فضل شهر شعبان

أحمد بن عبدالله الحزيمي
1447/07/25 - 2026/01/14 21:16PM

فضل شهر شعْبان

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَيْقَظَ الْقُلُوبَ بِمَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ، وَنَبَّهَ الْغَافِلِينَ بِقُرْبِ النَّفَحَاتِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ  بَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ،
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْقَدِيرِ، الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

كَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُرَاقِبُ حَالَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَعْبَانَ، فَرَآهُ يُكْثِرُ الصِّيَامَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، فَقَالَ مُتَعَجِّبًا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَلِمَةً عَظِيمَةً، لَوْ وَعَاهَا الْغَافِلُونَ لَتَغَيَّرَتْ حَيَاتُهُمْ:
«ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

نَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى الَّذِي أَكْرَمَنَا بِبُلُوغِ شَهْرِ شَعْبَانَ، وَفِيهِ تَفُوحُ نَسَائِمُ الْإِيمَانِ، مُبَشِّرَةً بِقُرْبِ قُدُومِ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرٍ يَنْتَظِرُهُ الْمُؤْمِنُ وَيَهْتَمُّ بِهِ، إِنَّهُ شَهْرُ الْقُرَّاءِ، شَهْرُ رَفْعِ الْأَعْمَالِ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، شَهْرُ الِاسْتِعْدَادِ لِرَمَضَانَ، يَا تُرَى هَلْ فَطِنَّا لِدُخُولِهِ؟ هَلِ اسْتَشْعَرْنَا قَدْرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ يَبْدُو أَنَّ الْكَثِيرَ مُقَصِّرٌ فِي ذَلِكَ!

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ:

مُشْكِلَتُنَا أَنَّنَا فِي كُلِّ عَامٍ يَأْتِينَا رَمَضَانُ وَنَحْنُ غَافِلُونَ، فَنَبْدَأُ فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ مِنَ الصِّفْرِ، ثُمَّ نَرْقَى شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَا نَكَادُ نَجِدُ طَعْمَ الْعِبَادَةِ وَحَلَاوَةَ الطَّاعَةِ إِلَّا وَقَدِ انْقَضَى رَمَضَانُ، وَانْطَوَتْ صَحَائِفُهُ، فَنَنْدَمُ وَنَتَحَسَّرُ وَنَتَأَلَّمُ، وَنَقُولُ: نُعَوِّضُ فِي الْعَامِ الْقَادِمِ، وَيَأْتِي الْعَامُ الْقَادِمُ فَلَا يَكُونُ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ سَابِقِهِ، وَهَكَذَا حَتَّى يَحِقَّ الْحَقُّ وَيُغَادِرَ الْإِنْسَانُ دُنْيَاهُ وَهُوَ كَمَا هُوَ!

وَلَوْ أَنَّنَا تَذَكَّرْنَا مَا كَانَ يُقَالُ عَنْ أَسْلَافِنَا، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ رَمَضَانَ قَبْلَ مَجِيئِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَعَرَفْنَا لِمَاذَا كَانُوا يَجِدُونَ لِرَمَضَانَ طَعْمًا رُبَّمَا لَا نَجِدُهُ نَحْنُ.

وَإِذَا عَلِمَ الْمُسْلِمُ وَذَكَّرَ نَفْسَهُ بِأَنَّ شَهْرَ شَعْبَانَ هُوَ الْبُشْرَى لَهُ بِاقْتِرَابِ حُلُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْفَضِيلِ، عَلَتْ هِمَّتُهُ، وَنَهَضَتْ عَزِيمَتُهُ، وَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْخِفَّةِ مَا لَمْ يَجِدْهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَكَأَنَّ شَعْبَانَ يُحَفِّزُنَا عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، وَيُذَكِّرُنَا بِالْعِبَادَةِ وَاسْتِنْهَاضِ الْهِمَمِ لَهَا.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

