلمني بكلمة ولا سمعت منه قولاً إلا استرجاعه.. فأناخ بعيره وانحرف عني حتى ركبت.
فلما أشرفا على الجيش رآهما المنافقون، فقام عبد الله بن أبي فقال للناس قولته الخبيثة امرأة نبيكم مع رجل غيره، والله ما سلمتْ منه ولا سلم منها! عياذا بالله منه ومن مقالته، وأمر أصحابه المنافقون بأن يشيع هذا الخبر في أرجاء المدينة، فأخذ الناس يلوكون هذه الفرية شهراً كاملاً ورسول الله صابر ينتظر الوحي، حتى إذا أبطأ عليه الوحي صعد المنبر وكلُّه حزن وأسى ثم قال:
" يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا يعني صفوان، وما كان يدخل على أهلي إلا معي " فقام الأوس والخزرج يقولون نحن نمنعك يا رسول الله حتى أنزل الله براءة الطاهرة الصديقة عائشة بنت أبي بكر في عشر آيات من سورة النور مبتدؤها سبٌ لذاك المنافق ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ )
شهر كامل ورسول الله يسمع عن أهله الشر ويعلم من بث هذه الشائعة وهو صابر محتسب.. ومع هذا كله ومع افتراءاتٍ يطول ذكرها اسمعوا ما صنع رسول الله معه حين مات لتعلموا أيَّ قلب سليم وخلق كريم يجب أن نتخلق به مع الناس وحتى مع خصومنا أسوة بنبينا عليه الصلاة والسلام.
لما مات رأس النفاق جاء ابنه إلى رسول الله فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، لعلَّ الله أن يغفر له فأعطاه رسول الله قميصه، وقال آذِنّي إن فرغتم من غسله، فقام رسول الله - - ليصلي عليه ، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله - - فقال : يـا رسول الله ، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ! فقال رسول الله - - : ( إنما خيَّرني الله فقال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) وسأزيده على السبعين ) . قال عمر : إنه منافق ! فقال : ( أخر عني يا عمر ) فصلى عليه رسول الله.
ولم يكتف عليه الصلاة والسلام بإعطائه القميص والصلاة عليه وهو ألدُّ خصومه بل شيّعه إلى المقبرة، فلما وصل وجدهم قد وضعوه في لحده، فأمر بإخراجه من حفرته ثم وضعه على ركبتيه وتفل في فيه وتفل في جلده، ودلاَّه في قبره، ودعا له بخير..
ثم أنزل الله بعدها قوله سبحانه:
( وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ )
صلى عليك الله يا علم الهدى ما حن مشتاق وسار دليل
هذا رسول الله نبراس الهدى هذا لكلّ العالمين رسول
هو صاحبُ الخلق ِالرفيع ِعلى المدى هو قائدٌ للمسلمينَ همـــــــامُ
هو سيدُ الأخلاق ِدون منافـــــــــس ٍ هو ملهمٌ هو قائدٌ مقــــــدامُ
اللهم صل وسلم عليه اللهم أتبعنا سنته، وارزقنا الاهتداء بهديه
أستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله العَفُوِّ الغَفُورِ، نَحمدُهُ حَمْدَ القَانِعِ الشَّكُورِ, وصلى الله وسلم وبارك على كَامِلُ الأخلاقِ والنُّورِ, أدَّبَهُ رَبُّهُ وزَكَّاهُ وَجَعَلَ القُرانَ خُلُقَهُ وهُداهُ, فصلى الله عليه وعلى آله ومن اجتباه .. وبعد:
عباد الله :
هذا حسن خلقه مع أحد خصومه، عفا وصفح، وصبر واحتسب فكانت العاقبة له، والخزي لعدوه،
لم يؤثر عنه أنه انتقم لنفسه قط، تقول عائشة خلقه - -: " كان خلقه القرآن لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخَّابا بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح"
هذا هو قدوتنا وأسوتنا وهذا ما يجب أن نكون عليه نحن، نعفو ونصفح ونحسن الظن بعباد الله ابتغاء مرضاة الله، ووالله ثم والله إن أهنأ الناس عيشاً وأسعدهم صحة وعافية هم الذين قد نُزعت من قلوبهم كل ضغينة المسالمون المتصافون الذين لا يحملون في قلوبهم إلا صفاء النفوس وسلامتها من غلها وحقدها وحسدها...
هذا هو المسلمٌ الحق قد سلم الناس من لسانه ويده وغلِّه، عضو مبارك في المجتمع
مبارك في بيته مع زوجته وولده وأقاربه وجيرانه مع عماله وخدمه حتى مع أعدائه وخصومه، مبارك متصافٍ حتى مع بيئته وكل منزل ينزله.. حتى في الحروب التي أُمرنا أن نثخن فيها أعداءنا كان التوازن مضرب المثل..
واسمعوا ختاماً لوصية أبى بكر الصديق لجنود الإسلام قبل فتح بلاد الشام لتروا أخلاق أمة الإسلام حتى مع الأعداء بعد الانتصار:
قال رضي الله عنه:
( يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بوصايا فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تقتلوا أسيرا، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له)
هذا هو ديننا منهج عظيم وخلق كريم، هنيئا لمن تخلق بأخلاقه، وسما بإسلامه، وثبت عليه حتى يلقى ربه..
اللهم فاحفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين وراقدين ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين...
اللهم وطهر قلوبنا من الغل والضغينة والحسد والحقد، ربنا لا تجعل في قلوبنا ....
المرفقات
1768585787_الخلق الحسن مع الخصوم.docx