شهرُ شَعْبَانُ بَينَ الْغَفْلَةِ وَالاغْتِنَام.
أ.د عبدالله الطيار
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) آل عمران:[102].
أيُّهَا المؤْمِنُونَ: هَا هِيَ أَيَّامُ الدَّهْرِ تَنْسَلِخُ، وَالشُّهُورُ تَنْتَهِي، وَالآَجَالُ تَنْقَضِي، شَهْرٌ يَعْقُبُهُ آَخَرُ، وَعَامٌ يَتْلُوهُ عَامٌ، وَفِي ثَنَايَاهَا هِبَاتٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَعَطَايَا إِلَهِيَّة، كُنُوزٌ مَكْنُونَةٌ، وجَوَاهِرُ مَسْتُورَةٌ، يَنْتَفِعُ بِهَا السَّعِيدُ، وَيَفْطِنُ لَهَا الأَرِيبُ اللَّبِيبُ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ق: [37].
عِبَادَ اللهِ: أَيَّامٌ قَلائِلُ وَيَنْزِلُ بِنَا سَفِيرٌ عَزِيزٌ لِضَيْفٍ كَرِيمٍ، شَهْرُ شَعْبَانَ وهُوَ مَحَطَّةٌ إِيمَانِيَّةٌ لِتَجْدِيدِ الْعَهْدِ مَعَ اللهِ سُبْحَانَهُ؛ وَنَبْذِ الْخِلافَاتِ، وَإِصْلاحِ النِّيَّاتِ وَالإِقْلاعِ عَنِ المُحَرَّمَاتِ، وَالتَّهَيُّؤِ لاسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ، وَقَدْ سَأَلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ النَّبِيَّ ﷺ قَائِلًا: يَا رَسُولَ اللهِ: لَمْ تَكُنْ تَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ فَقَالَ ﷺ: (ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفَلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرفَعُ فِيهِِ الأعمالُ إلى ربِّ العالمينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) أخرجه النسائي (2357) وأحمد (21753) مطولًا. وَمِمَّا يَجْدُرُ التَّذْكِيرُ بِهِ مَعَ اسْتِقْبَالِ شَهْرِ شَعْبَان مَا يَلِي:
أَوَّلًا: الإِكْثَارُ منَ الصِّيَامِ في شعبانَ، تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (فَمَا رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيامَ شَهْرٍ إلّا رَمَضانَ، وما رَأَيْتُهُ أكْثَرَ صِيامًا منه في شَعْبانَ) أخرجه البخاري (1969).
ومَعَ حِرْصِ النبيِّ ﷺ على الصيامِ في شعبانَ، إلا أنَّهُ نَهَى عن الصيامِ في آخِرِهِ بِقَوْلِه: (لا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضانَ بصَوْمِ يَومٍ أوْ يَومَيْنِ، إلّا أنْ يَكونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذلكَ اليَومَ) أخرجه البخاري (1914) ومسلم (1082).
ثَانِيًا: الْحَذَرُ مِنَ الْغَفْلَةِ فِي هَذَا الشَّهْرِ خَاصَّةً، قَالَ ﷺ: (ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفَلُ النَّاسُ عَنْهُ..) وَالْعِبَادَةُ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ أَفْضَلُ مِنْ غَيرِهَا؛ فَبَيْنَمَا النَّاسُ مُنْشَغِلُونَ بالمُتَعِ والمُبَاحَاتِ، تَجِد أَهْلَ الطَّاعَةِ مُقْبِلُينَ عَلَى الْعِبَادَاتِ، يَسْتَكْثِرُونَ مِنَ النَّوَافِلِ وَيَتَزَوَّدُونَ بِالطَّاعَاتِ، وَقَدْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ يَسْتَحِبُّونَ إِحْيَاءَ مَا بينَ العِشَاءيْنِ بالصَّلاةِ؛ لأَنَّهَا سَاعَةُ غَفْلَةٍ، وَمِثْلُهُ ذِكْرُ اللهِ تَعَالى فِي السُّوقِ؛ لأنَّهُ ذِكْرٌ في مَوْطِن الْغَفْلَةِ.
وَصَدَقَ اللهُ الْعَظِيمُ: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب: [21] أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، وتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ مِمَّا يَحْسُنُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ، المبَادَرَةُ بِصِيَامِ الْقَضَاءِ لمَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاء ٌمِنْ رَمَضَانَ المَاضِي؛ لمرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهٌورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي، لَكِن قَيَّدُوا التَّرَاخِي بِمَا إذا لَمْ يَفُتْ وقتُ قضائِهِ، بأنْ يَهِلَّ رمضانُ آخَرُ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّهَا قَالَتْ: (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) أخرجه البخاري (1950) ومسلم (1146) فَلا يَجُوزُ تَأْخِير الْقَضَاءِ حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَانُ آَخَرُ، فَإِنْ أخَّرَهُ لغيرِ عذرٍ؛ فإنَّه يأثمُ بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ فِدْيَةٌ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ أخّرَهُ بِلا عُذْرِ-إنْ كَانَ قَادِرًا- وأمَّا إنْ أخَّرَهُ لِعُذْرٍ؛ فَلَيْسَ عليهِ إلا الْقَضَاءُ فَقَط، وَلا يَجُوزُ للزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ منَ القَضَاءِ، ولا يَلْزَمُهَا اسْتِئْذَانُهُ إِذَا بَقِيَ مِنْ شَعْبَانَ بِعَدَدِ الأيَّامِ الَّتِي عَلَيْهَا مِنْ قَضَاءِ رَمَضَان. اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ آَمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسْلامَ والمسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ، وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَينِ الشَّرِيفَيْنِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى اَلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَأَعِنْهُ، وَسَدِّدْهُ، وَاكْفِهِ شَرَّ الأَشْرَارِ، وَاجْعَلْهُ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كَانَ. اللَّهُمَّ احْمِ حُدُودَنَا، واحْفَظْ رِجَالَ أَمْنِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلامِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ.
وصَلَّى اللهُ وَسَلَّم عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آَلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
الجمعة 27/ 7/ 1447هـ