إِنَّ شَهْرَ شَعْبَانَ لَيْسَ شَهْرَ كَسَلٍ وَلَا فُتُورٍ، بَلْ هُوَ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ شَهْرُ الِاسْتِعْدَادِ، شَهْرُ التَّهْيِئَةِ، شَهْرُ التَّدْرِيبِ قَبْلَ مِيدَانِ السِّبَاقِ. شَعْبَانُ لِلْمُؤْمِنِ كَالرِّيَاضِيِّ الَّذِي يَقْتَرِبُ مَوْعِدُ الْبُطُولَةِ، لَا يَدْخُلُهَا فَجْأَةً، وَلَا يَنْتَظِرُ يَوْمَ الْمُنَافَسَةِ لِيَبْدَأَ التَّمْرِينَ، بَلْ يَشْتَدُّ تَمْرِينُهُ قَبْلَهَا، وَيُعَوِّدُ جَسَدَهُ عَلَى الْجُهْدِ، وَيَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنْ كُلِّ مَا يُضْعِفُ عَزِيمَتَهُ.
فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ، لَا يَنْتَظِرُ رَمَضَانَ لِيَبْدَأَ التَّوْبَةَ، وَلَا يُؤَجِّلُ صَلَاةَ الْقِيَامِ أَوِ الصِّيَامَ أَوْ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ حَتَّى يَدْخُلَ الشَّهْرَ الْكَرِيمَ، بَلْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ رَمَضَانُ وَهُوَ مُهَيَّأٌ، قَدْ دَرَّبَ نَفْسَهُ فِي شَعْبَانَ عَلَى الصِّيَامِ، وَعَوَّدَ لِسَانَهُ عَلَى الذِّكْرِ، وَأَلِفَ قَلْبُهُ الْقِيَامَ وَالْقُرْآنَ.
فَالرِّيَاضِيُّ إِنْ قَصَّرَ فِي التَّدْرِيبِ خَسِرَ الْمُنَافَسَةَ، وَالْمُؤْمِنُ إِنْ قَصَّرَ فِي شَعْبَانَ رُبَّمَا خَشِيَ أَنْ يَدْخُلَ رَمَضَانَ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَعِدٍّ.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا فِي عِبَادَتِهِ، ثَابِتًا فِي طَاعَتِهِ، خَاشِعًا فِي صَلَاتِهِ، فِي رَمَضَانَ، فَلْيَبْدَأْ مِنَ الْآنِ.

لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ – أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ – يَفْهَمُونَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ جَيِّدًا، فَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِذَا دَخَلَ شَعْبَانُ تَغَيَّرَ حَالُهُ، وَاشْتَدَّ خَوْفُهُ، وَكَانَ يَقُولُ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ جَمَعَ إِحْسَانًا وَخَشْيَةً، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْنًا".
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "شَهْرُ رَجَبٍ شَهْرُ الزَّرْعِ، وَشَعْبَانُ شَهْرُ السَّقْيِ، وَرَمَضَانُ شَهْرُ الْحَصَادِ".

فَمَنْ لَمْ يَزْرَعْ فِي رَجَبَ، وَلَمْ يَسْقِ فِي شَعْبَانَ، فَبِمَاذَا يَحْصُدُ فِي رَمَضَانَ؟

عَبْدُ اللَّهِ: إِنْ أَرَدْتَ رَمَضَانًا مُخْتَلِفًا عَنْ كُلِّ رَمَضَانٍ، رَمَضَانًا بِقَلْبٍ حَيٍّ،
وَعِبَادَةٍ خَاشِعَةٍ، وَقَبُولٍ مِنَ اللَّهِ، فَابْدَأْ مِنْ شَعْبَانَ، نَقِّ قَلْبَكَ مِنَ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالْخُصُومَاتِ، وَجَدِّدِ التَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوبِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ نَوَاحِي التَّقْصِيرِ فِي حَيَاتِكَ الْيَوْمِيَّةِ، حَتَّى لَا يَدْخُلَ عَلَيْكَ رَمَضَانُ إِلَّا وَقَلْبُكَ طَاهِرٌ نَقِيٌّ، فَإِنَّ رَمَضَانَ عِطْرٌ، وَلَا يُعَطَّرُ الثَّوْبُ حَتَّى يُغْسَلَ، وَهَذَا شَهْرُ الْغَسْلِ، غَسْلُ النَّفْسِ مِنْ دَرَنِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، وَكُلُّنَا خطاؤون وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ.

