(خطبة) آداب التنزه وإماطة الأذى عن الطريق

خالد الشايع
1447/07/19 - 2026/01/08 16:01PM


الخُطْبَةُ الأُولَى

(المُحافَظَةُ على البِيئَةِ وآدَابُ التَّنَزُّهِ)
20 رجب 1447هـ

أمَّا بَعْدُ، فيا أيُّهَا النَّاسُ:
لَقَدْ خَلَقَ اللهُ الأَرْضَ، وَأَسْكَنَ عَلَيْهَا الخَلْقَ، وَيَسَّرَ لَهُمْ سُبُلَ العَيْشِ الكَرِيمِ فِيهَا، وَسَخَّرَ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ؛ لِتَدُومَ الحَيَاةُ بَيْنَهُمْ. فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ يَسْكُنُونَ الأَرْضَ، وَيَتَجَاوَرُونَ فِيهَا، وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ حُقُوقًا لِلْجَارِ، وَشَدَّدَ فِي حَقِّ الجَارِ.

وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ أَمَاكِنَ فِي الأَرْضِ مُشَاعَةً بَيْنَ النَّاسِ لَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مِلْكٌ لِلدَّوْلَةِ تَجْعَلُهَا لِلْجَمِيعِ؛ كَالشَّوَارِعِ، وَالمُتَنَزَّهَاتِ فِي البَرَارِي وَغَيْرِهَا. وَفَرَضَ سُبْحَانَهُ حُقُوقًا عَلَى النَّاسِ فِي هَذِهِ الأَمَاكِنِ المُشَاعَةِ؛ حَتَّى لَا يُؤْذِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَسَنَّ حُقُوقًا لِلطُّرُقِ، وَجَعَلَ إِمَاطَةَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ؛ كُلُّ ذَلِكَ لِيَشْعُرَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ فِي الأَرْضِ وَحْدَهُ، بَلْ مَعَهُ شُرَكَاءُ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى شُعُورِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ.

عِبَادَ اللهِ:
لَقَدْ أَمَرَ الشَّرْعُ العِبَادَ بِالمُحَافَظَةِ عَلَى الأَمَاكِنِ العَامَّةِ الَّتِي يَرْتَادُهَا وَيَسْتَفِيدُ مِنْهَا الجَمِيعُ، فَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُلَوِّثَ المَكَانَ الَّذِي تَجْلِسُ فِيهِ فِي البَرِّيَّةِ، ثُمَّ تَقُومَ مِنْهُ وَقَدْ حَوَّلْتَهُ إِلَى مُجَمَّعِ نُفَايَاتٍ، حَتَّى يَتَقَزَّزَ النَّاسُ مِنَ الجُلُوسِ بَعْدَكَ فِيهِ.

وَبَلْ إِنَّكَ لَتَجِدُ الأَطْعِمَةَ قَدْ أُهِينَتْ وَرُمِيَتْ، وَهِيَ فِي حَالَةٍ جَيِّدَةٍ يَتَمَنَّاهَا مَنْ لَا يَجِدُهَا. إِنَّ هَذَا الخُلُقَ السَّيِّئَ، وَتَصَرُّفَكَ بِهِ أَمَامَ أَوْلَادِكَ، غَرْسٌ لَهُ فِي نُفُوسِهِمْ، وَهُمْ عَلَى نَهْجِكَ يَسِيرُونَ.

فَمَا يَضُرُّكَ لَوْ حَمَلْتَ مَعَكَ كِيسًا لِلنُّفَايَاتِ، ثُمَّ جَمَعْتَ فِيهِ كُلَّ نُفَايَاتِكَ إِذَا انْتَهَيْتَ مِنَ التَّنَزُّهِ، ثُمَّ حَمَلْتَهُ مَعَكَ إِلَى أَقْرَبِ بَرْمِيلٍ لِلزُّبَالَةِ؟ تَكُونُ بِذَلِكَ قُدْوَةً حَسَنَةً لِلْجَمِيعِ، وَتَنَالُ أَجْرًا عَظِيمًا، وَتَسْلَمُ مِنْ إِثْمٍ عَظِيمٍ وَمِنْ دَعَوَاتِ النَّاسِ عَلَيْكَ.

وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّبَوُّلِ فِي أَمَاكِنِ جُلُوسِ النَّاسِ وَفِي ظِلِّهِمْ، أَوْ فِي مِيَاهِهِمُ الرَّاكِدَةِ؛ كُلُّ ذَلِكَ حِفْظًا لِمَشَاعِرِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ، وَنَشْرًا لِلْخُلُقِ الحَسَنِ بَيْنَهُمْ.

هَلْ تَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ تَرْمِي بِمُخَلَّفَاتِكَ فِي البَرَارِي، وَفِيهَا أَكْيَاسٌ بِلَاسْتِيكِيَّةٌ وَعُلَبٌ تَقْتُلُ الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَتَكُونُ قَدْ بُؤْتَ بِإِثْمٍ عَظِيمٍ؟

بَلْ جَاءَ الشَّرْعُ بِإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَجْرًا عَظِيمًا، بَلْ دَخَلَ بِسَبَبِهَا رَجُلٌ الجَنَّةَ. فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
«بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فِي الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ».

كَمَا أَمَرَنَا الشَّرْعُ بِغَرْسِ الأَشْجَارِ ذَاتِ الظِّلِّ، وَالأَشْجَارِ ذَاتِ الثَّمَرِ؛ لِيَسْتَفِيدَ مِنْهَا الإِنْسَانُ وَالحَيَوَانُ، وَبِحَفْرِ الآبَارِ، وَشَقِّ الطُّرُقِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الأَوْقَافِ الَّتِي يَجْرِي أَجْرُهَا عَلَى صَاحِبِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ.

عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ دِينَنَا دِينٌ عَظِيمٌ، قَدْ أَمَرَ بِكُلِّ حَسَنٍ مُفِيدٍ، وَنَهَى عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ مُضِرٍّ. وَإِنَّكَ لَتَعْجَبُ مِمَّنْ يُفْتَنُ بِحَضَارَةِ الغَرْبِ، وَبَعْضِ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ تَرْتِيبٍ وَتَنْظِيمٍ وَخُلُقٍ، وَمَا دَرَى المِسْكِينُ أَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ دِينِنَا، وَلَكِنَّهُ يَجْهَلُ دِينَهُ. إِنَّ دِينَنَا يُوَاكِبُ الحَضَارَةَ، وَيَدْعُو إِلَيْهَا، وَيَحُثُّ عَلَيْهَا إِذَا كَانَتْ تَنْفَعُ الإِنْسَانَ وَلَا تَضُرُّهُ.

مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ:
تَعَلَّمُوا الدِّينَ وَأَخْلَاقَهُ، وَعَلِّمُوهُ أَوْلَادَكُمْ، وَانْشُرُوهُ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ الأَخْلَاقَ أَوَّلَ مَا تَكُونُ ثَقَافَاتٍ، ثُمَّ تَكُونُ اعْتِقَادَاتٍ، ثُمَّ يَنْتَشِرُ الوَعْيُ بَيْنَ الجَمِيعِ.

اللَّهُمَّ جَمِّلْنَا بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَالتَّخَلُّقِ بِهَا، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

أمَّا بَعْدُ، فيا أيُّهَا النَّاسُ:
كَثِيرَةٌ هِيَ العَادَاتُ السَّيِّئَةُ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا البَعْضُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالبِيئَةِ وَالمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَتَكُونُ مُخَالِفَةً لِآدَابِ التَّنَزُّهِ.

