حديث مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ
الشيخ عبد الله بن علي الطريف
حديث مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ (1) اتَّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ 1447/7/27هـ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ»؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: «اتَّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ».. هذا حديث رواه الإمام أحمد في المسند، والترمذي في صحيحه وقال: هذا حديث غريب. وحسنه الألباني -رَحِمَهُ اللهُ-.
أحبتي: لعلنا نأخذ بهذا الْكَلِمَاتُ العظيمة من نبينا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- ونجعلها لنا منهج حياة.. فمن وفق للأخذ بها أدرك خيرًا كثيرًا وسلم من شرٍ مستطير، لما فيها من توجيهاتٍ اجتماعيةٍ فريدةٍ وضبطٍ سلوكيٍ فَذٍّ.. وسأخصص لكل واحدة منهن حديثًا مستقلًا..
وأول الوصايا النبوية: «اِتَّقِ الْمَحَارِمَ» أَيْ اِحْذَرْ الْوُقُوعَ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْك، وَابْتَعِدْ عنه.. وَهَذَا النهيُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ فِعْلِ الْمَنْهِيَّاتِ وَتَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ، ومتى ما وفق العبدُ لذلك حاز خيرًا كثيرًا، قالت أُمُّنَا عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْبِقَ الدَّائبَ المجتهدَ، فلْيكفَّ عن الذنوب".. وقال الحسنُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ما عُبِّدَ العابدون بشيءٍ أفضلَ من تركِ ما نهاهُم اللهُ عنه.. وقال ميمون بن مِهران -رَحِمَهُ اللهُ-: "ذِكْرُ اللهِ باللسانِ حسن، وأفضلُ منه أنْ يَذْكَرَ العبدُ اللهَ عندَ المعصية فيُمْسِكَ عنها".. ما أجمل هذا التوجه وما أحوجنا إليه..
ولاتقاء المحارم فضائل منها: بلوغ العبد مرحلةً بِالعبُودِيَّةِ لا يصلها إلا من شاكلَهُ، وأخذ بمثل ما أخذ به؛ فالتقوى يجب أن تكون رادعًا عن كل معصية، قال عمر بن عبد العزيز -رَحِمَهُ اللهُ-: "ليس التَقِيُ بِـمَنْ يَقُوْمُ الَليْلَ وَيَصُوْمُ النَّهَارَ ثُمَّ يَخْلِطُ فِيْمَا بَيْنَ ذَلِكَ" أي يعتدي ويطلق نظره وسمعه ولسانه وأحيانًا يده إلى ما حرَّمَ الله.. هذا ليس بمتقي إنما المتقي من يؤدى الفرائضَ ويجتنب المحارمَ فإن فعل بعد ذلك خيرًا من أمور التطوع فهو خيرٌ إلى خيرٍ.. ولا بد من هذه لينال وصف المتقين..
وحِرْصُ سَلَفِ الأُمةِ على التَحَفْظِ عن المحرمات، ليس مقصورًا على المحرمات الفعلية والسلوكية، بل يحرصون على التحرزِ من حقوق الناس المالية، كما يحرصون على حل كسبهم.. وقال أحدهم: "تركُ دانقٍ مما يكره الله أحبُّ إليَّ من خَمْسِمائةِ حَجَّةٍ"[والدانق: وحدة وزن إسلامية قديمة تساوي سُدسَ الدرهم أو ثماني حبات من الشعير].. وقال ابنُ المبارك -رَحِمَهُ اللهُ-: لأنْ أردَّ درهمًا من شبهة أحبُّ إلىَّ من أنْ أتصدَّقَ بمائة ألفٍ ومائة ألفٍ، حتّى بلغ سِتَّمائةِ ألفٍ..
أيها الإخوة: واجترح المعاصي ظلم للنفس كبير قال الله تعالى: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [البقرة:57] والسيئة كما يقال تجر سيئة مثلها.. وكلما تمادى الإنسان باجتراح السيئات ولم يستغفر اسود قلبه وزد بعدًا عن الله، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ زَادَ، زَادَتْ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).» [المطففين:14] رواه أحمد والترمذي وابن ماجة واللفظ له وحسنه الألباني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.
قَال َالْحَسَنُ -رَحِمَهُ اللهُ-: "تَدْرُونَ مَا الْإِرَانَةُ؟ الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ، وَالذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ، حَتَّى يَمُوتَ الْقَلْبُ" رواه ابن أبي الدنيا في كتابه التوبة.
