خُطبَة بِعِنْوَان: وَقَفَاتٌ تَربَوِيَّةٌ مَعَ سُورَةِ الْكَافِرُونَ.

رمضان صالح العجرمي
1447/07/19 - 2026/01/08 15:03PM
خُطبَة بِعِنْوَان: وَقَفَاتٌ تَربَوِيَّةٌ مَعَ سُورَةِ الْكَافِرُونَ.
 
1- مُقَدِّمَةٌ تَعرِيفِيَّةٌ بِسُورَةِ الْكَافِرُونَ.
2- وَقَفَاتٌ مَعَ مَعَانِي كَلِمَاتِ السُّورَةِ.
3- تَقرِيرُ عَقِيدَةِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ.
 
(الهَدَفُ مِنَ الخُطبَةِ) 
التَّذكِيرُ بِأهَمِّيَّةِ وَأسبَابِ نزُولِ هَذِهِ السُّورَة، وَمَا تَضَمَّنَتهُ مِنَ مَعَانٍ عَظِيمَةٍ.
 
•مُقَدِّمَةٌ ومَدَخَلٌ للمُوْضُوعِ:
•أيُّهَا المُسلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، مَعَ سُورةٍ عظيمةٍ فِي مَوضُوعِها؛ إنَّها سُورَةُ البَرَاءَةِ مِنَ الشِّركِ وَأهْلُهِ، ومن كلِّ معبود سِوىٰ الله تعالى؛ مَــعَ: [سُورةِ الْكَافِرُونَ]
•سُورَةُ الْكَافِرُونَ: سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ، وَعَدَدُ آيَاتِهَا سِتُّ آياتٍ، وأَسْمَاءُ السُّورَةِ: سُورَةُ (الْكَافِرُونَ)، وَسُورَةُ (الْكَافِرِينَ)، وَسُورَةُ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)
•مَوْضُوعَاتُ السُّورَةِ: اشتَمَلتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى مَعاني عَظِيمَةٍ؛ منها: تقريرُ عقيدةِ التَّوحِيدِ، وَالبَرَاءَةُ مِنَ الشِّركِ وَأهْلِهِ، ومن كلِّ معبود سِوىٰ الله تعالى؛
•يقول الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ ما أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ دِينِ}
•ولذلك كان من يقرأُها عند النوم؛ كانت له براءة من الشرك؛ عن فروة بنِ نَوْفَلٍ، عن أبيه رضي الله عنه: أنَّهُ أتَى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، علِّمني شيئًا أقولُهُ إذا أوَيتُ إلى فِراشي، فقالَ: ((اقرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا؛ فإنَّها براءةٌ منَ الشِّركِ.))؛ [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وصححه الألباني]
•وَمِنْ فَضَائِلِ هذه السُّورَةِ: أنها تعدِلُ ربع القرآن؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(({قُلْ هُو اللَّهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} تعدل ربع القرآن))؛ [رواه الطبراني، وصححه الألباني]
•هَذِهِ السُّورَةُ مَعَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يداومُ على قِرَاءَتِهِمَا عدَّةَ مراتٍ كلَّ يومٍ وليلةٍ فِيْ الصَّلَوَاتِ وَفِيْ غَيْرِهَا؛ والسِّرُّ في ذلك أنَّهما اشتملتا على نوعَي التَّوحيد؛ وهُمَا:
•التَّوحيد العملي: في سُورَةِ الْكَافِرُونَ
•التَّوحيد الخبري الاعتقادي: في سُورَةِ الإخلاص
أولًا: فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ؛ عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون}، وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}؛ [رواه مسلم]؛ وركعتا الفجر هما راتبة الفجر.
وعنِ ابنِ عمر رضِيَ اللَّه عنهُما، قَالَ: رمقْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَهْرًا يقْرَأُ في الرَّكْعَتيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ} و {قل هُوَ اللَّه أَحَدٌ}؛ [رواهُ الترمذي]
ثانيًا: فِي السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ الْبَعْدِيَّةِ لِلْمَغْرِبِ؛ عن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً أَوْ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون}، وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}؛ [رواهُ الترمذي]
ثالثًا: فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ؛ فعَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُوتِرُ بِثَلاثٍ: بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، وَ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون}، وَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}؛ [رواه الترمذي، وصححه الألباني]
•ويَقرأُ بهما كذلك فِي رَكْعَتَي الطَّوَافِ خَلْفَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ؛ ففي صحيح مسلم عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}، وَ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون}
•وسبَبُ نزُولِ هَذِهِ السُّورَة:
قد جاء في السِّيَرِ: "أَنَّ رَهْطًا مِن قُرَيْشٍ قَالُوا: يا مُحَمَّدُ تَعْبُدُ آلِهَتنَا سَنَةً، ونَعْبُدُ إِلَهَكَ سَنَةً؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَة"
روى ابنُ أبي حاتم، والطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دَعَت قريشٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يُعطوه مالًا، فيكون أغنى رجل بمكَّة، ويزوِّجوه ما أراد من النساء، ويطؤوا عقبه، فقالوا: هذا لك عندنا يا محمد، وكُفَّ عن شتم آلهتنا ولا تذكرها بشَرٍّ، فإن بغضت فإنَّا نعرض عليك خصلةً واحدةً، ولك فيها صلاح، قال: ((وما هي؟))، قال: تعبد اللات والعزى سنةً، ونعبد إلَٰهَك سنةً، قال: ((حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي))، فجاء الوحي من عند الله عز وجل من اللوح المحفوظ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}، وأنزل الله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}
•وَمنَاسَبَةُ السُّورَةِ لِمَا قبلها ومَا بعدها:
•قبلها سُورَةُ الْكَوثَر: وفيها الأمر بشكر نعم الله تعالى بإقامة الصلاة، والذبح تقربًا إليه سبحانه؛ في قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}؛ والمعنى: اجعل صلاتك وذبحك لله وحده؛ لا لغيره كما يفعل المشركون.
•وفي سُورَةِ الْكَافِرُونَ: تأكيدٌ على هذا المعنىٰ؛ وهو إخلاصُ العبادة لله وحده، والبراءةُ من شرك المشركين وكفرهم.
•وَقَد افتتحها اللهُ تعالى بالأمر بالقَولِ؛ وهذا نوعٌ مِن أنوَاعِ فَوَاتِحِ السُّور؛ والسُّوَرُ المُفتتَحةُ بالأمرِ بالقَولِ خَمسُ سُوَرٍ: سورةُ الجِنِّ، وسورةُ الكافِرونَ، وسورةُ الإخلاصِ، والمُعَوِّذتانِ.
 
