حَدِيثِ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ...
مبارك العشوان 1
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ).
هَذِهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ؛ مَنْ جَمَعَهَا اللهُ لَهُ؛ فَازَ بِالمَطْلُوبِ، وَنَجَا مِنَ المَرْهُوبِ: (الإِسْلَامُ، وَالكَفَافُ، وَالقَنَاعَةُ)
أوَّلُ تِلْكَ الخِصِالِ وَأَعْظَمُهَا: الإِسْلَامُ؛ الدِّينُ الذي رَضِيَهُ اللهُ لِعِبادهِ، وَلَا يَرضَى دينًا سِوَاهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة3 ] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران 85]
الفَلاحُ - عِبَادَ اللهِ - فِي: الاِسْتِسْلامِ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادِ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
الفلاحُ فِي التَّوحِيدِ النَّقِيِّ السَّالِمِ مِنْ صَغِيرِ الشِّرْكِ وَكَبِيرِهِ، الفَلاحُ فِي الاِنْقِيَادِ التَّامِّ لله جَلَّ وَعَلا، وَالخُضُوعِ لَهُ ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَتَحْكِيمِ شَرْعِهِ فِي كلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، وَالرِّضَى وَالتَّسْلِيمِ لَهُ، وطُمَأنِينَةِ النَّفْسِ إِلَيهِ؛ قَالَ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء 65]
وَهَذَا - رَحِمَكُمُ اللهُ - مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيهِ كُلُّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ؛ أَنْ يَكُونَ سَامِعًا مُطِيعًا للهِ تَعَالَى، وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُمْتَثِلًا لِلأَوَامِرِ، مُجْتَنِبًا لِلنَّوَاهِي؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَــائِزُونَ}[النور51-52] يَقُولُ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [حَصَرَ الفَلاحَ فِيهِمْ، لأَنَّ الفَلاحَ: الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ، وَالنَّجَاةُ مِنَ المَكْرُوهِ، وَلا يُفْلِحُ إِلا مَنْ حَكَّمَ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَأَطَاعَ اللهَ وَرَسُولَهُ]
الفَلاحُ - رَحِمَكُمُ اللهُ - وَالسَّعَادَةُ وَالحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ فِي الإيمَانِ بِاللهِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ؛ قَالَ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل 97] يَقُولُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: [وَالْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ تَشْمَلُ وُجُوهَ الرَّاحَةِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ].
عِبَادَ اللهِ: وَكَمَا أنَّ السَّعَادَةَ والفَلَاحَ فِي التَّمَسُكِ بِهَذَا الدِّينِ؛ فَإِنَّ الشَّقَاءَ والخُسْرَانَ فِي تَرْكِهِ وَالإِعْرَاضِ عَنْهُ، وَالتَّمَرُّدِ
عَلَى شَرِيعَةِ اللهِ، وَالتَّفَلُّتِ مِنْهَا؛ والجُرْأَةِ على حُدُودِ اللهِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه123-124 ]
أَلا فَاثْبُتُوا -عِبَادَ اللهِ - عَلَى دِينِكُمْ، تَمَسَّكُوا بِهِ، وَعَضُّوا عَلَيهِ بِالنَّواجِذِ، عَظِّمُوا حُدُودَ اللهِ، عَظِّمُوا أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ، وَإيَّاكُمْ وَالتَّسَاهُلَ وَالتَّنَازُلَاتِ المُتَتَالِيَةِ، وتَتَبُّعَ الرُّخَصِ والأَقْوالِ الضَّعِيفَةِ وَالفَتَاوَى الشَّاذَّةِ، خُذُوا العِلْمَ عَن العُلَمَاءِ، خُذُوا الفَتَاوَى عَنْ أَهْلِهَا؛ وَإِيَّاكُمْ ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَمَنْ يُفْتِي وَلَيْسَ لِلْفَتْوَى بِأهْلٍ؛ فَيَضِلُّ وَيُضِلُّ.
رَأَى رَجُلٌ رَبِيعَةَ ـ شَيْخَ الإمَامِ مالكٍ، يَبْكِي؛ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ اسْتُفْتِى مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ، وَظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَالَ: وَلَبَعْضُ مَنْ يُفْتِي هَهُنَا أَحَقُّ بِالسِّجْنِ مِنْ السُّرَّاقِ.
