عقبات الزواج.. التحديات والحلول
راكان المغربي
عقبات الزواج.. التحديات والحلول
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
أَمَّا بَعْدُ:
شَرِيعَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَسُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ، وَفَضِيلَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ..
بِهَا يُحْفَظُ الْعِرْضُ، وَيَدُومُ النَّسْلُ، وَتَسْتَقِرُّ الْحَيَاةُ..
إِنَّهَا شَرِيعَةُ الزَّوَاجِ، الَّتِي يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْهَا: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)؛ فَالزَّوَاجُ سَكَنٌ وَاسْتِقْرَارٌ، وَمَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ، وَفِطْرَةٌ وَجِبِلَّةٌ.
إِنَّ الزَّوَاجَ فِطْرَةٌ بَشَرِيَّةٌ، يَرْنُو إِلَيْهَا كُلُّ إِنْسَانٍ سَوِيٍّ، فَبِهِ يَنَالُ مَتَاعَ الدُّنْيَا، وَتَبْتَهِجُ زِينَةُ الْحَيَاةِ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)
وَلَقَدْ وَصَفَ اللهُ سُبْحَانَهُ الْعَلَاقَةَ الزَّوْجِيَّةَ بِأَجْمَلِ الْأَوْصَافِ، فَقَالَ: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)؛ وَهَذَا تَعْبِيرٌ عَنْ شِدَّةِ التَّلَاصُقِ وَالِاتِّصَالِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَكَمَا أَنَّ ثَوْبَكَ يَلْتَصِقُ بِكَ لِيَسْتُرَكَ وَيُجَمِّلَكَ؛ فَإِنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَبْعَثُ أَسْمَى مَعَانِي السِّتْرِ وَالْجَمَالِ وَمَتَانَةِ الرَّابِطَةِ وَعُمْقِ الِاتِّصَالِ.
حِينَ جَاءَ أَحَدُهُمْ وَتَفَاخَرَ بِأَنَّهُ لَا يَنْكِحُ النِّسَاءَ تَعَبُّدًا لِلَّهِ وَزُهْدًا فِي الدُّنْيَا؛ زَجَرَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْظَمَ الزَّجْرِ؛ فَقَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ قالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَنْ رَغِبَ عنْ سُنَّتِي فليسَ مِنِّي).
إِنَّ الْعُبُودِيَّةَ الْحَقَّةَ لِلَّهِ تَكُونُ فِي الزَّوَاجِ لَا فِي التَّنَزُّهِ عَنْهُ، لِأَنَّ فِي الزَّوَاجِ إِشْبَاعًا لِلْغَرِيزَةِ الطَّبِيعِيَّةِ بِالْمُبَاحِ، وَاسْتِغْنَاءً بِهَا عَنِ الْحَرَامِ.
فِي سُورَةِ النُّورِ، عِنْدَمَا أَمَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ بِغَضِّ الْأَبْصَارِ وَحِفْظِ الْفُرُوجِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ مُخَاطِبًا الْأَوْلِيَاءَ: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)؛ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ النِّكَاحَ مِن أَعْظَمِ المُعِيناتِ عَلَى غَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ الْفَرَجِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: "أَمَرَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- بِالنِّكَاحِ، وَرَغَّبَهُمْ فِيهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُزَوِّجُوا أَحْرَارَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْغِنَى، فَقَالَ: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)"
وَلِذَا أَطْلَقَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نِدَاءَهُ لِفِئَةِ الشَّبَابِ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوْمِ؛ فإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)؛ "أيْ: أَنَّ مَنْ لَمْ تكُنْ عِندَهُ مُؤنةُ الزَّواجِ، فلْيَلزَمِ الصَّومَ؛ فإنَّه مانِعٌ مِنَ الشَّهَواتِ، ومُفتِّرٌ لهَا، وقاطِعٌ لشَرِّهَا".
