الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
أ.د عبدالله الطيار
إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عليْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ إلى يوم الدين أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) الطلاق: [4].
أيُّهَا المؤمنونَ: معَ دُخُولِ فصلِ الشِّتَاءِ، واشْتِدَادِ الصَّقِيعِ والْبَرْدِ، واحْتِدَامِ الصَّرْدِ، تَتَجَلَّى مَظَاهرُ السَّمَاحةِ والْيُسْرِ في الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، في إِبَاحَةِ المسْحِ على الْخُفَّيْنِ؛ لمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلى لُبْسِهِمَا، والمشقَّةِ اللاحِقَةِ في نَزْعِهِمَا، فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَرُخْصَةً وَرَحْمَةً.
والمسْحُ على الْخُفَّيْنِ ثَابِتٌ بِالسنةِ؛ يقولُ المغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ: (كُنْتُ مع النبيِّ ﷺ في سَفَرٍ فأهْوَيْتُ لأنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقالَ: دَعْهُما فإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عليهما) أخرجه البخاري (206).
أيُّهَا المؤمِنُونَ: والمسحُ على مَا يُلْبَسُ مِنَ الخُفَّيْنِ والكَنَادِرِ والْجَوَارِبِ والشرابِ أَفْضَل مِن خَلْعِهَا؛ لأنَّهُ هَدْيُ رسولِ اللهِ ﷺ ويَكُونُ المسْحُ بوضْعِ أَصَابِعِ الْيَدِ مَبْلُولَةً بِالمَاءِ على أَصَابِعِ الْقَدَمِ ثُمَّ يُمرُّهُمَا إلى سَاقِهِ يَمْسَحُ خُفَّ الرِّجْلِ اليُمْنَى ثم خفَّ الرِّجْلِ الْيُسْرَى، ويُفرِّجُ أصَابِعَهُ إذا مَسَحَ، وَلا يُكَرِّرُ المسْحَ، وله أنْ يمسحَ الخفينِ معًا في وقتٍ واحدٍ.
عِبَادَ اللهِ: وَيُشْترَطُ للمسحِ على الخفينِ لبسهمَا عَلَى طَهَارَةٍ، وَأَنْ يَكُونَا طَاهِرَيْنِ، سَاتِرَيْنِ لِلْمَفْرُوضِ، وَأَنْ يَكُونَ المَسْحُ مِنَ الْحَدَثِ الأَصْغَرِ فَقَط، وَأَنْ يَقَعَ المسْحُ فِي المُدَّةِ المُحَدَّدَةِ وَهِيَ يومٌ وليلةٌ لِلْمُقِيمِ، وَثَلاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا لِلْمُسَافِرِ تَبْدَأُ مِنْ وقتِ المسحِ، لا مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ.
عِبَادَ اللهِ: وَكُلُّ مَا يَنقُضُ الوضوءَ يَنْقُضُ المسحَ، وكذا مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنْ جَنَابَةٍ أو حيضٍ أو نفاسٍ، وكذا نزعُ الخفَّيْنِ أو أحدِهِمَا وانتهاءُ مدةِ المسحِ في أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاء
أيُّهَا المؤمنُونَ: ومِنَ الأَحْكَامِ وَالمَسَائِلِ الَّتِي يَكْثُرُ السُّؤالُ عنْهَا مَا يَلِي:
أَوَّلًا: لا تُشْترَط نيَّةُ المسحِ عند اللُّبسِ، فلو لَبِسَ الخفينِ للدفْءِ، أو للزِّينَةِ، ثمَّ أرادَ المسحَ فلهُ ذلكَ. ثانيًا: مَنْ مَسَحَ بَعْدَ انْتِهَاءِ مدَّةِ المسحِ، وصَلَّى صَلاةً أوْ أَكْثَر، لَزِمَهُ إِعَادَةُ الوُضُوءِ، وَكَذَا إِعَادَةُ تِلْكَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي صَلاهَا بَعْدَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ المسْحِ.
ثَالِثًا: مَنْ مسحَ في بلدهِ مقيمًا ثمَّ سافَرَ، أَتَمّ مَسْحَ مُقِيمٍ يَوْمًا وليلةً، ومَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ عَادَ لِبَلَدِهِ، أَتَمَّ مسحَ مُقِيمٍ، فإنْ أكملَ يومًا وليلةً وجبَ عليه خَلْعُهُمَا.
رَابِعًا: مَنْ مَسَحَ على الْكَنَادِرِ التي تُغَطِّي الكعبينِ، فلا يخلعُ الكنادِرَ، بل يستمرُّ في المسْحِ عَلَيْهَا وَمَتَى خَلَعَهَا، فَلَيْسَ لَهُ المسْحُ عَلَى الشّرّابِ؛ لأنَّ الحكمَ هنَا تعلَّقَ بالكنَادِرِ
خَامسًا: الخفافُ الَّتِي لا تُغَطِّي الكعبينِ لا يُمْسَحُ عليها، وَهَذَا يَتَسَاهَلُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.
قال الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) النساء: [28] بَارَكَ اللهُ لَي ولكم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ ربِّ الْعَالمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلِيُّ الصَّالحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خاتمُ المرْسَلِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: واعلمُوا أنَّ مِنْ مسائِلِ المسحِ على الخُفَّيْنِ مَا يَلِي: سَادِسًا: يَجُوزُ المسحُ على الْجَبِيرَةِ، وَهِيَ ما يُشَدُّ على الْعَظْمِ أو الْجُرْحِ مِنْ جِبْسٍ أو لِفَافَةٍ أو غَيرها، وَمَنْ كانَ بهِ جُرْحٌ في محلِّ الوضوءِ، فإنْ كانَ مكشوفًا يضُرُّهُ الماء، جَازَ لهُ المسحُ عليهِ، فإنْ تضَرَّرَ بالمسحِ فَلَهُ التَّيَمُّمُ، أمَّا إنْ كانَ الجُرْحُ مستورًا بجبيرةٍ أوْ نحوهَا مَسَحَ عليهَا من جميعِ جِهَاتِهَا. سابعًا: يجوزُ المسحُ على القُبْعِ الذي يُلْبَسُ فوق الرَّأْسِ ويشقُّ نزعُهُ، كما يجوزُ للنِّسَاءِ المسحُ على الخُمُرِ التي تُغَطِّي رُؤُوسَهُنَّ إذا كانتْ محنكةً يشقُّ نزعُهَا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلامَ والمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ، وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ. اللَّهُمَّ أمِّنا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحَ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللهم وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا لهداك، واجعلْ عَمَلَهُ فِي رِضَاكَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَاجْعَلْهُ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كَانَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ الأَمْنِ، والمُرَابِطِينَ عَلَى الثُّغُورِ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ هذَا الْجَمْعَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمؤْمِنَاتِ، وَأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَاسْتُر عُيُوبَنَا وَاقْضِ دُيُونَنَا، واشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَعَافِنَا وَاعْفُ عَنَّا، وَأَكْرِمْنَا وَلا تَحْرِمْنَا، وَارْزُقْنَا لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّة، وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّة، اللهم اجْعَلْ آخِرَ كَلامِنَا مِنَ الدُّنْيَا لا إِلَه إِلا اللهُ، مُطْمَئِنَّةً بِهَا قُلُوبُنَا. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّم عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
الجمعة 6 /7 /1447هـ