قَالَ ابنُ القيمِ رَحِمَهُ اللهُ: [قالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَى رَبِيعَةُ زَمَانَنَا، وَإِقْدَامَ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ عَلَى الْفُتْيَا، وَتَوَثُّبَهُ عَلَيْهَا، وَمَدَّ بَاعِ التَّكَلُّفِ إلَيْهَا، وَتَسَلُّقَهُ بِالْجَهْلِ وَالْجُرْأَةَ عَلَيْهَا مَعَ قِلَّةِ الْخِبْرَةِ، وَسُوءِ السِّيرَةِ وَشُؤْمِ السَّرِيرَةِ...] هَذَا مَا نَقَلَهُ ابنُ القَيمِ رَحِمَهُ اللهُ؛ فَكَيْفَ لَوْ رَأَى زَمَنًا أَصْبَحَ الإِعْلَامِيُّ فِيهِ يُفْتِي، وَالمُمَثِّلُ يُفتِي؛ وَالسِّياسِيٌّ يُفتِي؛ وَمَشَاهِيرُ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ يُفْتُونَ.
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، وَالهِدَايَةَ لِلْجَمِيعِ.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيْمِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيْهِ مِنَ الْآيِ وَالذِّكْرِ الحَكِيْمِ، وَأَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيْلَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ للَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: (وَرُزِقَ كَفَافًا) وَهَذِهِ مِنْ أَسْبَابِ الفَلاحِ وَالسَّعَادَةِ وَالحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ، أَنْ يُعْطَى الإِنْسَانُ مِنَ الدُّنْيَا كَفَافاً مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلا نُقْصَانٍ، لا تَزِيْدُ أَمْوَالُهُ فَتُشْغِلُهُ، وَلا تَنْقُصُ عَنْ حَاجَتِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى النَّاس، وَيَمُدُّ إِلَيْهِمْ يَدَهُ.
وَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (اللهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا) [رواهُ البُخاري] قَالَ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: [أَيِ اكْفِهِمْ مِنَ الْقُوتِ بِمَا لَا يُرْهِقُهُمْ إِلَى ذُلِّ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ فُضُولٌ تَبْعَثُ عَلَى التَّرَفُّهِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا]
الخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ فِي هَذَا الحَدِيثِ: (وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ)
القَنَاعَةُ وَالرِّضَى بِمَا قَسَمَ اللهُ؛ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الفَلاحِ وَالسَّعَادَةِ؛ فَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَا يَصْلُحُ لِخَلْقِهِ؛ قَالَ تَعَالَــــى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت 62] وَمَنْ لَمْ يَقْنَعَ بِمَا أُعْطِيَ ظَلَّ فِي هَمٍّ وَشَقَاءٍ وَتَسَخُّطٍ وَتَشَكٍ، وَتَطَلُّعٍ إِلَى مَا أُعْطِيَ غَيْرُهُ.
مَهْمَا حَصََّلَ مِنَ الدُّنْيَا؛ لَمْ يَرْضَ بِهِ، لَيْسَ رَاضٍ عَنْ مَسْكَنِهِ وَلا عَنْ مَرْكَبِهِ؛ وَقَدَ جَاء فِي الحَدِيثِ: ( لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ، أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ) [رواه البخاري]
رَزَقَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمُ القَنَاعَةَ وَالفَلاحَ وَسَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ أصْلِحْ أئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ خُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا وَإِيَّاهُمْ لِهُدَاكَ، واجْعَلْ عَمَلَنَا فِي رِضَاكَ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا وَدِينَنَا وَبِلَادَنَا بِسُوءٍ فَرُدَّ كَيْدَهُ إِلَيهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.
عِبَادَ اللهِ: اُذْكُرُوا اللهَ العَلِيَّ الْعَظِيْمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
ـــــــــــــــــــــــــ
وتجدون هذه الخطبة وغيرها على قناة التليجرام (احرص على ما ينفعك)
https://t.me/benefits11111/3053
المرفقات
1768501479_حَدِيثِ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ....pdf
1768501493_حَدِيثِ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ....docx