رحلة التشريف والتكريم
سامي بن محمد العمر
رحلة التشريف والتكريم
أما بعد:
ماذا يعني هذا؟
ماذا يعني - لحدثٍ واحدٍ - أن تتعطلَ أو تتبدلَ قوانينُ المكانِ والزمان؟
ماذا يعني أن تصلَ لما لم يصل إليه كائنٌ مَن كان؟
ماذا يعني أن تُكرَّم وأنت في قمةِ الحزن؟
ماذا يعني أن تُنصرَ وأنت في قمةِ الضعف؟
ماذا يعني أن تُرتبَ لك رحلةُ تسليةٍ واطمئنانٍ لم تُرتب لأحد قبلك ولن تُرتب لأحدٍ بعدك؟
ماذا يعني هذا؟
حين يكون في مجابهة العالمِ كلِّه الذي يكيدُ له، ويمكرُ به، ويُضيِّق عليه، ولم يكن له مأوىً يأوي إليه - بعد الله - سوى زوجةٍ حنونٍ لا قدرة لها إلا المواساةُ والتصبير، وعمٍّ شفيقٍ يُدافع ويهددُ ويتوعدُ لكنه يرى أن الكثرةَ تغلب الشجاعة وأن الأمرَ صعبٌ على ابنِ أخيه.
في ذلك الحين ماتَ العمُّ والزوجةُ؛ وخلا الجوُّ للأعداء المتربصين؛ أفلا يكون المفجوعُ في قمةِ الحزن؟ وقمةِ الضعف؟
بلى؛ ولكنني أتحدث عن محمد صلى الله عليه وسلم.
أتحدثُ عن أحبِّ خلقِ الله إلى الله، وأشرفِهم منزلةً لديه؛ وهل يَتَصورُ عاقلٌ أن يتركه ربُّه في هذا الضيقِ دون نُصرة؟!
{مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15]
{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51].
ولكنَّ النصرةَ لها تدرُّجاتٌ ومراحلُ متتابعاتٌ حتى تكتملَ باكتمالِ الدين وإتمامِ النعمة.
فإن قال قائل: بمَ نصره في هذه المرحلةِ من دعوته؟
فالجواب: إنها تلك الرحلةُ العظيمةُ المسليةُ لفؤاده صلى الله عليه وسلم، التي زادته ثباتا ويقينا، وتشريفا وتكريما.
إنها رحلة الإسراء والمعراج حين تعطَّلت أو تبدَّلت قوانينُ الكون في ليلة واحدة ليقطعَ فيها صلى الله عليه وسلم المسافاتِ الهائلةَ - هوْلاً لا يمكن عدُّه ولا وصفه - في زمنٍ يسيرٍ ووقتٍ قليل.
- لقد شاء الله أن يُفهم الناس جميعاً أن هذا الرسول الذي ترونه فرداً أعزلَ: ليس كذلك؛ بل معه القوةُ التي لا تُغلب، معه ربه العظيمُ بنصره وتأييده، الذي سيُبين لكم مكانته لديه بما لم يحصل لأحدٍ قبله كائنًا مَن كان؛ إذْ رفعه إليه حتى وصل سدرة المنتهى.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لما أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، انْتُهِي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض فيُقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبط به من فوقها فيُقبض منها»، قال: " {إذ يغشى السدرة ما يغشى} [النجم: 16] "، قال: «فَرَاشٌ مِن ذهب»، قال: " فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا: الـمُقحِماتُ [أي: الذنوب الكبيرة التي قد تُدخل فاعلها النار]"([1]) رواه مسلم.
تلك الجوائزُ التي سُلِّمت في أعلى مكان، جاءت لِتداويَ جراحَ المكلومين، وتشفيَ صدورَ المؤمنين، وتُدخلَ السرورَ على أفئدةِ الصابرين:
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]
وفي الصحيح أن الله قال: (قد فعلتُ)([2]).
