تيسيرُ الزواج؛ حِفظٌ للدين والمجتمع.
أسامة بن سعود عبد الله التميمي
1447/08/03 - 2026/01/22 18:42PM
تيسيرُ الزواج؛ حِفظٌ للدين والمجتمع.
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحمدُ للهِ الَّذي جَعَلَ الزَّواجَ سَكَنًا وجَعَلَهُ مَوَدَّةً… لا مُنَافَسَةً،
وجَعَلَهُ رَحْمَةً… لا مُغَالَبَةً.
نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ المُقَصِّرِينَ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ تَوْبَةَ المُنِيبِينَ.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه، صلّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعدُ: فأوصيكم—عبادَ الله—ونفسي بتقوى الله؛ فالتقوى حِصنٌ إذا اضطربتِ الشهوات، ونورٌ إذا تكاثفتِ الفِتن.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنها زَوجَها وَبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَساءَلونَ بِهِ وَالأَرحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيكُم رَقيبًا﴾ [النساء: ١]
أيها المسلمون…
ليست مشكلتُنا اليوم أنَّ الشبابَ لا يريدون العفاف…
بل مشكلتُنا أنَّ العفافَ صارَ مكلفًا،
وأنَّ الحلالَ صارَ متعسِّرًا،
وأنَّ الطريقَ إلى الزواجِ صارَ طويلاً… مُتعبًا… مُؤلمًا.
شَابٌّ يقول: “أريدُ الحلال”…
فتأتيه الشروطُ كأنها جدارٌ بعد جدار.
ويقول: “أريدُ بيتًا”…
فتطارده التكاليف قبل أن يطرق بابًا.
ويقول: “أريدُ سترًا”…
فيُؤخَّرُ حتى يَذبلَ الفرحُ في قلبه.
وفَتاةٌ صالحةٌ… تستحي من ربها…
وتخاف على عمرها…
وتُحسن الظنّ بالله…
ثم تُعلَّق أعوامًا لأنَّ “الوليَّ ينتظرُ الأكمل”…
وكأنَّ الزواجَ لا يقومُ على الدِّين والخُلُق… بل على “قائمة شروطٍ لا تنتهي”!
أيها المؤمنون…
إنَّ الزَّواجَ ليس عادةً اجتماعيةً فحسب؛
إنَّه سُنَّةُ الأنبياءِ،
وطريقُ العِفَّةِ،
وعمودُ الاستقرارِ،
وحِصنُ الدِّينِ والأخلاق.
قال اللهُ تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
سكَن… لا صخب.
مَوَدّة… لا مَساوَمة.
رحمة… لا محاسَبة.
وقال النبيُّ ﷺ:
«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ».
أيها المسلمون…
ثمّةُ حقيقةٌ لا بد أن تُقال:
إذا صَعُبَ الحلال… تجرّأ الحرام.
وإذا تأخر الزواج… تمددت الفِتَن.
وإذا ضُيّق على العفاف… تسللت الشهوات من ألف باب.
وهنا يبدأُ النداءُ الصادقُ…
إلى الآباء… إلى الأمهات… إلى الأولياء:
اتقوا اللهَ فيمن تحت أيديكم.
لا تُحوّلوا الزواجَ إلى “مهرٍ يقتلُ البركة”.
ولا تجعلوا الفرحَ “حفلاً يبتلعُ الرزق”.
ولا تجعلوا السكينةَ “مشروعَ مظاهر”.
إنَّ المُغالاةَ تُنتجُ دَينًا،
والدَّينُ يَأكلُ الرضا،
والرضا إذا مات… ماتَت المودّةُ بعده!
ألا فاسمعوا قول الله:
﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾.
وقوله جلّ وعلا: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.
فأيُّ بركةٍ تُرجى… مع إسرافٍ وتبذير؟
ثم اسمعوا—عباد الله—توجيهَ النبيِّ ﷺ،
توجيهَ الرحمة، لا الزجر،
وتوجيهَ التيسير، لا التعقيد،
حين قال مُقرِّرًا سُنَّةَ البركة:
«أعظمُ النكاحِ بركةً أيسرُه مؤنةً».
أيها المؤمنون…
ومن آفاتِ هذا الباب:
العضل… والتشددُ الذي يقطعُ الأرزاق.
قال اللهُ تعالى صريحًا:
﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
لا تَحبِسُوهنّ… لا تُعلِّقوهنّ… لا تَمنعوهنّ من الكُفء.
ثم جاء الحديثُ الفاصلُ الذي يضع المعيارَ حيث وضعه الشرع:
«إذا أتاكم من ترضون دينَه وخُلُقَه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض».
فتنة… وفساد… عريض!
ليس كلامًا خفيفًا.
