دعوة لتيسير الزواج
الشيخ عبد الله بن علي الطريف
دعوة لتيسير الزواج 1447/8/4هـ
أما بعد أيها الإخوة: اتقوا الله حق التقوى، واشكروه (أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) واعلموا أنَّ الزواجَ نعمةٌ من نعم الله، وآيةٌ من آياتِهِ.. وقد حث عليه الشارعُ الحكيم ورغَّبَ فيه فقال: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [النور:32]..
ولما ابتعد الناس عن أمر الله -تَعَالَى- وهدي رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: وما عليه سلف الأمة صار الزواج صعبًا وعسيرًا على كثير من الشباب، وربما أعرض عنه بعضُهم بسبِ ما اختُلِقَ حوله من أباطيل.. وما انفكت أمةٌ عن تاريخِها، وانقطعت عن التأسي بسلفها الصالح إلا وتركت من الخير بقدر ما أصابت من الشر..
والنِّكاحُ من سنن الله تعالى الكونيَّة في جميع الموجودات، ليس خاصًّا ببني آدم، قال تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).. [الذاريات:49]، وقال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) [يس:36]..
والزواج سنةٌ من سنن المرسلين -عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً). [الرعد:38]، وجعل -تَعَالَى- الزواج آيةً من آياته فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً). [الروم:21]. قال الشيخ السعدي رحمه الله: (وَمِنْ آيَاتِهِ) أي الدالة على رحمته وعنايته بعباده، وحكمته العظيمة وعلمه المحيط، (أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) تناسبكم وتناسبونهن وتشاكلكم وتشاكلونهن (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) بما رتب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة.. فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة..
والزواج طريقٌ للعفاف وصيانة الأعراض، وسببٌ لاستقرار المجتمع، وفيه حفظٌ للدين وتحقيقٌ لمقاصدِ الشريعة في حفظِ النسلِ والأخلاقِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ) رواه البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-..
أيها الإخوة: والإسلام دين اليسر والتيسير، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» وفي رواية «وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا». رواه البخاري ومسلم عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.. «يَسِّرُوا» أمر بالتيسير، وهو الأخذ بما هو أسهل، لينشط الناس في العمل. «سَكِّنُوا» من التسكين، ضد التحريك، والمراد إدخال الطمأنينة والهدوء على النفس.. وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.». رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-. في هذين الحديثين دعوة للتيسير ونهي عن التعسير، وتحميل للأب والأم مسؤولية من تحت أيدهم من البنين والبنات، سواء كانا والدا الرجل أو المرأة، فالكل مدعو للتيسير، ومحمل لمسؤوليةِ مَنْ تحت يده من البنين والبنات.. قال الشيخ ابن باز -رَحِمَهُ اللهُ-: "الشرع المطهر لم يحدد في المهر شيئًا معلومًا، بل أطلق للناس ما يتفقون عليه من المهور، قليلةً أو كثيرة.. لكن الشارع رغب في التقليل والتيسير ترغيبًا في النكاح، وعفة الرجال والنساء.. ومن ذلك قَوْلُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وكذلك صححه الألباني عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وزَوَّجَ بناتِهِ على خمسمائة، وتزوج على خمسمائة، وروي أنه زَوَّجَ بناتِه على أربعمائة، فالمقصود أنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- كان يحث على تخفيف المهور وتيسيرها، ولم يغال فيها لا مع أزواجه، ولا مع بناته -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَلَامُ- فالمشروع للمؤمن أن يخفف وألاّ يتكلف في ذلك، ولكن الأوقات تختلف في الغلاء والرخص، وتَيَسُّرِ الحاجاتِ وعدم تيسُّرِها.. فيشرع لأهل الزواج أن يتفقوا على شيءٍ مناسبٍ، ليس فيه إجحافٌ بالزوج، ولا مضرةٌ على الزوجة، ولا تعطيل للنساء والشباب.. وكلما كان ذلك أيسر، وأقل كان أفضل، حتى يتيسر للجميع حصول النكاح".. انتهى "فتاوى نور على الدرب" (20/426).