عباد الله
كُلُّ مَا سَبَقَ قَصَدْنَا ذِكْرَهُ لِتَظْهَرَ لَنَا أَهَمِّيَّةُ أَمْرِ الزَّوَاجِ وَعِظَمُ شَأْنِهِ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّ عَاقِلًا يَشُكُّ فِي هَذَا الْأَمْرِ. وَلَكِنْ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَمَا نَعْكِسُ هَذَا الْكَلَامَ النَّظَرِيَّ عَلَى الْوَاقِعِ التَّطْبِيقِيِّ، نَجِدُ تَبَايُنًا عَجِيبًا، وَاخْتِلَافًا وَاسِعًا بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْمَأْمُولِ.
فَمِنْ صُعُوبَاتِ إِيجَادِ الشَّرِيكِ الْمُنَاسِبِ، إِلَى التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، إِلَى كَثْرَةِ التَّجَارِبِ الْفَاشِلَةِ... عَقَبَاتٌ كَثِيرَةٌ حَالَتْ دُونَ بُرُوزِ الصُّورَةِ النَّقِيَّةِ لِلزَّوَاجِ، فَحَصَلَ التَّشْوِيهُ فِي نَظَرِ كَثِيرٍ مِنَ الشَّبَابِ وَالشَّابَّاتِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى عُزُوفِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَخَوْفٍ مِنْ خَوْضِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ.
وَبَيْنَ يَدَيْ هَذِهِ الْخُطْبَةِ سَنُنَاقِشُ أَبْرَزَ الْعَقَبَاتِ وَالتَّحَدِّيَاتِ، وَنَقْتَرِحُ الْحُلُولَ وَسُبُلَ التَّجَاوُزِ.
الْعَقَبَةُ الْأُولَى هِيَ عَقَبَةُ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ الْمُنَاسِبِ، وَهَذَا تَحَدٍّ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي حَسَاسِيَّتِهِ وَتَأْثِيرِهِ، وَتَجَاوُزُهُ يَكُونُ بِالْبَحْثِ الصَّحِيحِ عَنِ الْمُوَاصَفَاتِ ذَاتِ أَعْظَمِ الْأَثَرِ فِي نَجَاحِ الزَّوَاجِ وَعَدَمِ فَشَلِهِ.
وَقَدْ أَرْشَدَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الطَّرَفَيْنِ إِلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَبَّ جُلُّ التَّرْكِيزِ عَلَيْهَا، فَقَالَ لِطَرَفِ الزَّوْجِ: (تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأرْبَعٍ: لِمالِها، ولِحَسَبِها، وجَمالِها، ولِدِينِها، فاظْفَرْ بذاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَداكَ). وقال لطرف الزوجة: (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ).
فَالدِّينُ وَالْخُلُقُ هُوَ أَهَمُّ مَا يَجِبُ أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ الْبَاحِثُ، ثُمَّ يَبْحَثُ عَنْهُ. وَقِيَاسُ الدِّينِ يَكُونُ بِمَا يَظْهَرُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَلَامَاتِ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى أَوَامِرِ اللهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ. وَالْخُلُقُ يُقَاسُ بِمَا يُقَالُ عَنِ الشَّخْصِ مِنَ الْعَارِفِينَ وَالْمُخَالِطِينَ لَهُ. وَمَنْ يَصْدُقِ اللهَ يَصْدُقْهُ، وَمَنْ يَدْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَهُ.