قَولُهُ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون}؛ أَيْ: قُلْ معلنًا ومصرِّحًا يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الْكُفَّارِ الْجَاحِدِينَ لِلْحَقِّ، الْمُشْرِكينَ فِي عِبَادَةِ اللهِ تعالى؛ 
•وهذا يَشملُ كُلَّ كافرٍ، سواءٌ كان مِن المُشرِكينَ، أو مِنَ اليَهودِ، أو مِنَ النَّصارى، أو مِن الشُّيوعيِّينَ، أو مِن غَيرِهم"؛ [تفسير ابن عثيمين جزء عم]
•تُعلِّمُنا هذه الآيةُ: عدم المُداهَنة فِي الدِّينِ، أو المجاملةِ، وَوُجُوبُ الْمُفَاصَلَةِ بَيْنَ أَهْلِ التَّوْحيدِ وَأَهْلِ الشِّرْكِ.
قَولُهُ: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون}؛ أَيْ: لاَ أَعْبُدُ الآن ولا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَان الَّتِي تَعْبُدُونها من دون الله.
•قال السعدي رحمه الله: "تبرأ مما كانوا يعبدون من دون الله ظاهرًا وباطنًا؛ كما قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُون} 
 
قَولُهُ: {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد}؛ أَيْ: وَلَا أَنْتُمْ مُتَّصِفُونَ بِعِبادَةِ مَا أَعْبُدُ الْآنَ؛ لعدم إخلاصكم لله في عبادته؛ فإن العبادةَ المقترنة بالشرك لا تُسمَّىٰ عبادةٌ.
قَولُهُ: {وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّم}؛ أي: مِنَ الْأَصْنَامِ؛ والسِّرُّ في التكرار:
قال السعدي رحمه الله: "ثم كرر ذلك ليدلَّ الأولُ علي عدم وجود الفعل، والثاني علي أن ذلك قد صار وصفًا لازمًا."
وقيل: أنَّ المعنَىٰ: نفيٌ للحالِ والمستقبلِ.
 