ومن تيسير الزواج ترك العادات المخالفة للشرع، وعدم الإسراف في الحفلات، والمبالغة في تكاليف الزواج، وهذا مخالفٌ لهدي النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- ومن التبذير المذموم شرعًا، وسببٌ لوقوع الشباب في الديون والهموم، وعزوف كثيرٍ منهم عن الزواج.
معاشر الإخوة: وعضل النساء [وهو منع المرأة من الزواج إذا خطبها الكفء] قال عنه سماحة الشيخ ابن باز -رَحِمَهُ اللهُ-: "لاشك أن الواجب على ولي البنات والأخوات ونحوهن أن يتقي الله، وأن يحرص على تزويجهن بالكفء إذا حصل، وألا يعضلُهن لِـحَظٍ من الحظوظ؛ كالرغبة في خدمتهن، أو موتهن؛ لأن لهن مالًا حتى لا يشاركه أحد في المال، أو ما أشبه ذلك من المقاصد الخبيثة، بل الواجب على الولي أن يبادر بتزويج المرأة إذا خطبها الكفء؛ لأنه رُوْيَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»". رواه ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وحسنه الألباني. أهـ وإذا عضل الرجل موليته ومنعها من الكفء سقطت ولايته ويولي الحاكم الشرعي غيره من الأولياء.. أسأل الله تعالى أن يوفق المتزوجين، ويرزق الأيامى والعازبين أزوجًا صالحين.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد...
الخطبة الثانية:
أيها الإخوة: إن انتشار ثقافة الإعراض عن الزواج وهي تشير إلى حياة العزوبية، والعيشِ مستقلًا بغير زواج، والدعوة لتركيز الفرد على ما ينمي شخصيته واستقلاله، والدعوة لتكوين شبكات اجتماعية تدعم ذلك.. من البلاء المستطير.. ووصل بدعاة العزوبية ومعظميها أن حددوا يومًا عالميًا للعزوبية.. وتعدى الأمر إلى أكبر من ذلك فبرزت في هذا العصر دعوة ضالة جديدة، وهي الفخر بالعزوبية والعنوسة.. وانتشر في مواقع التواصل الاجتماعي بكل أسف مقاطع تدعو وتؤيد البقاء عازبًا أو عانسًا، وصوروا هذا الانحراف بأنه أفضل من الزواج والاستقرار العائلي، وشوهوا الزواج باختلاق نُكَتٍ باردة، وبالغوا في ذلك بصورٍ باهته، وخلطوا بين التجارب الفردية الفاشلة والحقيقة الشرعية للزواج وغيبوا الغايات الكبرى للزواج وضخموا تفاصيل صغيرة لا اعتبار لها..
أحبتي: إن إحياء الاعتقاد بأَنَّ الزواج سنة كونية ومطلب شرعي كبير، ثم طرحه بأدلته سيعيد بإذن الله للزواج معناه كـميثاق غليظ يقوم على السكن والمودة والرحمة.. ولو أدرك دعاة العزوبية الغاية الكبرى من الزواج، لما أعرضوا عنه، بل لتسابقوا إليه.. لكنهم أنزلوه عن مقامه السامي، وظلموه مرتين: مرّةً حين اختصروه بمجرد حفلة عرس ومظاهر فارغة.. ثم بتشويهه، حين جعلوه منبعًا للمشكلات. وزادوا ظلمًا ثالثًا حين أسقطوا نقائصَهم وفشلَهم عليه مع أنَّ الخللَ فيهم وليس في الزواج.
ومما يعين على صد هذا التوجه ويُكثرُ الزواج إعانةُ الراغبين في الزواج، وهو عمل مشروع أفتى أهل العلم بصرف الصدقات والزكاة للراغبين فيه إذا كانوا من أهلها، لأن إعفاف الشباب من أعظم القربات، وأثره لا يقتصر على الفرد، بل يتعداه إلى المجتمع بأسره.. وفقنا الله لطاعته وجعلنا هداة مهتدين..