حقيقة الخلع.. وخديعة التحرر

الشيخ محمد الوجيه
1447/07/19 - 2026/01/08 13:48PM

حَقِيقَةُ الخُلْعِ وَخَدِيعَةُ التَّحَرُّرِ

الخطبة الأولي:

الحمد لله الذي جعل البيوت سكناً، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل لكل ضيق مخرجاً، ولكل عقدة حلاً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أحرص الناس على استقرار الأسر وصلاح البيوت، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه وتعالى.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله..
واعلموا أن عقد النكاح هو "الميثاق الغليظ" الذي عظّمه الله في كتابه، والأصل فيه الدوام والاستمرار. ولكن، ولأن الإسلام دين يراعي طبيعة النفس البشرية، فقد جعل "الطلاق" مخرجاً للرجل إذا ضاقت به السبل، وجعل "الخلع" متنفساً للمرأة إذا كرهت البقاء ولم تستطع إقامة حدود الله.

​عباد الله..
إن الخلع في الإسلام ليس مجرد إجراء قانوني أو مادي، بل هو "صمام أمان" وضعه المشرع الحكيم لحماية الروح من الهلاك والتدين من الانحراف.

حين تجد المرأة نفسها في نفق مسدود، حيث لا مودة تُرجى ولا رحمة تُبنى، وحين يضيق بها بيت الزوجية حتى يغدو كالسجن الموحش، هنا فتح الله لها باباً لاسترداد حريتها مقابل مالٍ تردّه؛ صيانة لكرامتها من الامتهان، وحماية لقلبها من البغض الذي قد يدفعها لمعصية ربها في حق زوجها. فالخلع "رحمة" وليس "نقمة"، و"حل" وليس "هدم"، إذا وُضع في موضعه الصحيح.

​لقد شرعه الله عز وجل رحمة بالنساء، فقال سبحانه: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ). وجاءت امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنه إلى النبي ﷺ فقالت بصراحة المؤمنة: "يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خُلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام"، فلم ينهرها النبي ﷺ بل قال لها: "أتردين عليه حديقته؟" قالت: نعم، فأمر الزوج بأخذ ماله وفراقهما.

​أيها المسلمون.. ليس كل ضيقٍ مبرراً للخلع، فالبيوت تبنى على الصبر، ولكن للخلع محطات اضطرارية يباح فيها: أولها فساد دين الزوج كتركه للصلاة مطلقا أو ارتكابه للفواحش الخبيثة مما يضر بدين الزوجة وذريتها.

وثانيها الضرر الجسدي والنفسي من ضرب مبرح أو سب مقذع أو هجر بلا سبب.

وثالثها الكراهية القلبية التامة التي تخشى معها المرأة التقصير في حق الزوج فتأثم عند الله؛ هنا يكون الخلع وقاية من الوقوع في المعاصي القلبية والعملية.

أيها المسلمون..
إن الخلع الذي شرعه الله رحمةً، تحول في زماننا هذا عند البعض إلى سلاح يُشهر عند أول عقبة. إن أخطر ما يهدد بيوت المسلمين اليوم هو "الاستعجال في طلب الفراق" لأتفه الأسباب؛ فالمرأة التي تسارع لطلب الخلع لمجرد خلاف عابر، أو تأثراً بدعوات التحرر الزائفة التي تملأ فضاء "التواصل الاجتماعي"، إنما تبيعُ بيتها وتُشتت أطفالها مقابل سراب.

اسمعوا لوعيد نبيكم ﷺ: "أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة".

​يا إماء الله.. البيوت لا تُبنى على الحب وحده، بل على الصبر والوفاء. والخلع مثل "الكي بالنار " آخر علاج لا يلجأ إليه العاقل إلا إذا استُحيلت المداواة.

​ويا مَن تحضرون مجالس النساء والرجال، اتقوا الله.. إن من أعظم الكبائر "التخبيب"؛ وهو إفساد المرأة على زوجها. لتعلم كل أم وكل أخت وكل صديقة، أن التي تدفع امرأة للخلع من غير سبب شرعي كافٍ، إنما هي "جندية من جنود إبليس". فالواجب عند النزاع هو السعي بالإصلاح لا أن نكون معاول هدم نزيد النار اشتعالاً.

​كما نحذر الرجال من "الظلم والمضارة"؛ فيحرم على الرجل أن يسوء خلقه، ويضيق على زوجته ليلجئها إلى "الخلع" ليسترد مهره. هذا هو "العضل" الذي نهى الله عنه، ومن فعل ذلك فقد أكل سحتاً واعتدى على حدود الله.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية :

يا إماء الله.. إن البيوت لا تستقر على وتيرة واحدة، والزوج كغيره من البشر، يعتريه النقص وتغلبه الطباع.

