قبل أن تضيعَ أخلاقٌ وأعراضٌ

سامي بن محمد العمر
1447/08/03 - 2026/01/22 22:18PM

قبل أن تضيعَ أخلاقٌ وأعراضٌ

 

أما بعد:

الكلُّ يعلمُ أن الأمةَ المسلمةَ إنما تَنبني على تلكَ الأُسرِ الصغيرة المرتبطةِ بالزواج؛ الذي يحفظُ على الشابِ والشابّةِ دينَهما وعرضَهما ويضبطُ عليهما عواطفَهما فلا تمتدُّ العينُ إلى محرمٍ، ولا تهفُو النفسُ إلى محظورٍ، ولا يُجاوزانِ بالفطرةِ حدودَ الله([1]).

وفي الحديثِ الصحيحِ يقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا معشرَ الشبابِ، مَنِ استطاعَ منكم الباءةَ فَليتزوجْ، فإنه أَغَضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، .... الحديثَ) متفق عليه.

فليس الزواجُ علاقةَ يومٍ أو يومين؛ وإنما هو سكنُ أبدانٍ، ورِباطُ مودةٍ وحنان {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}

فالمودةُ: حبٌّ مع تعقُّل، وغرامٌ مع تبصُّر، وعاطفةٌ مع النظرِ في العواقبِ والنتائج، وهذه لوحدها لا تكفي لبناءِ أسرةٍ سعيدةٍ وعلاقةٍ وطيدة؛ حتى تُحاطَ من كل جوانبها بالرحمةِ في الأخذِ والمنع، والرضا والغضب، والفرحِ والتَّرح، والصفوِ الكدر!

والأزواجُ الحقيقيون هم الذين أقاموا بيوتهم على أساسِ الحبِ والتفاهمِ والتعاون، وأحاطوه بسياجِ الرحمةِ والعطفِ واللين؛ فصارت بيوتهم كالجِنانِ ولو كان فيها مشاكل، وحلّ فيها الأمانُ ولو وُجدت بها مُنغِّصات.

وهذه البيوتُ المؤمنةُ هي نواةُ الأمةِ الإسلاميةِ وحجرُ الأساسِ في بنائِها ونهضتِها، فالواجبُ على عقلاءِ الأمةِ أن يُيَسِروا أمرَ نشأةِ هذه البيوت وتكوينِ تلك الأسر:

أولاً: بتيسير الزواجِ وعدمِ المغالاةِ في المهور، وتركِ الإسرافِ في الحفلاتِ والمناسباتِ التي تُخالفُ السُّنةَ بذْخاً وتبذيرًا، وتُرهِق الشبابَ ديْناً وتفكيرًا.

 عن أبي العجفاء السلمي، قال: خطبنا عمرُ رضي الله عنه فقال: "‌ألا ‌لا ‌تُغالوا ‌بصُدُقِ ‌النساء، فإنها لو كانت مَكرمةً في الدنيا، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصدقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأةً من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأةٌ من بناته أكثرَ من ثنتي عشرة أوقية"([2]).

وثانياً: بإعانة الراغبين في الزواج مادياً ومعنوياً، فإن إعفافَ الشباب من أعظم القربات.

وبذلُ النصحِ والمشورةِ الصادقة، وبذلُ الدعمِ المالي من العطايا والهدايا والصدقات والزكوات عند الحاجة؛ يحققان هذا الإعفاف، ونكون سبباً في حصول وعد الله تعالى لهم في قوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:32] وفي قول رسوله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثةٌ ‌حَقٌّ ‌على ‌اللهِ ‌عَوْنُهُمْ: - وذكر منهم - والنَّاكِحُ الَّذِي يُريدُ العَفَافَ))([3]).

وثالثاً: بالانتباه والحذرِ من تلك الدعواتِ المسمومةِ التي تحثُّ على العزوفِ عن الزواج، فإن كثيراً من أبناء هذا الجيل قد غَرِق في لـُججِ وسائلِ التواصلِ الحديثة؛ فاطَّلعَ من خلالها على حياةٍ مزيفةٍ لمشاهيرَ صعدوا على أكتافنا ليفسدوا العقولَ ويلوثوا المفاهيم؛ ويصوروا - من حياتهم بلا زواجٍ - مقاطعَ يظنُّ أولادُنا أنها منتهى السعادةِ وغايةَ التطلعات.

وإذا ما أعرض أولادنا (شبابًا وشابات) عن الزواج في ربيعِ حياتهم ونسماتِه وأزهارِه وبهجتِه وقوّتِه، ضاع على الأمة نبات ذلك الربيع، وثمرةُ الخصب ونماؤُه وزكاؤُه، ثم تضيع بسبب ذلك أخلاقٌ وأعراضٌ وأموالٌ، وإذا زادت هذه الفاشية فشوًّا، واستحكم هذا الداء الفاسد، فإن الأمة تتلاشى في عشرات من السنين([4]).

وتلك هي الفتنة فاحذروا مغبتها أيها المؤمنون العقلاء، وأطفئوا فتيلها بالإنكار، واحفظوا مجتمعكم من التدهور والانهيار.

 

الخطبة الثانية

عباد الله:

هذه سوق الدنيا – هذه الأيام - تُزخرف لنا سِلَعها التي طالما انخدعنا بها، وانجرفنا في سيلها؛ فلا هي التي أشبعت شهواتنا ولا هي التي أيقظت غفلاتنا.

وتلك سوق أخرى تُعقد هناك.. في قلوب حية، وعقول فطنة، وأرواح سعيدة.

تلك سوق أخرى تُعقد هناك.. تُهيّأُ فيها الأرواحُ بالطاعاتِ وتُجملُّ بالقربات، لتُباعَ إلى ربها بثمن عظيم وأجر كبير:

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]

{فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]

هذه سوقُ العباد الذين تجهزوا لاغتنام الأوقات، والتزود من الباقيات الصالحات قد بدأت في شهر شعبان لترويضِ النفوسِ الجامحة، وتدريبِ الأجسادِ اللاهية، وتنبيهِ العقولِ الغافلة.

شرعها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بفعله فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ ([5]).

عَنْ أُسَامَة بْن زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: (ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) ([6]).

اللهم بلغنا شهر رمضان ...

 



([1]) آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 295)
([2]) أخرجه أبو داود (2106) وغيره وصححه الألباني.
([3]) أخرجه الترمذي (1655) وغيره، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
([4]) آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 293) بتصرف
([5]) رواه البخاري ( 1868 ) ومسلم ( 1156 ) .
([6]) رواه النسائي ( 2357 ) وحسَّنه الألباني في " صحيح النسائي " .

المرفقات

1769109471_قبل أن تضيع أخلاق وأعراض.pdf

1769109487_قبل أن تضيع أخلاق وأعراض.docx

المشاهدات 560 | التعليقات 0