قُتل أصحاب الأخدود

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الوليِّ الحميدِ، ذي العرشِ المجيدِ، الفعّالِ لما يريدُ، أحمدُه سبحانه وأشكرُه، وعدَ الشاكرينَ بالمزيدِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شهادةَ الإخلاصِ والتوحيدِ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أفضلَ الأنبياءِ وخيرَ العبيدِ، صلى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آلهِ وأصحابِهِ وأزواجِهِ وذريتِهِ إلى يومِ المزيدِ،

أمّا بعد: ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ 102ﵞ.  

أما بعد: القصصُ والأخبارُ جندٌ من جنود الله، يُثبّتُ الله بها القلوبَ المؤمنة، ويهدي بها العقولَ الحائرة، ويبعث من خلالها في النفوسِ معانيَ الثبات، وإذا كانت تلك القصصُ من مِشكاةِ النبوة؛ ازدادت نورًا على نور، وصارت هدايةً وعظةً لا تبلى على مر الأزمان.

  ومن أبلغ هذه القصصِ وأعظمِها أثرًا؛ قصةُ أصحابِ الأخدود، قصةُ ذلك الإيمانِ الصادقِ، والصبرِ الذي لم يتزعزع، والثباتِ أمام الفتن، لقد استحقت تلك القصةُ العظيمةُ الخلود، و أنزل اللهُ في شأنها سورةً عظيمة تُتلى إلى قيام الساعة، وجاء تفصيلُ هذه القصةِ في السنة النبوية، فأرعوني أسماعكم لها، واستدروا مدامِعَكم ففي هذه القصةِ موعظةٌ ونور.  

روى مسلم في صحيحه من حديث صُهَيْبٍ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «كانَ مَلِكٌ فيمَن كانَ قَبلَكُم، وكانَ لَهُ ساحِرٌ، فلمَّا كَبِرَ قالَ للملكِ: إنِّي قد كَبِرتُ، فابعَثْ إليَّ غلامًا أُعَلِّمْهُ السِّحرَ. فبعثَ إليه غلامًا يُعلِّمُه، وكان في طريقِه إذا سَلَكَ راهبٌ، فقعَدَ إليه وسمِعَ كلامَه فأعجَبَه، فكان إذا أتى الساحرَ مَرَّ بالراهبِ وقعدَ إليه، فإذا أتى الساحرَ ضَرَبَه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له: إذا خِفتَ الساحرَ فقل: حَبَسَني أهلي، وإذا خِفتَ أهلك فقل: حَبَسَني الساحرُ. فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابَّةٍ عظيمةٍ قد حبستِ الناسَ، فقال: اليومَ أعلمُ الساحرُ أفضلُ أم الراهبُ؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهمَّ إن كان أمرُ الراهبِ أحبَّ إليكَ من أمرِ الساحرِ فاقتلْ هذه الدابَّةَ حتى يمضيَ الناسُ، فرماها فقتلها، ومضى الناسُ، فأتى الراهبَ فأخبره، فقال له الراهبُ: أي بُنَيَّ، أنت اليومَ أفضلُ منِّي، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستُبتلَى، فإن ابتُلِيتَ فلا تدلَّ عليَّ. وكان الغلامُ يُبرِئُ الأكمهَ والأبرصَ، ويُداوي الناسَ من سائرِ الأدواءِ، فسمعَ جليسٌ للملكِ كان قد عَمِيَ، فأتاه بهدايا كثيرةٍ فقال: ما هاهنا لك أجمعُ إن أنت شفيتَني، فقال: أنا لا أَشفي أحدًا، إنما يشفي اللهُ، فإن آمنتَ باللهِ دعوتُ اللهَ فشفاك، فآمنَ باللهِ فشفاهُ اللهُ.

