دروس من معجزة الإسراء والمعراج

د.عبدالحميد المحيمد
1447/07/28 - 2026/01/17 20:11PM

 

إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله  اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .

عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)

أيها الأحبة في اللَّه، العِبرة والدروس والمقاصد من المعجزات التي يؤيِّد اللَّه بها أنبياءه أنها تكون برهانًا على صدقهم، وأنها تزيد أتباعهم إيمانًا ويقينًا، وأنها ثابتة باقية؛ لأن اللَّه عز وجل قد نصرهم وأيَّدهم بها، فيصدِّق بها المؤمن، ويتعظ، ويستخلص العبر، ويوقن بأن اللَّه عز وجل لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

ومنذ أكثر من أربعة عشر قرنًا وقعت معجزة عظيمة للنبي عليه الصلاة والسلام، وقد سبقها سلسلة من الشدائد والكروب التي ألمَّت به صلى اللَّه عليه وسلم، حتى أصبح لا يستطيع الخروج من مكة لتبليغ شرع اللَّه؛ إذ إنه بعد أن قصد الطائف وأقام عندهم شهرًا لم يستجيبوا لدعوته، بل قابلوه بالأذى فرموه بالحجارة وآذوه، فلم يؤمنوا به صلى اللَّه عليه وسلم، فعاد إلى مكة منكسر الفؤاد، ولم يتمكَّن من دخولها إلا في جوار المطعم بن عدي، وكان من المشركين.

ثم قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: لا تخرج ولا تسفِّه أحلامنا، فحينئذٍ اشتد عليه الأمر وضاق به الحال، وكان في انتظاره شأن عظيم، ليست رحلة أرضية فحسب، بل رحلة تجاوزت السماوات العُلى. قال أهل العلم: إن معجزة الإسراء والمعراج وقعت قبل الهجرة بعام، وقيل قبلها بعام ونصف، وقيل إنها كانت في شهر ربيع الأول، وقال بعض أهل العلم: بل كانت في شهر رجب، وقد اختلفوا في تحديد زمانها.

فما الدروس والعبر التي نستفيدها من هذه الحادثة، ومن هذه المعجزة العظيمة؟ إن المؤمن ينبغي له ألا ييأس ولا يستسلم، فإن فرج اللَّه قريب، وكلما اشتد الكرب فاعلم أنك قد دنوت من الفرج، ولذلك قال أهل العلم في القاعدة الشرعية: إذا ضاق الأمر اتسع.وكذلك فإن المسلم يصبر على الأذى، ولا يفرِّط في دينه مهما لقي من الأذى.

عندما انطلق النبيُّ عليه الصلاة والسلام في حادثة الإسراء، وأُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وجد ريحًا طيبةً في الليل.ريحٌ تنبعث، وهو على البراق بصحبة جبريل عليه السلام.

فقال صلى الله عليه وسلم لمَّا كانت اللَّيلةُ الَّتي أُسْرِيَ بي فيها أتتْ علَيَّ رائحةٌ طيِّبةٌ، فقلْتُ: يا جِبريلُ، ما هذه الرَّائحةُ الطَّيِّبةُ؟ فقال: هذه رائحةُ ماشطةِ ابنةِ فِرعون وأولادِها، قال: قلتُ: وما شأنُها؟ قال: بيْنما هي تَمشُطُ ابنةَ فِرعون ذاتَ يومٍ إذ سقَطتِ المِدْرى مِن يَدَيها، فقالتْ: باسمِ اللهِ، فقالتْ لها ابنةُ فرعونَ: أبي، قالت: لا، ولكنْ ربِّي وربُّ أبيكِ اللهُ، قالت: أُخْبِرُه بذلك؟ قالت: نعمْ، فأخبرتْه، فدعاها، فقال: يا فلانةُ، وإنَّ لكِ ربًّا غيري؟! قالت: نعمْ، ربِّي وربُّكَ اللهُ، فأمَرَ ببَقرةٍ مِن نُحاسٍ فأُحْمِيَتْ، ثمَّ أمَرَ بها أنْ تُلقى هي وأولادُها فيها، قالت له: إنَّ لي إليكَ حاجةً، قال: وما حاجتُكِ؟ قالت: أُحِبُّ أنْ تَجمَعَ عِظامي وعظامَ ولدي في ثَوبٍ واحدٍ وتَدفِنَنا، قال: ذلكِ لكِ علينا مِن الحقِّ، قال: فأمَرَ بأولادِها فأُلْقوا بيْن يَدَيها واحدًا واحدًا، إلى أنِ انتَهى ذلك إلى صَبيٍّ لها مُرضَعٍ، وكأنَّها

تَقاعَسَتْ مِن أجلِه، قال: يا أُمَّه اقتَحِمي؛ فإنَّ عذابَ الدُّنيا أهونُ مِن عذابِ الآخرةِ، فاقتحَمَتْ.