فَمِنْ ذَلِكَ: رَمْيُ المُخَلَّفَاتِ فِي الطُّرُقَاتِ؛ كَالمَنَادِيلِ، أَوْ أَعْقَابِ الدُّخَانِ، أَوْ عُلَبِ المَشْرُوبَاتِ، أَوْ رُبَّمَا التَّنَخُّمُ فِي الطُّرُقَاتِ. وَيَزْدَادُ الأَمْرُ سُوءًا إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يَرْكَبُ سَيَّارَتَهُ عِنْدَ بَيْتِهِ أَوْ عِنْدَ المَسْجِدِ، ثُمَّ يَقُومُ بِتَنْظِيفِهَا، وَيَرْمِي كُلَّ مُخَلَّفَاتِهَا جِوَارَ السَّيَّارَةِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا وَمِنْ بَعْدِي الطُّوفَانُ! فَكَمْ فِي هَذِهِ الحَرَكَةِ مِنْ أَذِيَّةٍ، وَأَنَانِيَّةٍ، وَسُوءِ خُلُقٍ، يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ التَّرْبِيَةِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: رَمْيُ كِيسِ الزُّبَالَةِ جِوَارَ بَابِ البَيْتِ، أَوْ جِوَارَ الحَاوِيَةِ، وَعَدَمُ وَضْعِهِ دَاخِلَ الصُّنْدُوقِ، ثُمَّ تَعْبَثُ بِهِ الحَيَوَانَاتُ، فَيَتَّسِخُ الطَّرِيقُ، وَيَتَأَذَّى المَارَّةُ وَالسُّكَّانُ.

وَمِنْ ذَلِكَ: وَضْعُ بَقَايَا الأَرُزِّ وَالخُبْزِ لِلطُّيُورِ، مِمَّا يُسَبِّبُ أَذِيَّةً لِلْجِيرَانِ؛ إِذْ يَبْقَى الحَمَامُ وَنَحْوُهُ عَلَى أَسْوَارِ البُيُوتِ، وَفِي السُّطُوحِ، وَعَلَى المَسَاجِدِ، وَلَا يَذْهَبُ، وَهَذِهِ أَذِيَّةٌ عَظِيمَةٌ يَغْفُلُ عَنْهَا البَعْضُ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يَكْسِبُ أَجْرًا فِي إِطْعَامِهِ لِلْحَمَامِ، وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ يُغَيِّرُ قَوَانِينَ حَيَاةِ الحَمَامِ الَّذِي يَغْدُو وَيَرُوحُ طَالِبًا رِزْقَهُ مِنْ بَعِيدٍ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى عُشِّهِ، وَمَعَ ذَلِكَ آذَى جِيرَانَهُ، حَتَّى خَرَجَتْ مُؤَسَّسَاتٌ مُتَخَصِّصَةٌ فِي طَرْدِ الحَمَامِ عَنِ البُيُوتِ وَالأَسْوَارِ، وَلَا يَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مَنْ عَانَاهُ وَتَعِبَ مِنْهُ.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ تَلْوِيثِ البِيئَةِ: مَا يَصْنَعُهُ بَعْضُ مَنْ يَقُومُ بِالحَفْرِ لِلْبِنَاءِ؛ حَيْثُ يَقُومُ بِنَقْلِ مُخَلَّفَاتِهِ إِلَى أَرْضِ جَارِهِ، أَوْ إِلَى أَرَاضٍ مَجْهُولَةِ المَالِكِ، وَقَدْ وَضَعَتِ البَلَدِيَّاتُ أَمَاكِنَ مُخَصَّصَةً لِكَبِّ المُخَلَّفَاتِ البِيئِيَّةِ، فَلِمَ المُخَالَفَةُ؟

وَعَلَى ذَلِكَ فَقِسْ، فَكُلُّ عَمَلٍ يُسَبِّبُ الأَذِيَّةَ لِلنَّاسِ فَتَجَنَّبْهُ، حَتَّى لَا تَكُونَ مِنْ أَهْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.

اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلّ

المرفقات

1767877308_المحافظة على البيئة وآداب التنزه.docx

المشاهدات 723 | التعليقات 0