عجيب أنت أيها الإنسان
هلال الهاجري
الحَمدُ للهِ، يُطاعُ فَيَشكرُ، وَيُعصى فَيَغفِرُ، لا نُحصِي ثَنَاءً عَليهِ، هُوَ كَمَا أَثنَى عَلَى نَفسِهِ، وَأَشهَدُ أَن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدَاً رَسُولُ اللهِ، أُبتليَ فَصَبرَ، وَأَنعَمَ اللهُ عَليهِ فَشَكَرَ، صَلَّى اللهُ عَليهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَمَن تَبِعَهُم بِإحسَانٍ إلى يَومِ الدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ).
بَينَ صَفَاءِ السَّمَاءِ، وَسُكُونِ البَحرِ، تَجرِي السَّفِينَةُ في رِيحٍ هَادِئةٍ، استَرخَى الطَّاقِمُ والرُّبّانُ، وَأَحَسَّ الرُّكَابُ بِالأَمَانِ، فَمَا أَجمَلَهُ مِن مَنظِرٍ بَدِيعٍ، (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا)، وَبَينَمَا هُم عَلَى ذَلِكَ، (جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ)، رِيحٌ تَحمِلُ الرِّجَالَ، وَمَوجٌ يَتَلاطَمُ كَالجِبَالِ، اضطَرَبَ الرُّكَابُ فَلا أَمَانَ، وَفَقَدَ السَّيطَرةَ القُبطَانُ، وَأَصبَحَتْ السَّفِينَةُ كَالرِّيشَةِ في مَهَبِ الرِّيحِ، (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ)، فَلَمَا تيَّقنَ النَّاسُ أَنَّهً لا يُنجِيهِم مِن هَذَا الضُّرِ، إلا مَن يُجِيبُ دَعوَةَ المُضطَرِّ، (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، عِندَهَا هَدَأتِ الرِّيحُ، وَتَلاشَتْ الأَموَاجُ، وَعَادَ الهُدوءُ مُخيِّمَاً عَلى المَكَانِ، فَمَاذا كَانَ؟، (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، فَعَادُوا إلى مَا كَانُوا عَليهِ، فَعَجِيبٌ أَنتَ أَيُّهَا الإنسَانُ، (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا).
بَينَ الآلامِ التي لا تُطَاقُ، وَمَرَضٌ جَعَلَ الحَيَاةَ مُرةَ المَذَاقِ، وَقَفَ الأَطِبَاءُ أَمَامَهُ عَاجِزِينَ، ويَئِسَ المَرِيضُ إلا مِن رَحمَةِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَهُوَ يَدعُوه قَائمَاً وَقَاعِدَاً وَمُنطَرِحَاً عَلَى سَرِيرِهِ، (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا)، وَإذَا بِاللِه عَلَّامِ الغُيُوبِ، يَستَجِيبُ دُعَاءَ المَكرُوبِ، فَيُكشِفُ البَلاءُ، وَيُرمَى الدَّوَاءُ، وَتَحلُوا الحَيَاةُ، فَمَاذَا كَانَ؟، (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، عَجِيبٌ أَنتَ أَيُّهَا الإنسَانُ، (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).
بَينَ الحَاجَةِ وَالفَقرِ، وَهُمُومٍ تَكسِرُ الظَّهرَ، أَطفَالٌ يَشتَكُونَ الجُوعَ، وَصَاحِبُ دَيْنٍ مَفجُوعٌ، وَإيجَارٌ قَد حَلَّ وَقتُ أَوَانِهِ، أَصبَحَ أَسِيرَاً بَينَ أَحزَانِهِ، عِندَهَا تَذَكَّرَ الغَنيَّ الرَّزَّاقَ، وَمَن لَهُ خَزَائنُ الأَرضِ والسَّمَاوَاتِ الطِّبَاقِ، فَدَعَا وَأَلحَّ وَعَاهَدَ اللهَ عَهدَاً غَليظَاً، (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ)، هُنَالِكَ تَغَيَّرَتْ أَحوَالُهُ، وَكَثُرَتْ أَموَالُهُ، رَزَقَهُ اللهُ تَعَالى مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ، فَأَصبَحَ حَدِيثَ الزَّمَانِ، وَمَن يُشَارُ إليهِ بِالبَنَانِ، فَمَاذَا كَانَ؟، (فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)، عَجِيبٌ أَنتَ أَيُّهَا الإنسانُ، (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
بَينَ اليَأسِ وَالأَمَلِ، وَلَهفَةِ الزَّوجِينِ وَطُولِ الأَجَلِ، يَحلُمُونَ بِصَغِيرٍ يَملأُ عَلِيهِمُ البَيتَ، سَئمُوا مِن عَقَاقِيرِ المُعَالِجِينَ، مِن أَطِبَاءَ وَرُقَاةٍ وَعَطَّارِينَ، هُنَالِكَ تَذَكَّرُوا أَنَّ (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ)، عِندَهَا (دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، فَتَوَجَّهُوا إلى الرَّحمَانِ، وَمَن يُغِيثُ اللَّهفَانَ، فَاستَجَابَ لَهُم وَرَزَقَهُم طِفلاً جَمِيلاً، تَعَلَّقَتْ بِهِ قُلُوبُ الوَالِدِينِ، وَأَصبَحَ لَهُم قُرَّةَ العَينَينِ، فَمَاذَا كَانَ؟، (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، عَجِيبٌ أَنتَ أَيُّهَا الإنسَانُ، (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ).