فأتى الجليس عند الملك، ــــ وقد عاد إليه بصره ــــ وجلسَ إليه كما كان يجلس، فقال له الملكُ: من ردَّ عليك بصرك؟ قال: ربِّي. قال: أَوَ لك ربٌّ غيري؟ قال: ربِّي وربُّكَ اللهُ. فأخذه فلم يزل يعذِّبه حتى دلَّ على الغلام. فجِيءَ بالغلام، فقال له الملكُ: أي بُنَيَّ، قد بلغ من سِحرك ما تُبرِئُ الأكمهَ والأبرصَ وتفعلُ وتفعلُ؟ فقال: إنِّي لا أَشفي أحدًا، إنما يَشفي اللهُ. فأخذه فلم يزل يُعذِّبه حتى دلَّ على الراهب. فجِيءَ بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمِنشار فوُضِع في مَفْرِقِ رأسه فشُقَّ حتى وقع شِقَّاه. ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، ففُعل به كما فُعل بالراهب، ثم جِيءَ بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروتَه فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به، فصعدوا به الجبل، فقال: اللهمَّ اكفِنيهم بما شئتَ، فرجف بهم الجبلُ فسقطوا، وجاء الغلام يمشي إلى الملك. فقال له الملكُ: ما فعل أصحابُك؟ قال: كفانيهِمُ اللهُ. فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقورٍ، ـــــ أي قارب ـــــ فتوسَّطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهمَّ اكفِنيهم بما شئتَ، فانكفأتِ السفينةُ فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك. فقال له الملكُ: ما فعل أصحابُك؟ قال: كفانيهم اللهُ. ثم قال الغلام للملك: إنك لستَ بقاتلي حتى تفعلَ ما آمُرك به. قال: وما هو؟ قال: تجمعُ الناسَ في صعيدٍ واحد، وتصلُبُني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم قل: باسمِ اللهِ ربِّ الغلام، ثم ارمني، فإنك إن فعلتَ ذلك قتلتَني. فجمع الناسَ في صعيدٍ واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم قال: باسمِ اللهِ ربِّ الغلام، ثم رماه، فوقع السهمُ في صُدغِه، ـــــ والصُدغ ما بين العين والأذن ـــــ فمات الغلام. فقال الناسُ: آمَنَّا بربِّ الغلام، آمَنَّا بربِّ الغلام، آمَنَّا بربِّ الغلام. فأُتِيَ الملكُ فقيل له: أرأيتَ ما كنتَ تحذر؟ قد والله نزل بك حَذَرُك، قد آمَن الناسُ. فأمر بالأُخدود في أفواه السِّكَك فحُفِرت، وأُضرِمَت فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فألقوه فيها. أو قيل له: اقتحم. ففعلوا، حتى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الصبي: يا أمَّه، اصبري فإنكِ على الحقِّ».

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ﵟوَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ 1 وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ 2 وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ 3 قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ 4 ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ 5 إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ 6 وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ 7 وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ 8 ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ 9 إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ 10 إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ﵞ ومن اللطائفِ أن الوصفَ بالفوزِ الكبير لم يُذكر في القرآنِ إلا في هذه السورة وفي هذه القصة. نعم، فعلى حافةِ الأخدود، وُلِد الخلود، وكُتبَ المجد، ومُنحَ المؤمنون الثابتون وسام ﵟذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ﵞ.  

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا جميعًا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّهِ المُصْطَفَى، أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: لَيْسَتْ كُلُّ القَصَصِ تُرْوَى لِلتَّسْلِيَةِ، وَلَا كُلُّ الأَخْبَارِ تُحْكَى لِلتَّأَثُّرِ العَابِرِ، فَهُنَاكَ قَصَصٌ كُتِبَتْ بِالدَّمِ، وَسُطِّرَتْ بِالعِزَّةِ لَا بِالكَلِمَاتِ، وَخَلَّدَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ لِتَبْقَى مَدْرَسَةً إِيمَانِيَّةً تُعَلِّمُ المُؤْمِنِينَ كَيْفَ يَكُونُ الثَّبَاتُ، وَكَيْفَ تُصْنَعُ المَوَاقِفُ الخَالِدَةُ، وَهَكَذَا كَانَتْ قِصَّةُ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ. وَمِنْ هَذِهِ القِصَّةِ تَجَلَّتْ لَنَا جُمْلَةٌ مِنَ الدُّرُوسِ وَالعِبَرِ، تُخَاطِبُ كُلَّ نَفْسٍ تُرِيدُ الثَّبَاتَ، وَتُعَلِّمُنَا كَيْفَ نَرْفَعُ رَايَةَ الحَقِّ وَلَوْ قَلَّ أَنْصَارُهُ. وَمِنْ هَذِهِ الدُّرُوسِ وَالعِبَرِ:

ـــــ أن أَهْلَ البَاطِلِ يَتَنَاصَرُونَ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَيَتَوَاصَوْنَ عَلَى بَقَائِهِ، فَالسَّاحِرُ مَا حَرَصَ عَلَى تَعْلِيمِ الغُلَامِ السحرَ إِلَّا لِيَبْقَى البَاطِلُ حَيًّا بَعْدَهُ، وَلَوْ لَمْ يَجْنِ مِنْهُ نَفْعًا. وَهَكَذَا شَأْنُ أَهْلِ البَاطِلِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، يَتَوَارَثُونَ الضَّلَالَةَ.