قَولُهُ: {وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد}؛ أي: مُسْتَقْبَلًا؛ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
 
قَولُهُ: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين}؛ لَكُمْ دِينُكُمْ؛ وهو الشِّرْكُ، وَلِيَ دِين؛ وَهُوَ الْإِسْلَامُ؛ وَهُوَ دينُ الحقِّ؛ كما قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}
•الدِّينُ الحق الذي ارتضاه الله تعالى لعباده من البشر والجن والملائكة؛ قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}
•وهو الدِّينُ الذي لا يقبل الله سواه؛ وما سواه من الأديان فهو باطل؛ قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
•وهو الدِّينُ الذي جاء به جميعُ الأنبياء والرُّسُل؛ فإن الأنبياء جميعَهُم دينُهُم الإسلام؛ قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
وقال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
 
نسألُ اللهَ العظيم أن يحفظَ لنَا دينَنا الذي هُو عِصمَةُ أمرِنا.
 
الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ: تَقرِيرُ عَقِيدَةِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ.
•أيُّهَا المُسلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، فإنَّ من أعظمِ فوائد هذه السورة المباركة سُورَة الْكَافِرُونَ: تَقرِيرُ عَقِيدَةِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ؛
•فإنَّ الولاء لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين؛ كما قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}
•والتَّوْحيدَ لَا يَسْتَقيمُ إِلَّا بِالْبَراءَةِ مِنَ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ؛ كَمَا قَالَ تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُون * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين}، وقال تعالى: {لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ}
•وَلِمَا لَا نتبرأُ منهم وقد تبرأَ اللهُ تعالى منهم، قبل أن يأمرنا بذلك؛ قال الله تعالى: {وأَذَانٌ مِنَ الله ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنّ اللهَ بَريءٌ مِنَ المشْرِكين ورَسُولُهُ} ؛ والمسلم يُوالي كلَّ مَنْ والاهُ الله تعالى، ويُعادي كلَّ مَنْ عاداه الله، ويتبرَّأ منه.
•وإظهار البراءة من المشركين هو منهج ودأب الأنبياء والمرسلين، ونحن مأمورون بالسير على طريقهم، ومنهجهم، والاقتداء بهم؛ قال تعالى عن هود عليه السلام: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}
•وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام؛ كنموذج تطبيقي لعقيدة الولاء والبراء: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} ؛ فذكر سبحانه وتعالى ثلاثة أمور في التعامل مع الكافرين: الأول: التبرؤ من الكافرين ومما يعبدونه. والثاني: الكفر بهم. والثالث: إظهار العداوة وإعلانها أبدًا حتى يؤمنوا بالله وحده.
•وفي هذه السورة أمرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلى الله عليه وسلم، بأن يتبرأ من الكافرين، ومن دينهم الباطل، ومما يعبُدونه من دون الله تعالى؛ قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}
•ولذلك أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من ينام أن يختم أذكار النوم بقراءة هذه السورة؛ فعن فروة بنِ نَوْفَلٍ، عن أبيه رضي الله عنه: أنَّهُ أتَى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، علِّمني شيئًا أقولُهُ إذا أوَيتُ إلى فِراشي، فقالَ: ((اقرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا؛ فإنَّها براءةٌ منَ الشِّركِ.))؛ [رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وصححه الألباني]
•وعقيدة الولاء والبراء من أوثق عرى الإيمان؛ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((أوثقُ عُرَى الإيمانِ: الحُبُّ في اللهِ، والبغضُ في اللهِ.))؛ [رواه أحمد، وحسنه الألباني]، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أنه: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الإيمان؟ قال: ((أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ.))؛ [رواه أحمد.]
•بل أنَّ العبدَ لن يصِلَ إلى كمال الإيمان ولن ينالَ ولايةَ اللهِ تعالى إلا بالولاء والبراء؛ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ.))؛ [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] قال المناوي رحمه الله: "فدلَّ هذا الحديث على أنَّ من لم يحب لله ويبغض لله لم يستكمل الإيمان.
•وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله؛ فإنما تنال ولاية الله بذلك."
 
نسأل الله العظيم أن ينصُرَ الإسلام والمسلمين، وأن يرفعَ راية الدِّين.
 
#سلسلة_خطب_الجمعة
#دروس_عامة_ومواعظ
(دعوة وعمل، هداية وإرشاد)
قناة التيليجرام:
https://t.me/khotp
 
 
 
المشاهدات 343 | التعليقات 1

.