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم في القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَني وَإيَّاكُم بِالآياتِ وَالذِّكرِ الحَكيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
الحَمدُ للهِ حَمدَاً طَيِّبَاً كَثِيرَاً مُبَارَكَاً فِيهِ كَمَا يُحِبُ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَليهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِه وَمَن اهتَدَى بِهُدَاهُم إلى يَومِ الدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:
عَجِيبٌ أنتَ أَيُّهَا الإنسَانُ، مَا هَذَا التَّعَامُلُ مَعَ الرَّحمَانِ؟، إنْ أَصَابَتكَ الشَّدَائدُ والابتِلاءَاتُ، تَوَجَّهَتَ إلى رَبِّ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَعَكَفتَ فِي المَسَاجِدِ، مَا بَينَ رَاكِعٍ وَسَاجِدٍ، دُعَاءٌ وَخُضُوعٌ، تَذَلُّلٌ وَخُشُوعٌ، تَعلَمُ عِلمَ يَقِينٍ، أَنَّهُ لا يُنجي إلا رَبُّ العَالَمِينَ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ)، وَتدعُوهُ دُعَاءً خَالِصَاً فِي كُرُبَاتِكَ، فَيَستَجِيبُ لَكَ وَيُعطِيكَ حَاجَاتِكَ، كَمَا وَعَدَ فَقَالَ: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
وَلَكِنْ مَاذَا بَعدُ أَن يُعطِيَكُ اللهُ سُبحَانَهُ مَا سَأَلتَهُ؟، هَل شَكَرتَهُ؟، فَيَصدُقُ عَلِيكَ قَولُ اللهِ تَعَالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، أَم نَسِيتَهُ؟، فَيَصدُقُ عَلِيكَ قَولُ اللهِ تَعَالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ).
غَرِيبٌ أَنتَ أَيُّهَا الإنسَانُ، عِندَمَا تَكُونُ شَاكِراً فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ الكُفرانُ، وعِندَمَا تَكُونُ مُطِيعَاً فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ العِصيَانُ، وعِندَمَا تَكُونُ ثَابِتَاً فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ الافتِتَانُ، لَكِنْ، أَبشِرْ (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ).
اللهمَّ وَفقْنا للصالحاتِ، واصرفْ عنا الشُّرورَ والسيئاتِ، واغفرِ اللهمَّ لَنَا مَا مَضَى وَمَا هُو آتٍ، بِرحمتِكَ يَا ربَ الأرضِ والسماواتِ، اللّهمَّ آمنَّا في أوطانِنا، وأَصلحْ أئمَّتَنا وولاةَ أُمورِنا، واجعلْ ولايتَنا فيمن خَافَكَ واتَّبعَ رِضاكَ يا ربَّ العالمينَ، اللهمَّ اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ، الأحياءِ منهم والأمواتِ، اللهمَّ اشفِ مَرضَانَا وارحمْ مَوتَانَا يَا ذَا الجَلالِ والإكرامِ، اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، ودمِّر أعداءَ الدينِ، اللهم انصُر دِينكَ وَكِتَابكَ، وسُنَّةَ نبيِّك محمدٍ صَلى اللهُ عليه وسلمَ، وَعِبَادكَ المؤمنين يا رب العالمين، اللهمَّ إنا نَسألُكَ فِعلَ الخَيراتِ، وَتَركَ المُنكراتِ، وَحُبَّ المساكينَ، وأن تغفِرَ لنا وترحمَنا، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبِضنا إليك غيرَ مفتُونين، اللَّهُمَّ آتِنَا في الدُّنيا حَسنةً، وَفي الآخرةِ حَسنةً، وَقِنا عَذابَ النَّارِ.
المرفقات
1768452918_عجيب أنت أيها الإنسان.docx
1768452924_عجيب أنت أيها الإنسان.pdf
منصور بن هادي
عضو نشطلقد عادت الكلمات المؤثرة .. والعبارات الشيقة .. والأسلوب العذب .
فعادت الخطبة قوية رنانة .. تهز القلوب .. صادقة المعاني .. حاضرة الأثر.
إن هذا الإبداع يعيد للمنبر هيبته وللكلمة وزنها.
فجزاكم الله خير الجزاء، وبارك في علمكم، ونفع بكم، وجعل ما قلتم في موازين حسناتكم
تعديل التعليق