صبروا على هذه الشدّة، فكانت رائحتهم يشمّها النبي عليه الصلاة والسلام بعد سنوات من وفاتهم.

الدرس الثاني، والعبرة الثانية: أن المؤمن يتجنب الغيبة والنميمة،  لماذا ؟

لان النبي عليه الصلاة والسلام قال: لَمَّا عُرِجَ بي مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ مِن نُحاسٍ يخْمِشون وجوهَهم وصدورَهم, فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هؤلاء الَّذين يأكُلون لحومَ النَّاسِ، ويقَعون في أعراضِهم.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام رَأَيتُ لَيلةَ أُسريَ بي رَجُلًا يَسبَحُ في نَهرٍ ويُلقَمُ الحِجارةَ، فسَأَلتُ: ما هذا؟ فقِيلَ لي: آكِلُ الرِّبا.

فاحذر إذًا من الغيبة والنميمة والربا.

وفي هذه الحادثة نعلم درسًا عظيمًا: لماذا كان الإسراء والمعراج من المسجد الحرام إلى الأقصى ثم إلى السماوات العُلى؟ لماذا لم يتم مباشرةً من المسجد الحرام إلى السماوات العُلى؟

حتى نعلم مكانة بيت المقدس؛ فقد مر به النبي عليه الصلاة والسلام، وصلى به إمامًا للأنبياء، وهو إمامهم وهم يصطفون خلفه، جمعهم اللَّه عز وجل خلف النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا دليل على إمامته ورئاسته للأنبياء ولِبني آدم صلى اللَّه عليه وسلم، ثم عُرِج به إلى السماوات العُلى، وهناك كان في كل سماء من ينتظره ويرحّب به، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يجد الترحيب من الملائكة والأنبياء، فيرحّب به آدم ثم يرحّب به باقي الأنبياء، إلى أن بلغ النبي عليه الصلاة والسلام السماء السابعة، وهناك رأى جبريل على حقيقته، ثم رأى نورًا صلى اللَّه عليه وسلم، وكلمَه اللَّه تكليمًا.

ولما نزل النبي صلى اللَّه عليه وسلم أخذ هديةً لأمّته: هذه الصلوات التي تؤدونها.

سُئِل النبي صلى اللَّه عليه وسلم من الصحابة، فقالوا: «يا رسول اللَّه، هلْ رأيتَ ربَّك؟» فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «نورٌ أنى أراه»، وقال: «ورأيت نورًا».

لو كنا اليوم بلا صلاة، فكيف نجتمع في بيت اللَّه؟ لو كنا اليوم بلا صلاة، فكيف نَتطهّر من الذنوب؟ لو كنا اليوم بلا صلاة، فكيف نُناجي ربنا؟

فأُعطي النبي صلى اللَّه عليه وسلم خمسين صلاة، ثم خُفِّفت إلى خمس صلوات.

قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "ففَرَضَ عَلَيَّ خَمْسينَ صَلاةً في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ"، أي: أَمَرهُ اللهُ عزَّ وجلَّ بعدَ ما بَلَغَ في صُعودِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في السَّمَواتِ ما بَلَغَ؛ بالصَّلاةِ، وعَدَدُها خَمْسونَ في اليَوْمِ الواحِدِ، "فنَزَلْتُ إلى موسى"، أي: بعدَ ما أَخَذَ عن اللهِ ما فَرَضَهُ عليه، وعلى أُمَّتِهِ من صَلاةٍ، فقال موسى عليه السَّلامُ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "ما فَرَضَ رَبُّكَ على أُمَّتِكَ؟ قلتُ: خَمْسينَ صَلاةً، قال: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفيفَ"، أي: أَنْ يُخفِّفَ عليك مِنْ عَدَدِ الصَّلَواتِ ويُنْقِصَها عَنِ الخَمْسينَ، "فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطيقُ ذلك"، أي: لا تَقْوَى عليها، ولَنْ تَقْدِرَ أنْ تَقومَ بها، "فإنِّي قد بَلَوْتُ بني إسْرائيلَ وخَبَرْتُهم"، أي: يُحاوِلُ أنْ يُغيِّرَ فيهم إلى أَنْ يُؤَدُّوا ما فُرِضَ عليهم بكُلِّ جُهْدٍ ومَشَقَّةٍ،

