السجودُ تلذُّذ وتذلُّل
راشد بن عبد الرحمن البداح
السجودُ تَذَلُّلٌ وتَلَذُّذٌ (راشد البداح – الزلفي) 27 رجب 1447
الحمدُ للهِ اللطيفِ المنانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الملكُ الديانُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ إلَى الإنسِ والجانِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَقْرُونًا بِالرِّضْوَانِ. أَمَّا بَعْدُ: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ].
أيُّها المسلمُ: سلْ نفسَكَ: ما أعلَى طُموحاتيْ وما أغلَى أمنياتيْ؟وقارِنْ أمنياتِكَ بأمنيةِ شابٍ من الأصحابِ، هِمتُهُ كانتْ فوقَالسحابِ. إنه ربيعةُ الأسلميُّ -رضيَ اللهُ عنهُ- الذي كانَ يأتيْ النبيَّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيُقرِّبُ لهُ وَضوءَهُ وحاجتَهُ، فأرادَ نبيُّنا أنْيكافئَهُ يوماً، فقالَ لهُ: سَلْنِيْ يَا رَبِيْعَةُ، فسكتَ ربيعةُ قليلاً، ثم قالَ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. اللهُ أكبرُ! (إذا أردتَ أنْ تعرفَ مراتبَالهِممِ فانظرْ إلى همةِ ربيعةَ: أسألُكَ مرافقتَكَ في الجنةِ، وكانَ غيرُهُيسألُهُ ما يَملأُ بطنَهُ)() فلما رأَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إصرارَهُ قالَلهُ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» رواهُ مسلمٌ().
نعم؛ إنه السجودُ يزيدُ في الاقترابِ من ربِ الأربابِ؛ لأنهُ: (سرُّالصلاةِ، وركنُها الأعظمُ، وما قبلَهُ من الأركانِ كالمقدماتِ له. ولهذا أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربهِ وهو ساجدٌ. (فينبغيْ لنا أن تسجدَ قلوبُنا قبلَ أن تسجدَ جوارحُنا؛ بأن نشعرَ بالذُّلِّ، حتى ندرِكَ لذَّةَ السُّجودِوحلاوتَهُ)().
وتأملْ أسرارًا جعلَها اللهُ سبحانَهُ في السجودِ، حيثُ خلقَ العبدَ من الترابِ، فكان جديرًا بأنْ يلتصِقَ بأصلِهِ الذي خُلِقَ منه، وأن يضعَأشرفَ شيءٍ منه وأعلاهُ -وهو الوجهُ- أسفلَهُ؛ خضوعًا بين يدَي ربهِالأعلى.
والصلاةُ حينَما يستشعِرُ الإنسانُ لذتَها، فإنه حينئذٍ سيطوِّلُها بغيرِ شعورٍ قيامَها وسجودَها، ولذلك وصفَتْ عائشةُ -رضيَ اللهُ عنها-قيامَ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فقالتْ: فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ.
وقد أدركَ السلفُ لذةَ السجودِ، فاقتدَوا برسولِهِم، فاستبقُوا الخيراتِ؛ لطلبِ مرافقتِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في جناتِ الخلدِ، فقد كانَ الواحدُ منهم يصلي في اليومِ والليلةِ عشراتِ الركعاتِ لا يَمَلُّ، أو يَسجدونَ طويلاً، وهذا سفيانُ الثوريُ صلَّى في الحرمِ بعدَ المغربِ، ثم سجدَ سجدةً، فلم يرفَعْ حتى نودِيَ لصلاةِ العشاءِ.
ولأجلِ السجودِ فإن غداً سيُخرِجُ اللهُ: قَوْمًا مِنَ النَّارِ، يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ(). والذينَ أبَوُاالسجودَ فسَيَرَوْنَ من العذابِ ألوانًا، وسيَلْقَوْن ذلةً وهوانًا: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ*خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} فهؤلاءِ هم أتباعُ إبليسَ المطرودِ الذي قالَ له ربُّنا: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ}.
ولذا صارَ منْ أغيظِ المناظرِ على إبليسَ أن يَرَى ابنَ آدمَ يسجدُ، كما قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي (). فإذا أغراكَ أو أغواكَ عدوُّ اللهِ فقُلْ: كلا {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}.
الحمدُ للهِ الذي هَدَانا لنعمةِ الإسلامِ وكفَى بها نعمةً، وصلى اللهُ وسلمَ على من جاءَ بالقرآنِ والحكمةِ، أما بعدُ:
فالسجودُ تذَلُّلٌ وتلذُّذٌ، ويكفي الساجدَ فخراً وأجراً أمرانِ:
1. أن اللهَ -عزَّ وجلَّ- يحبُّ الساجدِينَ، ويرفعُهم: قالَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً().
2. أن اللهَ قريبٌ من الساجدينَ، يُجيبُ دعواتِهِم ويسمعُ مناجاتِهم:قالَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ().
فإنْ قالَ قائلٌ: ماذا كانَ يقولُ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في السجودِ؟
فالجوابُ: ورَدَ في ذلكَ أذكارٌ وأدعيةٌ عديدةٌ، فمنها أربعةٌ:
1. «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»().
2. «سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ»().
3. «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ»().
4. «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»().
إذا فلنُطِلِ السجودِ، ولنكثرْ من السجَداتِ سائرَ الساعاتِ، لا سيَّما في جوفِ الليلِ.
• فاللهم لكَ سجدْنا، فلا تخيِّبْنا ونحنُ نرجوكَ، ولا تعذِّبْنا ونحنُ ندعُوكَ.
• اللهم إنا نعوذُ بكَ من الفقرِ إلا إليكَ، ومن الذلِّ إلا لكَ.
• اللهم إنا نعوذُ بك مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ.
• اللهم واجعلْ بلادَنا وبلادَ المسلمينَ آمِنةً مطمئِنةً، هادِيةً مهتدِيةًبتوحيدِكَ، مُحَكِّمةً لشرعِكَ.
• اللهم احفظْ خادمَ الحرمينِ الشريفينِ ووليَّ عهدِهِ، وافرُجْ لهم في المضائقِ، واكشِفْ لهم وجوهَ الحقائقِ، واصرفْ عنهم بطانةَ السوءِ، وقالَةَ السوءِ، ونَقَلَةَ السوءِ، وأهلَ الغِشِّ والخَديعةِ، والذِمَمِ الوَضيعةِ.
• اللهم صلِّ وسلِّمْ على رسولِكَ القائلِ: أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَإِنَّ صَلَاةَ أُمَّتِي تُعْرَضُ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً كَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً.حسنهُ المُنذِريُّ وابنُ حَجَرٍ والعَجْلونيُّ والألبانيُّ.
• فاللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
المرفقات
1768465680_السجود تذلل وتلذذ.docx
1768465680_السجود تذلل وتلذذ.pdf