الْعَقَبَةُ الثَّانِيَةُ: عَقَبَةُ التَّكَالِيفِ، وَهِيَ عَقَبَةٌ كَؤُودٌ مَا زَالَتْ تَحُولُ دُونَ كَثِيرٍ مِنْ مَشَارِيعِ الزَّوَاجِ، فَالْمُهُورُ تَتَضَاعَفُ، وَالْعَادَاتُ وَالتَّقَالِيدُ تُقَيِّدُ، وَالتَّبَاهِي وَالتَّفَاخُرُ يَزْدَادُ، وَالْمُحَصِّلَةُ النِّهَائِيَّةُ مِئَاتُ أُلُوفِ الرِّيَالَاتِ. فَأَنَّى لِشَابٍّ فِي مُقْتَبَلِ الْعُمْرِ أَنْ يُحَصِّلَهَا إِلَّا بِشَقِّ الْأَنْفُسِ، وَقَصْمِ الظُّهُورِ؟
إِنَّ تَجَاوُزَ هَذِهِ الْعَقَبَةِ لَيْسَ بِالْأَمْرِ الْهَيِّنِ، وَيَحْتَاجُ مُجَاهَدَةً وَتَكَاتُفًا، لَكِنَّ خُلَاصَةَ الْحَلِّ لِهَذَا التَّحَدِّي تَكُونُ بِنَشْرِ ثَقَافَةِ التَّيْسِيرِ، الَّتِي بَثَّهَا دِينُنَا الْحَنِيفُ، وَرَبَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَحْبَهُ الْكِرَامَ إِذْ كَانَ يَقُولُ: (خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ)، وَكَانَ يَقُولُ: (خَيْرُ الصَّدَاقِ -أَيِ الْمَهْرِ- أَيْسَرُهُ) وَكَانَ يَقُولُ: (إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ -أَيْ بَرَكَتِهَا- تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا).
فَمِنْ دَلَائِلِ بَرَكَةِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ مَهْرُهَا مُيَسَّرًا لَا مُعَسَّرًا. وَالْبَرَكَةُ هِيَ سِرٌّ يَضَعُهُ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي الْقَلِيلِ فَيُبَارِكُهُ وَيُكَثِّرُ خَيْرَهُ. هَذَا كَلَامُ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، فَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُوقِنُ بِصِدْقِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلْيَطْمَئِنَّ تَمَامَ الِاطْمِئْنَانِ أَنَّ فِي تَيْسِيرِ الْمَهْرِ كُلَّ الْخَيْرِ وَالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ فِي الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ.
وَمِنْ ثَقَافَةِ التَّيْسِيرِ عَدَمُ التَّكَلُّفِ فِي وَلَائِمِ النِّكَاحِ، وَالْإِنْفَاقُ فِيهَا بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، فَقَدْ أَوْلَمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى صَفِيَّةَ بِتَمْرٍ وَسَوِيقٍ، وَأَوْلَمَ عَلَى غَيْرِهَا بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، لِأَنَّ هَذَا مَا كَانَ يَتَيَسَّرُ لَهُ. وَعِنْدَمَا وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَكْرَمَ النَّاسَ بِقَدْرِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ، قَالَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ؛ أَوْلَمَ بِشَاةٍ، فَأَوْسَعَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا".
فَهَذِهِ أَعْظَمُ وَلَائِمِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ أَكْرَمُ النَّاسِ وَأَجْوَدُهُمْ، لَمْ تَمْنَعْهُ قِلَّةُ ذَاتِ يَدِهِ مِنْ أَنْ يُطَبِّقَ سُنَّةَ النِّكَاحِ، وَسُنَّةَ إِشْهَارِهِ وَإِعْلَانِهِ. فَمَا بَالُ مُجْتَمَعِنَا الْيَوْمَ يَمْنَعُونَ الشَّبَابَ وَالْفَتَيَاتِ مِنَ الزَّوَاجِ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْفِيرَ مَبْلَغِ الْقَاعَةِ الضَّخْمَةِ، وَلَا الْعَشَاءِ الْكَثِيرِ الْفَاخِرِ، وَلَا السَّيَّارَةِ الْمُبْهِرَةِ، وَلَا الْفُسْتَانِ الْفَخْمِ، وَلَا (عَرَبِيَّةِ الْمَلَكَةِ وَتَوْزِيعَاتِ الْحَفْلِ وَزِينَةِ الْكُوشَةِ وَأَلْبُومِ التَّصْوِيرِ) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَوَافِهَ وَكَمَالِيَّاتٍ تَزُولُ بَهْجَتُهَا فِي لَحَظَاتٍ، ثُمَّ تَبْقَى دُيُونُ السِّنِينَ عَلَى عَاتِقِ الشَّبَابِ بِسَبَبِ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ!!