إنه إنذارٌ يقرع باب المجتمع. حتى لا يضيّع أبوابَ العفاف ثم يستغرب جراحَ الأخلاق!
أيها المسلمون…!
وإنَّ من البلاء: دعواتٍ منحرفةً تُسوِّق “العزوف عن الزواج”؛
وتشجع على تأخير الزواج… وهو في الواقع هروب.
وتسمّيه وعيًا… وهو تغرير.
وتجعل الأسرة “فكرة قديمة”… وهي في الحقيقة صمامُ الأمان.
تستغلُّ وسائل التواصل… لتشويه صورة الزواج… وبثّ محتوى مضلّل… يَنفّر الشباب ويُفسد الفطرة.
فاحذروا…
لا تجعلوهم يحرمونكم الاستقرار..
أن ظاهرة العزوف عن الزواج..
هي حربٌ على الفطرة… وهدمٌ للقيم… ومصادمةٌ لمقاصد الشريعة.
أيها المؤمنون…!
يأتينا من يقول: “الطلاق كثير… إذن الزواج خطر”!
لا… بل الخطرُ في الجهل.
الخطرُ في سوء الاختيار.
الخطرُ في سوء العِشرة.
الخطرُ في تحويل الزواج إلى “تحدٍّ بين نفسين” لا “ميثاقٍ ورحمة”.
نعم… الطلاق يؤلم.
لكن العلاج ليس هدمَ أصل الزواج…
بل إصلاحُ بيوتِنا بالتقوى،
وتربيةُ شبابِنا على المسؤولية،
وتعليمُهم أن البيوت لا تُبنى على الرغبات… بل تُبنى على الصبر والوفاء.
عباد الله…
الزواجُ في شريعتنا ليس ترفًا،
ولا خيارًا مؤجَّلًا،
بل بابٌ مباحٌ مشرَّع،
فتحَه اللهُ لعباده رحمةً وستراً،
وأذن فيه لتستقيمَ الفطرة،
وتُصانَ النفوس،
ويُغلَقَ بابُ الحرام.
فمَن طلب العفافَ بالحلال لم يُنقَص،
ومن بادر إلى الزواج لم يُعجِّل الندم،
بل سعى في طاعةٍ يُؤجَرُ عليها،
وسُنَّةٍ يُحيي بها قلبَه وبيته.
ليس المطلوبُ كمالَ الحال،
ولا تمامَ الأسباب،
فاللهُ هو المُغني،
وهو الذي وعد فقال:
﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
أيها الشاب…
إنَّ العُمُرَ يمضي ولا ينتظرُ المتردِّدين،
والقلبُ إن لم يُحصَّن بالحلالِ أُنهِكَ بالحرام.
تَعَفَّفْ… يعفَّك الله،
وغُضَّ بصرك… يفتحِ اللهُ لك بابًا لم يخطر ببالك،
واترك ما حرَّم اللهُ عليك… يُغنِك بالحلال،
فمن ترك شيئًا لله عوَّضه اللهُ خيرًا منه.
لا تُضَيِّق على نفسك،
ولا تُصَعِّب ما جعله اللهُ يسيرًا،
فالزواجُ ليس كمالًا يُنتَظَر… بل بدايةُ كمال.
لا تنشد المثاليات،
ولا تُقارِن بنتَ الناس بصُوَرِ الشاشات،
فما يُعرَض لك وهمٌ مُزَيَّن،
وما يُبنى في الواقع رحمةٌ وسكينة.
ابحث بصدق… وستجد من يفتح لك الباب،
وتقدَّم بتواضع… وستجد من يقدِّر القليل..
فكم من بيتٍ بدأ بسيطًا…
ثم أغناه الله بالرضا والبركة.
تزوَّج قبل أن تمضيَ السنون،
وقبل أن يَقسُو القلبُ بطول الانتظار،
وقبل أن تسرقك المقارنات،
فالسترُ اليومَ نعمة،
والتأخيرُ بلا عذر خسارة.
اللهم يَسِّر الحلال، واصرف عنا الحرام،
وأعفَّ شباب المسلمين، واحفظ بنات المسلمين،
وألِّف بين القلوب، وبارك في البيوت،
واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
أقولُ ما تسمعون، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله.
أيها المسلمون…
إذا أردنا علاجَ ظاهرةِ العزوف عن الزواج… فلنكن صريحين:
المشكلة ليست في “فكرة الزواج”…
المشكلة في “كيف نفهمه… وكيف نيسّره… وكيف نعين عليه”.
أولاً: يا شباب الإسلام…
لا تجعلوا الخوفَ شعارًا.
ولا تجعلوا المقارناتِ سُمًّا في قلوبكم.