فقبل أن تمدي يدكِ لتمزيق عقد النكاح، قِفي مع نفسكِ وقفة مجاهدة؛ فكم من بيتٍ كان على شفا حفرة من السقوط، فأنقذه صبرُ امرأةٍ محتسبة، ولجوؤها إلى جبار السماوات والأرض.

اجعلي أول أسباب الإصلاح سجدةً في ظلمات السحر، ودعوةً صادقة بقلبٍ مكسور أن يُصلح الله لكِ زوجك، فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

استعملي سلاح الستر والنصح الجميل، وواجهي العواصف بحكمة الصمت أحياناً وبحلاوة الكلمة أحياناً أخرى.

وإذا ضاقت بكِ السبل، فليس أول الحلول "الخلع"، بل استعيني بالعقلاء من أهلك وأهله ممن يحبون الإصلاح لا المفسدين، فالله يقول: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا).

إن استنفاد طرق الإصلاح هو مبرئ للذمة أمام الله قبل أن يكون طريقاً للفراق.

​ثم تأملي أيتها المسلمة في مآلات هذا القرار؛ فما طلب الخلعُ المستعجل وبدون حق أحيانا إلا زلزالٌ يضرب أركان الأسرة، وضحاياه هم الصغار الذين لا ذنب لهم.

إن اليتم الحقيقي ليس بموت الآباء، بل بتشتت الأبناء بين أبٍ غائب وأمٍّ مكلومة، فينشأ الصغار في صراعِ ولاءاتٍ وتمزقِ نفسيات، ويهيمون في دروب الحياة بلا سندٍ ولا قدوة.

إن الخلع لغير عذرٍ قاهر ليس استقلالاً، بل هو في كثير من الأحيان بداية لضياع الحياة، وندمٍ يطول حين تنطفئ فورة الغضب، وتجد المرأة نفسها وحيدةً تواجه أعباءً لم تحسب لها حساباً.

​وانظري أختي بعين البصيرة إلى واقع الحال؛ فكم في البيوت من نساءٍ يتمنين رائحة زوجٍ ولو كان فيه نقص، وكم من العوانس اللواتي فاتهن قطار الزواج يرقبن في صمتٍ ظلال البيوت المستقرة.

إن نسب الطلاق والخلع المخيفة في مجتمعاتنا -والتي تجاوزت في بعض الإحصائيات ثلث حالات الزواج- تدق ناقوس الخطر؛ فآلاف النساء اليوم يواجهن مرارة "الوحدة" بعد الفراق، ويصطدمن بواقعٍ اجتماعيٍ مرير.

أفتستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ أفتفرين من كدَرِ الزوجية إلى نيران الوحدة والضياع لغير بأس؟ إن العاقلة هي من تعضُّ على نواجذ الصبر في بيتها، وتعلم أن "جِنة الزوج" على ما فيها من نقص، خيرٌ من "نارِ التشتت" وضياع المستقبل.

عباد الله.. إن البيوت أمانات، وإن الذراري أمانات، وإن الميثاق الغليظ لا يُنقضُ بالأهواء ولا تُذيبه العواصف العابرة. فاستمسكوا بحبل الله في بيوتكم، وعظّموا حدود الله في أسركم، واعلموا أنما يُرحم المرء بضعفه، ويُبارك له في صبره، وما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوّضه الله خيراً منه.
​اللهم أصلح فساد قلوبنا، وألف بين أرواحنا، واجعل بيوتنا بيوتاً مطمئنة بذكرك، عامرة بشكرك، نقيّة من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.
​اللهم مَن أراد ببيوت المسلمين سوءاً أو تشتيتاً أو فساداً فأشغله بنفسه، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين.
​اللهم أصلح أحوال الزوجين، وردهم إليك رداً جميلاً، واهدِ ضالهم، وصبّ عليهم المودة صبّاً، ولا تجعل للشيطان بينهم نصيباً.
​اللهم وفّق نساء المسلمين للصبر والوفاء، ووفّق رجالهم للعدل والقوامة، واجعلهم جميعاً هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
​اللهم احفظ بيوتنا من كيد الكائدين، وتخبيب المفسدين، ونزغات الشياطين، واجعلنا ممن يقيمون حدودك، ويعظمون شعائرك، ويخافون وعيدك.
​(رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا).

وأقم والصلاة

المرفقات

1767869281_DOC-20260108-WA0024..pdf

المشاهدات 177 | التعليقات 0