فَضْلُ العِبَادَةِ فِي أُوقَاتِ الغَفلَةِ.
رمضان صالح العجرمي
1447/08/03 - 2026/01/22 16:48PM
فَضْلُ العِبَادَةِ فِي أُوقَاتِ الغَفلَةِ.
•الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فعن أُسَامَة بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: ((ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ))؛ [رواه أحمد، والنسائي، وصححه الألباني]
•فإنَّ من أعظم الحَوَافِزِ لِلاهْتِمَامِ بِشَهْرِ شَعبَانَ: أَنَّهُ شَهْرُ غَفْلَةِ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ؛ ((ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ))؛ فإن الناس يهتمون بشهر رمضان لما فيه من الفضائل ويعظمون شهر رجب لمكانته وحرمته؛ فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم فضيلة شهر شعبان؛ ولو تأملت لأحوال الناس تجد أن الكثير منهم يستعدون لشهر رمضان بإنجاز أعمالهم الدنيوية في شعبان للتفرغ لشهر رمضان وبالتالي يتحول شعبان إلى شهر دنيوي بحت وهنا تكون الغفلة.
•فيأتي شهر شعبان ليدفع أهل الإيمان عن أنفسهم هذه التهمة؛ (أعنى الغفلة) وذلك بتعمير أوقاته بالطاعات والقربات؛ فإذا غفل الناس فالمؤمن له شأن آخر، وإذا نام الناس تفرد هو بالقيام، وإذا أفطر الناس كان هو من الصائمين؛ فيتَحصَّل على الخير الكثير؛ ومن ذلك:
1- محبة الله تعالى؛ كما في حديث الثلاثة الذين يُحِبُّهمُ اللهُ تعالى؛ عن أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((ثلاثةٌ يُحِبُّهمُ اللهُ، وثلاثةٌ يُبغِضُهمُ اللهُ، أمَّا الثلاثةُ الذين يُحِبُّهمُ اللهُ: فرَجُلٌ أتى قومًا فسأَلَهم باللهِ، ولم يَسأَلْهم بقَرابةٍ بينَهم فمَنَعوه، فتخلَّفَ رَجُلٌ بأعْقابِهم، فأَعْطاهُ سِرًّا، لا يَعلَمُ بعَطيَّتِه إلَّا اللهُ، والذي أَعْطاه، وقومٌ ساروا ليلتَهم حتى إذا كان النومُ أحبَّ إليهم ممَّا يُعدَلُ به، نَزَلوا فوضَعوا رُؤوسَهم، فقامَ أَحَدُهُمْ يَتملَّقُني ويَتْلو آياتي، ورَجُلٌ كان في سَريَّةٍ، فلَقوا العَدوَّ فهُزِموا، فأقبَلَ بصَدرِه حتى يُقتَلَ، أو يَفتَحَ اللهُ له.))؛ [رواه الترمذي، والنَّسَائِيُّ، وأحمد واللفظ له]
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((ثلاثَةٌ يحبُّهُمُ اللهُ عزَّ وجلَّ، ويَضْحَكُ إليهِمْ، ويَسْتَبْشِرُ بِهمْ: الذي إذا انْكَشَفَتْ فِئَةٌ؛ قاتَلَ ورَاءَها بِنفسِهِ للهِ عزَّ وجلَّ، فَإِمَّا أنْ يُقتلَ، وإِمَّا أنْ يَنْصُرَهُ اللهُ ويَكْفيهِ، فيقولُ اللهُ: انظُروا إلى عَبدي كَيْفَ صَبَّرَ لي نفسَهُ؟! والذي لهُ امرأةٌ حَسْناءُ، وفِرَاشٌ لَيِّنٌ حَسَنٌ، فَيَقُومُ مِنَ الليلِ، فيقولُ: يَذَرُ شَهْوَتَهُ، فَيَذْكُرُنِي ويُناجِينِي، ولَوْ شاءَ رَقَدَ! والذي يكونُ في سفرٍ، وكان مَعَهُ رَكْبٌ؛ فَسَهَرُوا ونَصَبُوا، ثُمَّ هَجَعُوا، فقامَ مِنَ السحر في سَرَّاءٍ أوْ ضَرَّاءٍ.))؛ [رواه الحاكم والبيهقي، وحسنه الألباني]
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنَ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ عَنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ مِنْ بَيْنَ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الِانْهِزَامِ ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، رَجَعَ رَجَاءً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ.))؛ [رواه أبو داود، وابن حبان، وحسنه الألباني]؛ فإنّنا حينما ننظر ونتأمل جيدًا إلى الجامع المشترك لهذه الأعمال، والسر في محبة الله تعالى لهم؛ لوجدنا أنه بعد الإخلاص لله تعالى هو الخفاء والسر واليقظة في وقت غفلة الآخرين.
2- مضاعفة الأجور والحسنات؛ لأن الأعمال والقربات التي في غفلة الناس يعظم أجرها وثوابها عند الله تعالى؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يتقرب إلى الله تعالى في الهرج وأوقات الفتن أجره عظيم: ((إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟! قَالَ: ((بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ))؛ الخطاب موجَّهٌ للصحابة رضى الله عنهم؛ أي أنَّ للعامل في أزمان الفتن ووقت الهرج أجر خمسين منكم؛ ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم علة ذلك بقوله: ((إنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون))؛ [رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة]
وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ.)) قيل يا رسولَ اللهِ: مَن الغرباءُ؟ قال: ((الذين يصلحون إذا فسد الناسُ))، وفي لفظٍ آخرَ قال: ((هم الذين يُصلِحون ما أفسد الناسُ من سنتي.))
وعن معقل بن يسار رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ.))؛ [رواه مسلم] وقد بوب الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ على هذا الحديث بقوله: [باب فضل العبادة في الهرج]
•وتأمل هذه الأعمال التي تضاعف أجرها؛ وذلك لغفلة الناس عنها:
لماذا هذه الأجور العظيمة للمحافظين على صلاة الفجر؟
وتأمل إلى فضل قيام الليل.
وثواب وأجر ركعتي الضحى.
وكذلك كان من يدخل السوق الذي هو محل الغفلات والاشتغال بالبيع والشراء ثم يذكر الله تعالى فقد ملأ صحيفته حسنات كثيرة؛ فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ.))؛ [رواه الترمذي، وحسنه الألباني]
إنَّها أوقات غفلةٍ لكثير من الناس، فهنيئًا لِمَن تفرَّد بعبادة ربِّهِ فيها.
نسأل الله العظيم أن يوقِظَ قلوبنا من غفلتها، وأن يجعلنا من عباده الذاكرين الشاكرين.
رمضان صالح العجرمي
عضو نشط.
تعديل التعليق