وَأُوصِيكَ أَيُّهَا الْكَرِيمُ بِوَصِيَّةِ الصِّيَامِ، فَعَوِّدْ نَفْسَكَ الصِّيَامَ فِي شَعْبَانَ، فَمَنْ ذَاقَ مَشَقَّتَهُ الْآنَ، سَهُلَ عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ، فَصَوْمُ شَعْبَانَ كَالتَّمْرِينِ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ لِئِلَّا يَدْخُلَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَى مَشَقَّةٍ وَكُلْفَةٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ ﷺ كَانَ يُكْثِرُ الصِّيَامَ فِي هَذَا الشَّهْرِ، كَمَا قَالَتْ أُمُّنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"لمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

فَصُمْ الْأَيَّامَ الْفَاضِلَةَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ كَأَيَّامِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ وَأَيَّامِ الْبِيضِ، وَحُثَّ أَبْنَاءَكَ وَدَرِّبُهُمْ عَلَيْهِ؛ حَتَّى لَا يُصَابُوا بِثِقَلٍ أَوْ تَعَبٍ فِي رَمَضَانَ.

وَمِنْ جُمْلَةِ الْوَصَايَا أَخِيَ الْمُبَارَكَ أَلَّا تَنْسَ وَرْدَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَشَعْبَانُ شَهْرُ الْقُرَّاءِ، وَمَنْ لَمْ يَفْتَحِ الْمُصْحَفَ فِي شَعْبَانَ، ثَقُلَ عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا دَخَلَ شَعْبَانُ أَكَبُّوا عَلَى الْمَصَاحِفِ فَقَرَؤُوهَا وَأَخْرَجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ تَقْوِيَةً لِضَعِيفِهِمْ عَلَى الصَّوْمِ.

وَتَأَمَّلْ إِلَى التَّرْجَمَةِ الْعَمَلِيَّةِ لِأَحْوَالِهِمْ مَعَ الْقُرْآنِ فِي شَعْبَانَ، فَقَدْ كَانَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ – أَحَدُ التَّابِعِينَ – رَحِمَهُ اللَّهُ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ شَعْبَانَ أَغْلَقَ حَانُوتَهُ – أَيْ دُكَّانَهُ – وَتَفَرَّغَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

كَمْ إِنْسَانٍ قَدْ بَلَّغَهُ اللَّهُ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَدَخَلَ رَمَضَانَ وَخَرَجَ وَلَمْ يَذُقْ بَرَكَتَهُ، وَلَا حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ فِيهِ، لِذَلِكَ كَانَ مِنَ الْحَتْمِ عَلَيْنَا أَنْ نَدْعُوَ اللَّهَ وَنُلِحَّ عَلَيْهِ بِأَنْ يُبَلِّغَنَا إِيَّاهُ، وَلَا يَكْفِي هَذَا فَقَطْ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ كَثْرَةِ دُعَائِهِ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يُعِينَنَا عَلَى الْعَمَلِ فِيهِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْفَائِزِينَ، يَقُولُ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "إِذَا دَعَوْتَ اللَّهَ أَنْ يُبَلِّغَكَ رَمَضَانَ، فَلَا تَنْسَ أَنْ تَدْعُوهُ أَنْ يُبَارِكَ لَكَ فِيهِ، فَلَيْسَ الشَّأْنُ فِي بُلُوغِهِ وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي مَاذَا سَتَعْمَلُ فِيهِ".

مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ جُمْلَةِ التَّهْيِئَةِ لِهَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ مُرَاجَعَةُ أَحْكَامِ الصِّيَامِ، وَتَذَكُّرُ آدَابِهِ وَسُنَنِهِ وَفَضَائِلِهِ وَأَعْمَالِهِ، لِيُحَقِّقَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، وَيَتَجَنَّبَ الْمَحْظُورَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ يُحَفِّزُ النَّفْسَ إِلَى تَحْصِيلِهِ وَعَدَمِ إِضَاعَةِ شَيْءٍ مِنْهُ.

أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ:
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69]
فَاجْتَهِدُوا – إِخْوَانِي – لِاسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ، بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ وَالْعَزِيمَةِ الصَّادِقَةِ،
اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَيَّامِهِ وَلَيَالِيهِ، وَارْزُقْنَا صِيَامَهُ وَقِيَامَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنَّا،
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.    أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

وَيَجْدُرُ التَّذْكِيرُ إِلَى وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ لِمَنْ كَانَ قَدْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ الْمَاضِي، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى مَا بَعْدَ رَمَضَانَ الْقَادِمِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَلْيُذَكِّرْ أَهْلَ بَيْتِهِ بِذَلِكَ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقَضَاءِ قَبْلَ رَمَضَانَ وَلَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ آثِمٌ، وَيَلْزَمُهُ أَمْرَانِ: التَّوْبَةُ وَالْقَضَاءُ – وَأَمْرٌ ثَالِثٌ يَلْزَمُهُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَقْضِيهِ.

وَمِمَّا يُحْسَنُ التَّنْبِيهُ إِلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْرُمُ تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِالصِّيَامِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، بِنِيَّةِ الِاحْتِيَاطِ، فَلَا يُصَامُ إِلَّا بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ، أَوْ إِكْمَالِ عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.

عِبَادَ اللَّهِ:

لَمْ يَكُنْ رَسُولُ الْهُدَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَفِي بِهَذَا الشَّهْرِ بِأَعْمَالٍ خَاصَّةٍ غَيْرَ الصِّيَامِ، فَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِالْبَرَكَةِ فِي هَذَا الشَّهْرِ، أَمَّا مَا يُرْوَى عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبَ وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ".فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ.

وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ عَظَّمَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، أَوْ أَظْهَرَ الْفَرَحَ وَالزِّينَةَ، أَوِ احْتَفَى بِهَا بِالصَّلَاةِ أَوِ الذِّكْرِ أَوِ الِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، أَوْ أَنْشَدَ الْقَصَائِدَ وَالْمَدَائِحَ، أَوْ صَامَ نَهَارَهَا، كُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا مِنْ فِعْلِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَوْ كَانَ خَيْرًا لَسَبَقُوا غَيْرَهُمْ إِلَيْهِ.

عَبْدَ اللَّهِ: أَكْرِمْ هَذَا الشَّهْرَ، وَقَدِّرْ لَهُ قَدْرَهُ، فَهُوَ سَفِيرُ رَمَضَانَ، وَمَحَطَّةٌ لِلتَّزَوُّدِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالتَّرْوِيضِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ، وَاحْرِصْ عَلَى إِنْهَاءِ مَشَاغِلِكَ فِي شَعْبَانَ، لِيَتَسَنَّى لَكَ التَّفَرُّغُ فِي رَمَضَانَ، خُصُوصًا اللَّيَالِيَ الْأَخِيرَةَ مِنْهُ، فَالتَّخَلُّصُ مِنْهَا الْآنَ أَحْفَظُ لِوَقْتِكَ، وَأَجْمَعُ لِشَعَثِ قَلْبِكَ.

وَأَخِيرًا يَنْبَغِي أَنْ تُدْرِكَ أَيُّهَا الْكَرِيمُ أَنَّكَ مُقْبِلٌ عَلَى سُوقٍ عَظِيمٍ، وَمِيدَانٍ لِلْمُنَافَسَةِ كَبِيرٍ، فَلْيَكُنْ شِعَارُكَ وَأَنْتَ مُقْبِلٌ عَلَى هَذَا الشَّهْرِ: لَنْ يَسْبِقَنِي إِلَى اللَّهِ أَحَدٌ، فَالْمَرْحُومُ مَنْ رُحِمَ فِي رَمَضَانَ، وَالْخَاسِرُ مَنْ فَاتَتْهُ رَحْمَاتُ رَمَضَانَ.

اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا وَالْمُسْلِمِينَ رَمَضَانَ وَنَحْنُ بِأَحْسَنِ حَالٍ مِنَ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ السَّابِقِينَ الْمُتَّقِينَ، وَاجْعَلْنَا وَإِيَّاهُمْ مِنَ الْمَقْبُولِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

 

المشاهدات 466 | التعليقات 0