- لقد شاء الله أن يُصلي نبينا صلى الله عليه وسلم بالأنبياء الذين سبقوه؛ ليَعلمَ أنه قد نسخَ بشرعه شرائعهم. وأن يُظهرَهم له في كل سماء؛ ليُحيِّوه ويستقبلوه، ليتيقنَ أنهم قد عرفوا مكانته عند ربه؛ فيَسْلى قلبُه ويَقوى عزْمُه، ويشتدَّ صبرُه، ويثبُتَ على أمره.
- لقد شاء الله أن يبتليَ الخلقَ بهذه الرحلة؛ فمِن مصدقٍ ومكذبٍ؛ فأما أهلُ التصديق وعلى رأسهم الصديقُ الأكبرُ رضي الله عنه فقالوا دون تردد: "قدْ صدق"
{وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، وأما أهلُ التكذيبِ فسخِروا واستهزؤوا حتى ظهر خزيهم حين رفع الله له بيت المقدس فوصفه لهم بأحسنِ وصفٍ وأدقِ تفصيل {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36].
بارك الله لي ولكم...
الخطبة الثانية
أما بعد:
- لقد شاء الله أن تفرض الصلوات في هذا العلو المهيب خمسين صلاة ثم تُخفف إلى خمسٍ بأجر خمسين؛ وأن يُصلي الرسولُ بالأنبياء في بيت المقدس؛ فماذا يعني هذا؟
إنه يعني: علوَّها عند الله تعالى حين قدَّر ألا يكون في فرضها واسطةٌ بينه وبين نبيه صلى الله عليه وسلم، فالصلاة عاليةٌ في نفسها وتشريعها، وما يُقال فيها، وفي ركوعها وسجودها.
وهذه العالية: لا بدَّ أن تُعلي أصحابها معها، وترفع شأنهم عند ربهم عزا وسؤددا وكرامة، وأن تخفِضَ التاركينَ والمهملينَ لها في سفَلٍ وضَعَةٍ ودَنَاءة.
فالصلاة عمود الدين، وركنه الثاني الركين، فليست عملا هامشيا يُؤخر في ذيل قائمة الأعمال، ولا تكليفاً جانبياً يَقبلُ التأجيل والإهمال.
إنه يعني: أن المساجد من شعائر هذا الدين، ولم تُبنَ إلا لتكون عامرة بالمصلين، فهو دليل على لزوم الجماعة فيها كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياءِ والمرسلين.
فالصلاة في الجماعة علامة الإيمان وإرضاء الرحمن، وميدان السباق والبراءة من النفاق.
وأولاً وأخيراً:
(سبحان الذي أسرى بعبده) سبحانه إذْ لا قدرة لأحد أن يرتب مثل هذا الترتيب في عظمته وحكمته وجلاله وهيبته
وسبحانه أن يتوجه أحدٌ بالعبادة لغيره ممن لا يملك حولاً ولا قوة.
وسبحانه الذي أعلى مكانةَ حبيبِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم حين وصفه بالعبودية؛ لنقف به نحن عند هذا الحدِّ من التعظيم والإجلال.
وكما أثنى عليه ربه واصفاً حالَه وأدَبه في تلك اللحظات فقال {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17]، فالواجبُ على الأمة ألا تزيغ عن هدي رسولها، ولا تطغى في ابتداع ما لم يشرعه لها من احتفالاتِ ليلةِ الإسراءِ والمعراج، كما قال شيخنا ابن بازٍ رحمه الله:
"وهذه الليلةُ التي حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأتِ في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجبٍ ولا غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجُزْ للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات، ولم يجُز لهم أن يحتفلوا بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء"([3]).
اللهم اهدنا فيمن هديت....
([1]) مسلم (173).
([2]) مسلم (126).
([3]) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (1/ 183).
المرفقات
1768497123_رحلة التشريف والتكريم.docx
1768497133_رحلة التشريف والتكريم.pdf