"فرَجَعْتُ إلى رَبِّي، فقلتُ: يا رَبِّ خَفِّفْ عن أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فرَجَعْتُ إلى موسى، فقلتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قال: إنَّ أُمَّتَكَ لا يُطيقونَ ذلك، فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفيفَ، فلم أَزَلْ أَرْجِعُ بين ربي وبين مُوسَى، حتى قال"، أي: قال اللهُ سُبْحانهُ "يا مُحَمَّدُ إنَّهن خَمْسُ

صَلَواتٍ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ لِكُلِّ صلَاةٍ عَشْرٌ، فذلك خَمْسونَ صَلاةً"، أي: أنَّ كُلَّ صَلاةٍ من الخَمْسِ بِعَشْرِ دَرَجاتٍ، فتَعْدِلُ الخَمْسُ أداءَ الخَمْسينَ في الأَجْرِ، ثم قال اللهُ عزَّ وَجَلَّ: "ومَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبَتْ له حَسَنَةٌ، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ له عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بسَيِّئَةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ شيئًا، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ سَيِّئَةً واحِدَةً"، أي: وكان هذا مِنَ التَّكاليفِ التي أوْحاها اللهُ عزَّ وجلَّ وكلَّف بها نبيَّهُ، وهو فضْلٌ منَ اللهِ سُبْحانهُ لأُمَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "فنَزَلْتُ حتى انْتَهَيْتُ إلى موسى، فأَخْبَرْتُهُ، فقال: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفيفَ، فقلتُ: قد رَجَعْتُ إلى رَبِّي حتى اسْتَحْيَيْتُ منه".

تخيّل اليوم خمس صلوات، والناس يجدون فيها مشقّة، فكيف بخمسين صلاة؟

لكن اللَّه رحيم بنا، واللَّه يريد أن يتوب علينا، واللَّه يريد أن يدخلنا الجنة، فنسأل اللَّه أن يغفر لنا، إنه هو التواب الرحيم.

أقول ما تسمعون، وأستغفر اللَّه.

 

الخطبة الثانية

 

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

خمسون صلاة خُفِّفت إلى خمس صلوات، فخففت في العمل، ولكن الأجر هو أجر خمسين صلاة. وهذه من مزايا الأمة: أن تصلي خمس صلوات بأجر خمسين صلاة.

والنبي عليه الصلاة والسلام عندما قال له موسى: «فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك» بعد أن خُفِّفت الصلاة إلى خمس صلوات، قال: «سألت ربي حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي ".

فالصلاة خفيفة: خمس صلوات تؤديها على قدر المستطاع، قائمًا أو قاعدًا أو على الكرسي أو مضطجعًا، في فلاتك أو في باديتك، حيثما كنت تؤدي هذه الصلاة.

فابشروا بالخير، وتذكروا هذه المعجزة العظيمة، وخذوا منها الدروس، وتذكروا نبيكم عليه الصلاة والسلام وكيف جاهد حتى يبلغكم هذا الدين، فأكثروا من الصلاة والسلام عليه.

اللَّهم صلِّ على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.

اللَّهم اجعلنا شاكرين، اللَّهم اجعلنا تائبين، اللَّهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللَّهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وكفّر سيئاتنا، واشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وعافِ مبتلانا.

اللَّهم فرّج عنا وعن المكروبين، اللَّهم فرّج عنا وعن الضعفاء المساكين، اللَّهم ادفع الجوع والبرد، اللَّهم ادفع الجوع والبرد عن أهل غزة والمسلمين في كل مكان.

اللَّهم اسقِنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللَّهم اغث البلاد والعباد سقيا رحمة لا سقيا عذاب، تحيي بها الزرع وتدر بها الضرع، وتجعلها رحمةً لنا يا رحمن يا رحيم، اللَّهم اغثنا، اللَّهم اغثنا، اللَّهم اغثنا.

وصلى اللَّه على نبينا محمد.

د.عبد الحميد المحيمد 

المرفقات

1768669961_دروس من معجزة الإسراء والمعراج.pdf

المشاهدات 87 | التعليقات 0