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: "لَا رَيْبَ أَنَّ السُّنَّةَ عَدَمُ التَّكَلُّفِ فِي الْمُهُورِ وَالْوَلَائِمِ مِنْ أَجْلِ تَسْهِيلِ زَوَاجِ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ، وَأَنْ يَتَوَاصَى أَهْلُ الزَّوْجِ وَأَهْلُ الزَّوْجَةِ بِتَرْكِ التَّكْلِفَةِ وَبِقِلَّةِ الْمُهُورِ تَشْجِيعًا لِلشَّبَابِ عَلَى الزَّوَاجِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ قُصُورَ الْأَفْرَاحِ مِمَّا يُثْقِلُ كَاهِلَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَكَذَلِكَ الْوَلَائِمُ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِمَا أَيْضًا، فَالْمَشْرُوعُ لِلْجَمِيعِ عَدَمُ التَّكَلُّفِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ".
إِنَّ مُعَالَجَةَ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ يَقَعُ عَلَى عَاتِقِ كُلِّ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ. يَقَعُ عَلَى عَاتِقِ الْقَادَةِ وَالْمُؤَثِّرِينَ بِالتَّثْقِيفِ وَالتَّوْعِيَةِ، وَعَلَى عَاتِقِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ بِتَهْيِئَةِ أَجْوَاءِ التَّخْفِيفِ وَالتَّيْسِيرِ، وَعَلَى عَاتِقِ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ بِالْقَنَاعَةِ وَالتَّنَازُلِ عَنِ الْمَظَاهِرِ وَالتَّبَاهِي، وَالْجُرْأَةِ عَلَى كَسْرِ الْعَادَاتِ الَّتِي تُرْهِقُهُمْ وَتَكْسِرُ ظُهُورَهُمْ، وَلَيْسَ لَهَا أَدْنَى عَلَاقَةٍ بِدَوَامِ السَّعَادَةِ، وَلَا بِاسْتِمْرَارِ الْبَهْجَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. وَيَقَعُ عَلَى عَاتِقِ بَقِيَّةِ الْمُجْتَمَعِ أيْضًا بِالثَّنَاءِ عَلَى النَّمَاذِجِ الَّتِي طَبَّقَتْ هَذِهِ الثَّقَافَةَ، وَعَدَمِ انْتِقَاصِهَا وَاحْتِقَارِهَا.
فَلْنَتَعَاوَنْ وَلْنَتَكَاتَفْ فِي نَشْرِ ثَقَافَةِ التَّيْسِيرِ، فَإِنَّ صَالِحَ ذَلِكَ يَعُودُ عَلَى مُسْتَقْبَلِ أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا وَأَحْفَادِنَا.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:
مِنْ عَقَبَاتِ النِّكَاحِ الَّتِي صِرْنَا نَسْمَعُهَا حَدِيثًا، مَا يُزْعَمُ مِنْ دَعْوَى تَأْخِيرِ الزَّوَاجِ بِسَبَبِ مَا فِيهِ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّاتِ وَالتَّكَالِيفِ، فَيُقَالُ: "لِمَاذَا الْعَجَلَةُ؟ دَعُوا الشَّبَابَ وَالْفَتَيَاتِ يَعِيشُونَ حَيَاةَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالِاسْتِقْلَالِيَّةِ وَالْخُلُوِّ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّاتِ".
وَهَذَا الْكَلَامُ كُنَّا سَنَقْبَلُهُ مِنْ قَوْمٍ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مَا خُلِقُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا لِلَّعِبِ وَاللَّهْوِ، أَمَّا الْمُسْلِمُ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ خُلِقَ لِيَعْبُدَ اللهَ، وَيَنْظُرُ إِلَى تِلْكَ الْمَسْؤُولِيَّاتِ فِي الزَّوَاجِ عَلَى أَنَّهَا عُبُودِيَّةٌ لِلَّهِ يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ، فَهُوَ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ لِيُطْعِمَ زَوْجَهُ وَعِيَالَهُ يَسْتَحْضِرُ أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللهِ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ).