ابدأ بما تقدر…
ولا تطلب الكمال قبل البداية.
استعن بالله، وأحسن النية، وخُذ بالأسباب، واستخر، واصدق.
فكم من بيتٍ بدأ بسيطًا… وباركه الله فصار جنةً في الدنيا.
وكم من بيتٍ بدأ مبهرًا… ثم ابتلعته الديون فصار همًّا وبكاء!
ثانياً: يا أولياء الأمور…
اتقوا الله في بناتكم وأبنائكم.
من يطرق بابكم بدينٍ وخُلق… فلا تُغلقوا الباب بحججٍ باردة.
ولا تُعلّقوا الفتاة حتى يذبل عمرها.
ولا تُرهقوا الشاب حتى يكره الحلال.
كونوا مفاتيح للخير… لا أقفالًا عليه.
ومن هدي الشريعة—عبادَ الله—
أن يتخيَّر الوليُّ لابنته مَن يراه كفؤًا في دينه وخُلُقه،
وأن يفتح بابَ الحلال،
فيعرض موليَّتَه على الصالحين من غير حرجٍ ولا تردّد،
طلبًا للعفاف، وحفظًا للأعراض،
وإحياءً لسُنَّةٍ كريمةٍ دلَّ عليها الكتاب، وجرت بها سيرة الصالحين.
قال والدُ المرأتين لموسى عليه السلام:
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾،
عرضٌ كريم، يرفع ولا ينقص ويقود إلى العفاف والتوفيق بإذن الله تعالى!
هكذا صنع عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه،
لما تأيَّمت حفصةُ،
لم ينتظر، ولم يغالِ،
بل عرضها على عثمانَ وأبي بكرٍ رضي الله عنهما،
طلبًا للصلاح لا للمباهاة،
حتى أكرمها الله بزواجها من رسول الله ﷺ.
فليس في عرض الوليِّ موليَّتَه نقيصة.
ولا في المبادرة غضاضة،
بل فيه إحياءٌ لسنةٍ جليلةٍ كادت تُنسى.
خفّفوا… ترحموا.
يسّروا… تُؤجروا.
ابحثوا عن البركة… لا عن المباهاة.
فالبيت الذي يُبنى على تقوى الله… لا تهزّه الأيام.
رابعاً: ونقول للجميع في مجتمعنا.
أعينوا الراغبين في الزواج.
بالشفاعة الحسنة.
بالنصيحة الصادقة.
بالدعم الكريم الذي يحفظ الكرامة.
وبالصدقات… والزكاة لمن كان من أهلها.
فإعفاف الشباب من أعظم القُربات، وأثره لا يقف عند فردٍ واحد؛ بل يَسري أمانًا في المجتمع كله.
أيها المؤمنون…
إنَّ تيسير الزواج ليس “موضوع خطبة” فحسب…
إنه مستقبل أمة.
فإذا استقام بابُ العفاف… استقامت الأخلاق.
وإذا عُمِّرَت البيوت… اطمأن المجتمع.
وإذا انتشرت السكينة… خفّت الفتن.
أيها المؤمنون…
وإذا ذُكِرَ العفافُ ذُكِرَ صاحبُه،
وإذا ذُكِرَ الزواجُ ذُكِرَ هَدْيُه،
وإذا ذُكِرَ البيتُ المسلمُ ذُكِرَ من بنى أطيبَ البيوت،
نبيُّنا محمدٌ ﷺ…
هو الذي عاش زوجًا قبل أن يكون نبيًّا، وأقام الأسرةَ على التقوى قبل المظاهر،
فصلُّوا وسلِّموا—عبادَ الله—على من علَّمنا كيف تكون البيوت سكينةً لا صراعًا،
ومودّةً لا مباهاةً،
ورحمةً لا مشقّةً.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد،
وعلى آله الطيبين، وصحبه الغرِّ الميامين.
اللهم يا حي يا قيوم… يسّر زواج شباب المسلمين.
اللهم من كان أيِّمًا فزوِّجه،
ومن كان أعزبَ فَيَسِّر له الحلال،
اللهم ارحم ضعف شبابنا، واكفهم بحلالك عن حرامك،
وأغنهم بفضلك عمَّن سواك.
اللهم أصلح الأولياء، وألهمهم العدل والرحمة، واصرف عنهم العضل والتعنت والكبر.
اللهم بارك للأزواج والزوجات، وألّف بين قلوبهم، واجعل بيوتهم مودة ورحمة وسكينة.
اللهم احفظ مجتمعنا من الدعوات المنحرفة، ومن الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم وفق ولاة أمرنا لما تحب وترضى، واجزهم خيرًا على خدمة الحرمين وبارك جهودهم، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.
والحمد لله رب العالمين.