دينُ الكمالِ والجمالِ ( مناسبة للتعميم)
د. سلطان بن حباب الجعيد
دِينُ الكَمَالِ وَالجَمَالِ
الحمدُ للهِ القويِّ المتينِ، الذي أكملَ لنا الدِّينَ، وجعلَنا شهداءَ على العالمينَ. والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِ الأوَّلينَ والآخرينَ، الذي بُعِثَ رحمةً للعالمينَ، صلاةً وسلامًا دائمينِ، حتى يبعثَ اللهُ الثقلين.
أيُّها الناسُ، أُوصيكم بتقوى اللهِ، وصيَّةِ اللهِ للأوَّلينَ والآخرينَ، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
وبعدُ: أيُّها المؤمنونَ، إنَّكم تدينونَ للهِ بدينٍ عظيمٍ، هو طريقُ اللهِ المستقيمُ، الذي مَن سلكه جنَّبه عذابَ الجحيمِ، وأوصله إلى دارِ النعيمِ.
أنارَ اللهُ بأحكامِه كلَّ مناحي الحياةِ، فأكملَه اللهُ بذلك لعبادِه، ورضِيَه لهم، فتمَّت بذلك النعمةُ عليهم، قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فحريٌّ بنا أن نستشعرَ هذه النعمةَ، ونذكرَها، ونشكرَ اللهَ عليها، ونعرفَ قدرَها، فتلهجَ ألسنتُنا بهذا الدعاء:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
إنَّ هذا الدِّينَ – معشرَ الإخوةِ – لم يأتِ ليعمرَ الآخرةَ فقط، بل ليعمرَ الدنيا والآخرةَ. فما من أمرٍ فيه صلاحٌ للناسِ في دينِهم ودنياهم إلَّا أمرَ به، ولا أمرٍ فيه فسادٌ لهم في دينِهم ودنياهم إلَّا ونهى عنه.
فأنتم تلحظونَ أنَّه ما من أمرٍ مهما صغرَ إلَّا وفيه حكمٌ للهِ، شأنُه في ذلك كشأنِ الأمرِ العظيمِ.
فَشرْعُ اللهِ ودينُه جاءَ بالأحكامِ التي تنظِّم علاقةَ العبدِ بربِّه، وبزوجِه وولدِه، وبحيِّه وجيرانِه، وبرحمِه وأقاربِه، وبمجتمعِه المسلمِ، بل وبالمجتمعِ الإنسانيِّ عمومًا.
فالدِّينُ الذي جاءَ بأحكامِ الدولةِ، والاقتصادِ، والنكاحِ، هو الدِّينُ الذي جاءَ بآدابِ اللِّباسِ، والطعامِ والشرابِ، وقضاءِ الحاجةِ، لا فرقَ، سواءً بسواءٍ.
فالمسلمُ منذُ أن يُولَدَ، وهو يتقلَّبُ في أحكامِ اللهِ وشرعِه، في كلِّ أحوالِه، حتى يموتَ، فإذا ما ماتَ شيَّعته هذه الأحكامُ حتى يُودَعَ في قبرِه.
ميزةٌ غصَّ بها الأعداءُ، ورأوا فيها ما يقدحونَ به في الإسلامِ، ونرى فيها – وكذلك كلُّ منصفٍ – أنَّها من دلالاتِ كمالِه وربانيَّتِه.
عن سلمانَ رضيَ اللهُ عنه، قال: قال لنا المشركونَ: قد علَّمكم نبيُّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كلَّ شيءٍ حتى الخِراءةَ! قال: فقال: أجلْ، لقد نهانا أن نستقبلَ القبلةَ لغائطٍ أو بولٍ، أو أن نستنجيَ باليمينِ، أو أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ، أو أن نستنجيَ برجيعٍ أو بعظمٍ. [أخرجه مسلم].
فالحياةُ كلُّها محرابٌ للمسلمِ يتعبَّدُ اللهَ فيه؛ فإذا دخلَ المسجدَ كان عبدًا للهِ بصلاتِه، وإذا عبرَ الشارعَ كان عبدًا للهِ بانضباطِه، وإذا دخلَ بيتَه كان عبدًا للهِ بحسنِ معاشرتِه، وإذا دخلَ متجرَه كان عبدًا للهِ بأمانتِه وصدقِه، وإذا دخلَ حيَّه كان عبدًا للهِ بصنعِ المعروفِ لجيرانِه وكفِّ الأذى عنهم، وإذا كان حاكمًا كان عبدًا للهِ بعدلِه وتطبيقِ شرعِه، وإذا كان محكومًا كان عبدًا للهِ بنصحِه وإخلاصِه وطاعتِه في المعروفِ.
فكلُّ شيءٍ مهما بدا لك أنَّه من أمورِ الدنيا، فإنَّ الإيمانَ يحيطُ به، ويمكنُ للمسلمِ أن يعبدَ اللهَ به.
قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
«الإيمانُ بضعٌ وسبعونَ شعبةً، أعلاها قولُ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ». [أخرجه مسلم].
وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
«إنَّك لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ عزَّ وجلَّ إلَّا أُجِرتَ بها، حتى ما تجعلُ في فِيِّ امرأتِك». [متفقٌ عليه].
وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
«… وأمرٌ بالمعروفِ صدقةٌ، ونهيٌ عن منكرٍ صدقةٌ، وفي بُضعِ أحدِكم صدقةٌ!» قالوا: يا رسولَ اللهِ! أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكونُ له فيها أجرٌ؟! قال: «أرأيتم لو وضعَها في حرامٍ أكان عليه فيها وزرٌ؟» قالوا: بلى. قال: «فكذلك إذا وضعَها في الحلالِ كان له فيها أجرٌ». [أخرجه مسلم].
فهذا دينُكم – يا رعاكمُ اللهُ – بهذه الشموليَّةِ والكمالِ، لم يتركِ اللهُ فيه شيئًا بلا أثَارَةٍ من نورٍ وحكمةٍ، ولم يتركْ فيه شيئًا لأهواءِ البشرِ تعصفُ به وتتحكَّمُ فيه.
فلا رهبانيَّةَ تنتزعُ من الإنسانِ دنياه، ولا علمانيَّةَ تنتزعُ منه آخرتَه.
شمولٌ وكمالٌ خصَّه اللهُ به، وجعلَه معلَمًا يراه المنصفُ حتى لو لم يكن مسلمًا ويُشيدُ به.
أخرجَ البخاريُّ: «أنَّ رجلًا من اليهودِ قال لعمرَ رضيَ اللهُ عنه: يا أميرَ المؤمنينَ، آيةٌ في كتابِكم تقرؤونَها، لو علينا معشرَ اليهودِ نزلتْ، لاتَّخذنا ذلك اليومَ عيدًا. قال: أيُّ آيةٍ؟ قال: ﴿اليومَ أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ دينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال عمرُ: قد عرفنا ذلك اليومَ والمكانَ الذي نزلتْ فيه على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو قائمٌ بعرفةَ يومَ جمعةٍ».
فالحمدُ للهِ الذي أتمَّ علينا النعمةَ، وهدانا للإسلامِ، وما كنَّا لنهتديَ لولا أن هدانا اللهُ.
أقولُ ما تسمعونَ، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.
الثانية
وبعدُ: أيُّها الإخوةُ الكرامُ، ومن كمالِ الإسلامِ وشموليَّتِه، أنَّه دينٌ حثَّ على التمدُّنِ والتحضُّرِ، ونهى عن كلِّ ما من شأنِه أن يقدحَ في الصورةِ المثلى للمجتمعِ المسلمِ.
ورغَّبَ المسلمينَ أن يُبادروا للأخذِ بكلِّ ما يجعلُهم في مصافِّ الأممِ المتحضِّرةِ والمتقدِّمةِ.
وعندما فهمَ المسلمونَ الأوائلُ الدِّينَ بشموليَّتِه، وأخذوه بقوَّةٍ، شيَّدوا حضارةً لا مثيلَ لها. فشهدَ تاريخُهم عواصمَ وحواضرَ، كانت منارةً للعلمِ والصناعةِ والعمرانِ والتقدُّمِ والازدهارِ.
وإنَّه ممَّا يؤسفُ له اليومَ، أن نرى مظاهرَ في بلدانِ المسلمينَ، ممَّا يتناقضُ مع طبيعةِ دينِهم المدنيَّةِ والحضاريَّةِ.
مؤسفٌ أن نرى شوارعَ قد امتلأتْ بالقاذوراتِ، ورسولُنا عليه السلامُ قد بيَّنَ لنا أنَّ إماطةَ الأذى عن الطريقِ من شعبِ الإيمانِ، وصدقةٌ يتصدَّقُ بها المرءُ على نفسِه.
ومؤسفٌ أن نرى الطُّرقاتِ أضحتْ مكانًا للجلوسِ والتجمُّعِ والفوضى والضجيجِ، ورسولُنا عليه السلامُ قد قال:
«إيَّاكم والجلوسَ في الطرقاتِ». قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما بدٌّ لنا من مجالسِنا نتحدَّثُ فيها. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إن أبيتم فأعطوا الطريقَ حقَّه». قالوا: وما حقُّ الطريقِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «غضُّ البصرِ، وكفُّ الأذى، وردُّ السلامِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ». [البخاري].
ومؤسفٌ أن نرى عبثًا بكلِّ مقوِّماتِ الحياةِ على الأرضِ، واللهُ يقولُ:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].
وعمومًا، من المؤسفِ أن نرى قصورًا في الذوقِ والجمالِ عند المسلمينَ، في اللِّباسِ، والمساكنِ، والمدنِ، والطرقاتِ، والمنتزهاتِ، والمرافقِ العامَّةِ، ورسولُنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ:
«إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ». [مسلم].
وليعلمِ المسلمُ أنَّ من المنكراتِ ما يمكنُ أن نُسمِّيه بالمنكراتِ الحضاريَّةِ، التي تخدشُ صورةَ الإسلامِ الجميلةَ، فإيَّاك أن تقعَ فيها، وعليك أن تُنكرَ على من تلبَّسَ بها، حتى نحافظَ على رُقِيِّنا وتمدُّنِنا، والذي قد يفتحُ اللهُ به قلوبًا للإسلامِ عند من يعظِّمُ مثلَ هذه الأمورِ ويستحسنُها، فلنكن دعاةً للهِ بجمالِنا وحضاريَّتِنا.
هذا، وصلُّوا وسلِّموا ..
المرفقات
1767852897_دين الكمال والجمال ( وورد).docx
1767852897_دين الجمال والكمال ( pdf).pdf