وَيَعْلَمُ أَنَّهُ حِينَ يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ لَهُمْ أَنَّهُ يُعْطِي أَفْضَلَ النَّفَقَاتِ؛ كَمَا قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِه)، وَيَعْلَمُ الْأَبَوَانِ حِينَ يَنْجِبَانِ أَنَّهُمَا يُسَاهِمَانِ فِي تَكْثِيرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِخْرَاجِ أَنْفُسٍ تَعْبُدُ اللهَ وَتُوَحِّدُهُ، وَتُسَاهِمُ فِي نُصْرَةِ دِينِهِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ. قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "(تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
وَيَعْلَمُ الْأَبَوَانِ أَنَّهُمَا حِينَ يُرَبِّيَانِ أَوْلَادَهُمَا عَلَى الصَّلَاحِ فَإِنَّهُمَا يُبْقِيَانِ لَهُمَا فِي الدُّنْيَا أَثَرًا يُدِرُّ عَلَيْهِمَا مِنَ الْحَسَنَاتِ حَتَّى بَعْدَ الْمَمَاتِ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْعُبُودِيَّاتِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالدُّخُولِ فِي مَنْظُومَةِ الزَّوَاجِ.
ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَمْتِعُ بِهَذَا الزَّوَاجِ بِالحَلِالِ ويَستَغْنِي به عَنِ الحَرَامِ، وَيَجِدُ فِيهِ سَكَنَهُ وَاسْتِقْرَارَهُ، وَسَعَادَتَهُ وَمَتَاعَهُ مَتَى مَا وُفِّقَ لِاخْتِيَارِ الشَّرِيكِ الصَّالِحِ ذِي الْخُلُقِ وَالدِّينِ.
عباد الله
فِي ظِلِّ الِانْفِتَاحِ الْعَالَمِيِّ عَلَى الْمَلَذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ، الَّتِي تَطْرُقُ كُلَّ بَابٍ، وَتَسْكُنُ فِي كُلِّ جَيْبٍ، يَتَحَتَّمُ الْحَدِيثُ عَنِ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ. فَجَذْوَةُ الشَّهْوَةِ الْمَرْكُوزَةُ فِي الْغَرِائِزِ تَتَوَقَّدُ وَتَشْتَعِلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِمَقَاطِعِ الرَّذِيلَةِ، وَمُسَلْسَلَاتِ الْفُجُورِ، وَالْفَاحِشَةِ الْمُشَاعَةِ. إِنَّ هَذَا التَّوَقُّدَ الْعَامَّ يَسْتَدْعِي مِنَّا أَنْ نَبْذُلَ كُلَّ مَا نَسْتَطِيعُ لِتَيْسِيرِ سُبُلِ الزَّوَاجِ لِشَبَابِنَا وَفَتَيَاتِنَا، وَتَحْبِيبِهِمْ فِيهِ، وَدَفْعِهِمْ إِلَيْهِ.
فَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَارْفَقُوا عَلَى الشَّبَابِ، وَلَا تَشُقُّوا عَلَيْهِمْ، وَاعْمَلُوا بِسُنَّةِ الْحَبِيبِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِنَّهَا الْيُسْرُ، وَمَا سِوَاهَا الْعُسْرُ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ شَبَابَ وَفَتَيَاتِ المُسْلِمِينَ، وَجَنِّبْهُمُ الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
اللَّهُمَّ اكْفِهِمْ بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِهِمْ بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ.
اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَهُمْ سُبُلَ الزَّوَاجِ وَالعَفَافِ، وَارْزُقْهُمْ مِنْ وَاسِعِ فَضْلِكَ يَا كَرِيمُ.
المرفقات
1769068638_عقبات الزواج.. التحديات والحلول.docx
1769068638_عقبات الزواج.. التحديات والحلول.pdf