خطبة بعنوان ( وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا )مختصرة
سعيد الشهراني
خطبة ( وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا )
سعيد سيف ال حلاش الشهراني-جامع عمر بن الخطاب-تندحة
الخطبة الأولى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ أنعمَ عَلَيْنَا بنعمٍ لَا تُعَدُ ولا تُحصَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نبيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
فيا إِخْوَةُ الْإِيمَانِ وَالْعَقِيدَةِ: اذكرُوا نِعَمة اللهِ عليكُم واسأَلُوه أنْ يُعِينَكم على شُكْرِه.
أيُّها المُسلِمون: حِينَ يَجُولُ البَصَرُ في الآفَاق؛ ويَتَأَمَّلُ المُتَأمِّلُ في البَرِّ الفَسِيح يرى كَمَالَ قُدْرَةِ الله، وعَظِيمَ إتْقَانِه، وبَدِيعَ صُنْعِه، وحُسْنَ خَلْقِه؛ فيَزْدَادُ القَلْبُ إيمَانا، وتَمْتَلِئُ النَّفْسُ بَهْجَةً ويقينا قال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، ولذلك اسْتَخْلَفَ اللهُ الإِنسَانَ في هَذهِ الأرض، وكلَّفَهُ بإعْمَارِهَا والمُحَافَظَةِ عَلَيها، قالَ تعالى (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، ونَهَاهُ جَلَّ وعَلا عَنِ الإفْسَادِ فِيهَا وتَخرِيبِها (وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، وقالَ النبيُّ ﷺ (إنَّ الدُّنيا حُلْوَةٌ خَضِرَة، وإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ مَاذَا تَعمَلُون)، فجَعَلَ سُبحَانَهُ بينَ الإنسَانِ وبِيئَتِهِ المُحِيطَةِ بهِ تَرَابُطًا لا يُمكِنُ الاسْتِغنَاءُ عنها، ودَعَاهُ لِحِمَايَتِهَا وإعْمَارِهَا، ونَهَاهُ عَنِ العُدْوَانِ عَليها، قالَ تعالى (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ)، وإذَا نَزَلَ الغَيْث، وطَابَتِ الأَجْوَاء، وجَرَتِ الأَوْدِيَة؛ دَخَلَ علَى النَّاسِ السُّرُورُ والبُشْرى؛ (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) فيَخْرُجُ النَّاسُ للتَّنَزُّهِ والفُرْجَةِ والبَهْجَة (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج).
ولِلتَّنَزُّهِ يا عِبادَ الله آدَابٌ وأحَكَام، مِنهَا: المُحَافَظَةُ علَى الأرضِ وبيئتِها؛ بأَشْجَارِهَا ومَرَاعِيهَا، وأَزْهَارِهَا ومَرَافِقِهَا، وعَدَمُ قَطْعِهَا أوِ الاعْتِدَاءِ عَلَيها، أو إشْعَالِ النَّارِ إلَّا في الأمَاكِنِ المَسْمُوحِ بها، وإطْفَاؤهَا قبلَ النَّومِ وعِنْدَ مُغَادَرَةِ المَكَان؛ حِفْظًا للأرْوَاح، ومَنْعًا للحَرَائق، ودَفْعًا للأذَى عَنِ النَّاسِ والبَهَائِمِ والشَّجَر؛ ويجب الحِرصُ علَى عَدَمِ تَلْوِيثِ المُتَنَزَّهَاتِ بالمُهْمَلاتِ والمُخَلَّفَات، واسْتِشْعَارُ مَا يَتَرَتَّبُ علَى تَرْكِهَا مِنْ إفْسَادٍ وإيذَاءٍ للنَّاس، وتَرْكُ المُخَلَّفَاتِ أو رَمْيُهَا في غَيرِ الأمَاكِنِ المُخَصَّصَةِ لها: دليل عَلَى الجَهْل، وقِلَّةِ العِلْم، وفَسَادِ الذَّوْقِ والطَّبْع، ومِنْ رَحْمَةِ اللهِ وفَضْلِه: أنْ جَعَلَ إمَاطَةَ الأذَى عَنِ النَّاس مِنْ أسبَابِ دُخُولِ جَنَّتِهِ والفَوْزِ بِرِضَاه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ؛ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ طَرِيقٍ، كانَتْ تُؤْذِي النَّاس) رواهُ مسلم، ومِنَ الآدَاب: اخْتِيَارُ المَكَانِ الآمِنِ مِنَ الأخْطَارِ والأَضْرَار، والحَذَرُ مِنْ قَطْعِ الشِّعَاب، وخَوْضِ الأَوْدِيَةِ ومجَارِي المِيَاهِ بالسَّيَّارَةِ أثنَاءَ الأمْطَار؛ لِمَا في ذَلِكَ مِنْ تَعْرِيضِ النَّفْسِ والمَالِ والأَهْلِ للتَّهْلُكَةِ والتَّلَف.
قلت ما سمعتم وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحَمدُ للهِ وحدَه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَنْ لا نبيَّ بعدَهُ.
أَمَّا بَعدُ: اتقوا الله واعلموا أن مِنْ شُكْرِ المَوْلَى عَلَى نعمِهِ، عَدَمُ الإفْسَادِ في أَرْضِهِ ، قالَ صَالِحٌ لِقَوْمِه: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، ومِمَّا يُشْرَعُ حَالَ الخُرُوجِ لِلتَّنَزُّه: ذِكْرُ دُعَاءِ نُزُولِ المَنْزِلِ أوَّلَ وُصُولِه، كمَا في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ خَوْلةَ بنتِ حَكيمٍ رضي اللهُ عنها أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَال: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَق، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِك)، وَاعْلَمُوا رحمكم الله أَنَّ مَا تُصْدِرُهُ اَلدَّوْلَةُ اَلْمُبَارَكَةُ مِنْ أَنْظِمَةٍ بِمَا يَخُصُّ اَلْمُحَافَظَةُ عَلَى اَلْبِيئَةِ هُوَ تَحْقِيقٌ لِغَايَةِ شَرْعِيَّةٍ وَمَصْلَحَةٍ مُتَحَقِّقَةٍ بِإِذْنِ اَللَّهِ تَعَالَى؛ فَحَافِظُوا عَلَى بِيئَتِكُمْ، وَكُونُوا مِمَّنْ يَغْرِسُ وَلاَ يَقْطَعُ، وَيُصْلِحُ وَلاَ يُتْلِفُ، وَيَبْنِي وَلاَ يَهْدِمُ، وَيُحْسِنُ وَلاَ يُؤذِي، مِفْتَاحَ خَيْرٍ، مِغْلاَقَ شَرٍّ.
هذا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد ....(الدعاء مرفق)
المرفقات
1767766803_خطبة بعنوان ( وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا )مختصرة.docx