تيسير الزواج والحذر من العزوف عنه

عبدالرحمن سليمان المصري
1447/08/03 - 2026/01/22 20:55PM

تيسير الزواج والحذر من العزوف عنه

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا ، فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا  ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد:  أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فهي وصية الله للأولين والآخرين قال تعالى ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾

عباد الله: السعادة مطلب عظيم، ومقصد جليل ، وإن مما شرعه الله عز وجل لعباده ، وجبل النفوس عليه ؛ الارتباط برباط الزوجية ، وهو من أعظم أسباب السعادة ، وحصول الأنس والاستقرار ، والطمأنينة وهدوء النفس وراحة البال ، إذا وفق الله الزوجين للتحلي بمكارم الأخلاق.

وقد امتن الله على عباده بهذه النعمة، فقال: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ الروم:21 ، وقال صلى الله عليه وسلم :" الدنيا متاع ، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة " رواه مسلم  ، وقال في حديث آخر :" أربع من السعادة: وعد منها " المرأة الصالحة "رواه أحمد بسند صحيح.

 

عباد الله: والنكاح من سنن المرسلين ، قال تعالى: ﴿ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ﴾الرعد:38 ، وقد أمر به ربنا في كتابه الكريم، فقال: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾النساء: 3 ،  وقال صلى الله عليه وسلم:" أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح " رواه الترمذي وحسنه الألباني.

والزواج عبادة يتقرب به الإنسان إلى ربه، ويستكمل به نصف دينه، قال صلى الله عليه وسلم: " إذا تزوج العبد ؛ فقد استكمل نصف الدين ، فليتق الله في النصف الباقي" رواه الطبراني وحسنه الألباني.

عباد الله: والزواج طريق لغض الأبصار، وحفظ الفروج، وستر العورات، وصيانة الحرمات، وطلب الذرية ، وفيه حفظ للدين ، وتحقيق لمقاصد الشريعة في حفظ النسل والأخلاق ، وهو سبب لاستقرار المجتمع ، وقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم الشباب إلى المبادرة بالزواج ، لمن توفرت لديه الرغبة والاستطاعة على تكاليفه وتحمل المسؤولية ، قال صلى الله عليه وسلم :" يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء " رواه مسلم .

عباد الله : والمسؤولية تقع على الآباء والأمهات ، في تيسير زواج الأبناء والبنات ، فإن الحيلولة بين النساء وتزويجهن بالأكفاء، أمره عظيم، وعاقبته وخيمة ، قال صلى الله عليه وسلم :" إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ، وفساد عريض" رواه الترمذي.

ومن ينظر إلى الواقع اليوم ، يجد أن كثيرا قد ابتعد عن هدي الإسلام ، في تسهيل سبل الزواج وتيسير أسبابه، من المغالاة في المهور ، والإسراف في حفلات الزواج ، والتشدد في الشروط ، وعضل البنات عن النكاح بالأكفاء ، مما جعله عائقا لكثير من الشباب ، عن الإقدام على الزواج ، لعجزهم عن أعبائه وتكاليفه ، وبقاء كثير من النساء بلا زواج .

عباد الله : والمهر واجب للمرأة ، وهو رمز للتكريم والإعزاز، ودليل على عزم الزوج على تحمل الأعباء وأداء الحقوق ،  ولم يحدده الشرع بمقدار معين ، ومع ذلك فقد رغب الشارع ، في تخفيف المهر وتيسيره ، قال صلى الله عليه وسلم:" أعظم النساء بركة أيسرهن مئونة " رواه أحمد وحسنه الألباني.

وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يتزوجون على القبضة من الطعام ، وعلى تعليم القرآن ، وقال صلى الله عليه وسلم لرجل أراد الزواج: " ‌التمس ‌ولو ‌خاتما ‌من ‌حديد" رواه البخاري.

وزوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة ، سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها ، لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وجعل صداقها درعه فأعطاها إياه ، رواه النسائي وصححه الألباني.

وهذا يؤكد أن الصداق في الإسلام ليس مقصودا لذاته ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ألا لا تغلوا صدق النساء، فإنه لو كان مكرمة في الدنيا ، أو تقوى عند الله عز وجل ؛ كان أولاكم به النبي صلى الله عليه وسلم ، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ، ولا أصدقت امرأة من بناته، أكثر من ثنتي عشرة أوقية، - أي أربع مائة وثمانون درهما ، وما يعادل مائة وخمسة وثلاثون ريال فضة - وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه " رواه أحمد بسند صحيح.

عباد الله:  فليتعاون أهل الإيمان والتقوى ، على تيسير أمور الزواج ، وتسهيل أسبابه ، طاعة لله وطلبا لرضاه ، وإعانة للأبناء والبنات ، قال تعالى: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ﴾النور:32.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.        

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا  ،       أما بعد :

عباد الله: إن العزوف عن الزواج ؛ مناقض للفطر السوية ، ومخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، و لما أراد بعض الصحابة أن يجتهدوا في العبادة ، فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ،  ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ، لكني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، ‌فمن ‌رغب ‌عن ‌سنتي ‌فليس ‌مني" رواه مسلم.

فمن ترك الزواج لقصد التفرغ للعبادة ، فهو على خطر عظيم ، وقد تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف بمن زهد ورغب عنه ، لأمور الدنيا .   

عباد الله: إن الدعوة للعزوف عن الزواج ، والتحذير منه ، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي لتشويه صورته ، وبث محتوى مضلل للتنفير منه ، يجب التحذير من تلك الدعوات ، وبيان فسادها ، وأنها تهدف إلى مصادمة أحكام الشريعة ، وإفساد للفطر السليمة ، وهدم للقيم الأسرية ، قال ابن مسعود رضي الله عنه: ‌لو ‌لم ‌يبق ‌من ‌أجلي ‌إلا ‌عشرة ‌أيام، وأعلم أني أموت في آخرها يوما، لي فيهن طول النكاح، لتزوجت مخافة الفتنة أ.هـ.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء ، ومن دعاك إلى غير الزواج دعاك إلى غير الإسلام  أ.هـ.

عباد الله : إن شأن الزواج عظيم ، يجب على أفراد المجتمع التعاون على تيسيره ، وتسهيل سبله ، والقضاء على كل أمر من شأنه تعطيله أو تأخيره ، وخاصة في هذه الأزمنة التي كثرت فيها الفتن ، فالزواج أمان وحصانة للمجتمع ، وبركة ورزق للمتزوج ،  قال تعالى : ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾، وقال ﷺ: :" ثلاثة ‌حق ‌على ‌الله ‌عونهم: وذكر منهم " والناكح الذي يريد العفاف " رواه الترمذي بسند حسن.

وعلى أهل الخير من التجار والأعيان ، مساعدة الشباب على الزواج ، بالمساهمة بدفع تكاليف الزواج من خلال الزكاة ، لغير القادرين على مؤونته ، ومساعدتهم بطريقة تحفظ كرامتهم ، فهذا من أعظم القربات ، لأن حاجة الإنسان إلى الزواج ، قد تكون في بعض الأحيان كحاجته إلى الأكل والشرب ، وقد أفتى بذلك العلماء ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :" والله ‌في ‌عون ‌العبد ما كان العبد في عون أخيه " رواه مسلم.

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

المرفقات

1769104446_تيسير الزواج والحذر من العزوف عنه خطبة 2.docx

1769104447_تيسير الزواج والحذر من العزوف عنه خطبة 2.pdf

المشاهدات 611 | التعليقات 0