ـــــ وَمِنْ دُرُوسِ القِصَّةِ؛ عِظَمُ شَأْنِ التَّرْبِيَةِ؛ فَالغُلَامُ لَمْ يُولَدْ بَطَلًا، وَإِنَّمَا صُنِعَ عَلَى يَدِ مُرَبٍّ صَادِقٍ، سَقَاهُ الإِيمَانَ، وَرَبَّاهُ عَلَى الحَقِّ، فَلَمْ يَسْتَصْغِرْ سِنَّهُ وَلَمْ يَزْدَرِ طَاقَتَهُ. ثُمَّ خَرَجَ الغُلَامُ يَحْمِلُ نُورَ التَّوْحِيدِ، يُوَاجِهُ بِهِ سُلْطَانَ الشِّرْكِ، حَتَّى بَذَلَ رُوحَهُ رَخِيصَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَانَ مَوْتُهُ حَيَاةً لِأُمَّةٍ. وَهَكَذَا تُدْرِكُ الأُمَمُ أَنَّ صِنَاعَةَ الرِّجَالِ تَبْدَأُ مِنْ تَرْبِيَةِ القُلُوبِ، وَأَنَّ فِي الأَبْنَاءِ بُذُورَ نَهْضَتِهَا إِنْ أُحْسِنَ غَرْسُهَا.

ـــــ ومنها أن نتوجّهَ إلى الله عند الحيرة، ونسألَه الهداية والسداد، فالغلامُ لمّا احتارَ بين أمر الراهبِ والساحر، أيهما على حق، سأل اللهَ، فدلّه الله وهداه، وبيّن له طريق الحق، فقل دائمًا وأبدًا: (اللهم اهدني وسددني).

ــــ وَمِنْهَا: تَعْلِيقُ القُلُوبِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؛ فَقَدْ كَانَ الغُلَامُ يُجْرِي اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ البُرْءَ وَالشِّفَاءَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَرْضَ أَنْ تُعَلَّقَ القُلُوبُ بِهِ، فَكَانَ يَرُدُّ الأَمْرَ إِلَى أَصْلِهِ، فَإِذَا طُلِبَ مِنْهُ الشِّفَاءُ يَقُولُ: "أَنَا لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا الَّذِي يَشْفِي هُوَ اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِهِ دَعَوْتُهُ لَكَ فَشَفَاكَ". أَرَادَ أَنْ تُرَبَّى النُّفُوسُ عَلَى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، وَأَلَّا تَنْتَقِلَ مِنْ تَعْظِيمِ الخَالِقِ إِلَى تَعْظِيمِ المَخْلُوقِ، فَحَرَسَ العَقِيدَةَ مِنْ أَوَّلِ طَرِيقِهَا، وَسَدَّ أَبْوَابَ الغُلُوِّ قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ.

ــــــ وَمِنْهَا: كَمَالُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ؛ وَتَمَامُ الثِّقَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ، إِذْ لَمَّا أُخِذَ الغُلَامُ لِيُلْقَى مِنْ شَاهِقِ الجَبَلِ إِنْ أَبَى الرُّجُوعَ عَنْ دِينِهِ، لَمْ يَجْزَعْ وَلَمْ يَسْتَغِثْ بِغَيْرِ رَبِّهِ، وَإِنَّمَا قَالَ كَلِمَةَ المُوقِنِ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ». وَيَا لَعَظِيمِ مَا فِي هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنْ غَايَةِ التَّوَكُّلِ وَالتَّفْوِيضِ وَالاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ؛ فَكَانَتْ كَلِمَةَ صِدْقٍ خَرَجَتْ مِنْ قَلْبٍ امْتَلَأَ يَقِينًا، فَحَفِظَهُ اللَّهُ بِهَا، ووقاه الله سيئات ما مكروا.