ثم اعلموا أن اجتناب المحرمات وإنْ قلَّتْ أفضلُ من الإكثار من نوافل الطاعات فإنَّ ذلك فرضٌ، وهذا نفلٌ.. ثم إنَّ الداعي إلى فعلِ المعاصي قد يكون قويًا، لا صبرَ معه للعبد على الامتناع عن فعل المعصية مع القدرة عليها، فيحتاج الكَفُّ عنها حينئذٍ إلى مجاهدةٍ شديدةٍ، ربما كانت أشقَّ على النفوسِ من مجرَّدِ مجاهدةِ النفسِ على فعل الطاعة، ولهذا يجتهدُ كثيرٌ من الناس فيفعل الطاعات.. لكنه لا يقوى على ترك المحرمات.
أيها الإخوة: ثم يقرر الرسولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- نتيجةَ تركِ المحرماتِ بقولِهِ: «تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ» قال المناوي-رَحِمَهُ اللهُ-: أي من أعبدِهم لِمَا أنَّه يلزمُ من ترك المحارم فعل الفرائض، فباتقاء المحارم تبقى الصحيفة نقية من التبعات، فالقليل من التطوع مع ذلك ينمو وتعظم بركته فيصير ذلك المتقي من أكابر العباد" قاله المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير.
وإذا ابتعد المؤمن عن الحرام هداه الله -عَزَّ وَجَلَّ- ووفقه لفعل كل ما يرضي الله -سبحانه وتعالى- من الواجبات والمستحبات.. وجعل الله -عَزَّ وَجَلَّ- في قلبه نورًا، وبهذا النور يسير إلى الحلال، ويسير فيما يرضي الله -سبحانه وتعالى- فيكون من أورع الناس.. ومن جميل مواعظ ابن الجوزي -رَحِمَهُ اللهُ-: قوله: "بالله عليك يا مرفوع القدر بالتقوى، لا تبعْ عِزَّها بذُلِ المعاصِي.!. بالله عليك، تَذَوْق حَلَاوةَ كَفْ الْكَفِ عن المنْهيِّ؛ فإنَّها شجرةٌ تثمرُ عِزَّ الدنيا وشَرَفَ الآخرة، ومتى اشتد عطشُكَ إلى ما تهوى، فابسطْ أناملَ الرجاءِ إلى من عنده الريُ الكامل -سبحانه وتعالى-.. يا من لا يصبرُ لحظةٍ عما يشتهي! بالله عليك، أتدري من الرجل؟! الرجل -والله- من إذا خَلَا بما يحبُ من المحرم، وقدر عليه، وتَقَلْقَلَ عطشًا إليهِ نَظَرَ إلى نَظَرِ الحَقِّ -تبارك وتعالى- إليه؛ فاستحى من إجالة همه فيما يكرهه -سبحانه- فذهب العطش. [صيد الخاطر لابن الجوزي بتصرف]. أسأل الله تعالى أن يوفقنا لكل خير ويجنبنا كل سوء ويجعلنا هداة مهتدين وصلى الله وسلم على نبينا محمد..
الحطبة الثانية:
أيها الإخوة: اعلموا أنَّ المجاهرة بمقارفة السيئات وبال على العبد وضرر للمجتمع، وشر مستطير وقد حذر منها رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- بِقَوْلِهِ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ.» رواه البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.
قال ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ-: "والمستخفي بما يرتكبه [من السيئات] أقل إثما من المجاهر الْمُسْتَعْلِن، والكاتم له أقل إثمًا من المخبر المحدِّث للناس به، فهذا بعيدٌ عن عافية الله تعالى وعفوه" أهـ. وقال -رَحِمَهُ اللهُ-: في موضع آخر عن المجاهرين: "وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ النَّاسِ لَا يُعَافَوْنَ، وَتُسَدُّ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ التَّوْبَةِ، وَتُغْلَقُ عَنْهُمْ أَبْوَابُهَا فِي الْغَالِبِ"..
وبعد أحبتي: موعظة القرآن خير موعظة، ومن أخذ بما وُعِظَ به حصل على أربع خصال عظيمة قال الله -عَزَّ وَجَلَّ- عنها: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً* وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً* وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً) [النساء:66-68] أي: لو قاموا بما يوعظون به لكانوا من الأخيار المتصفين بأوصافهم من فعل الخير الذي أمروا به.. وانتفت عنهم صفة الأشرار، لأن ثبوت الشيء يستلزم نفي ضده.. ولحصل لهم التثبيت والثبات.. ونزلت عليهم معونة الله للقيام بالطاعة، وحصل لهم الثبات على الدين، عند الموت، وثبتهم الله عند السؤال في القبر.. وآتاهم الله أجرًا عاجلًا وآجلًا في الروح والقلب والبدن، وأعطاهم من النعيم المقيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
أسأل الله -تعالى- بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن ينفعنا بما نقول ونسمع من الوعظ والتوجيه.. وصلوا وسلموا على نبيكم..