ـــــ وَمِنْهَا: الإِصْرَارُ عَلَى تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ؛ فَقَدْ نَجَا الغُلَامُ مِنَ المَوْتِ مَرَّتَيْنِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَفِرَّ بِدِينِهِ، وَلَمْ يَلْتَمِسِ السَّلَامَةَ لِنَفْسِهِ، بَلْ عَادَ إِلَى المَلِكِ يَحْمِلُ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي صَدْرِهِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى الإِيمَانِ غَيْرَ هَيَّابٍ وَلَا مُتَرَدِّدٍ. عَادَ وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ هِدَايَةَ المَلِكِ نَجَاةٌ لِلأُمَّةِ، وَأَنَّ البَلَاغَ أَمَانَةٌ لَا يَسُوغُ الفِرَارُ مِنْهَا، فَمَضَى ثَابِتَ القَلْبِ، وَاثِقًا بِمَعِيَّةِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ.

ـــــ وَفِي قِصَّةِ الغُلَامِ تَتَجَلَّى حَقِيقَةُ التَّضْحِيَةِ فِي سَبِيلِ العَقِيدَةِ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا؛ إِذْ لَمْ يَفِرَّ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُسَاوِمْ عَلَى دِينِهِ، بَلْ دَلَّ المَلِكَ الظَّالِمَ عَلَى السَّبِيلِ الَّذِي يَقْتُلُهُ، وَقُتِلَ فِي سَبِيلِ إِحْيَاءِ التَّوْحِيدِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ. فَقَدْ آثَرَ أَنْ يُزْهَقَ جَسَدُهُ لِيَبْقَى الحَقُّ، وَأَيْقَنَ أَنَّ الحَيَاةَ لَا تُوزَنُ بِطُولِهَا، بَلْ بِمَا تُثْمِرُهُ مِنْ إِيمَانٍ، فَكَانَ دَمُهُ رِسَالَةً، وَثَبَاتُهُ دَعْوَةً، وَمَوْتُهُ حَيَاةً لِأُمَّةٍ كَامِلَةٍ.

ـــــ وَتُعَلِّمُنَا هَذِهِ القِصَّةُ المِيزَانَ الحَقَّ لِلنَّصْرِ وَالهَزِيمَةِ؛ فَلَيْسَتِ الهَزِيمَةُ فِي قَتْلِ المُؤْمِنِينَ، وَإِزْهَاقِ الظَّالِمِينَ لِنُفُوسِ المُصْلِحِينَ، وَإِنَّمَا الهَزِيمَةُ وَالخَسَارَةُ الحَقِيقِيَّةُ أَنْ يَتَخَلَّى المَرْءُ عَنْ دِينِهِ، أَوْ يَتَنَازَلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ، أَوْ يَبِيعَ الحَقَّ بعرَضٍ من الدنيا قليل. وَلَيْسَ النَّصْرُ فِي سَلَامَةِ الأَجْسَادِ، وَلَا فِي حِفْظِ الأَمْوَالِ وَالمَنَاصِبِ، وَإِنَّمَا النَّصْرُ أَنْ يَثْبُتَ القَلْبُ عَلَى الإِيمَانِ، وَأَنْ يَمُوتَ صَاحِبُهُ وَهُوَ مُتمسِّكٌ بِالحَقِّ غَيْرَ مُبَدِّلٍ وَلَا مُفَرِّطٍ.

نَعَمْ، لَقَدْ قُتِلَ الغُلَامُ، وَأُحْرِقَ المُؤْمِنُونَ، لَكِنَّهُمْ رَبِحُوا أَعْظَمَ الرِبْح؛ إِذْ ثَبَتُوا عَلَى تَوْحِيدِهِمْ، فَاسْتَحَقُّوا وَعْدَ الحَقِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾

ــــ وَمِنْ دُرُوسِ هَذِهِ القِصَّةِ أَنَّ الِابْتِلَاءَ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، وَطَرِيقٌ مُمْتَدٌّ لَا يَنْقَطِعُ؛ بِهِ تُمحَّصُ الصُّفُوفُ، وَتُعْرَفُ المَعَادِنُ، وَيَتَمَيَّزُ الصَّادِقُ مِنَ المُدَّعِي. فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَتْرُكَ الإِيمَانَ دَعْوَى تُقَالُ، حَتَّى يمتَحِنَ أَصْحَابَهَا، وَيُرَى مَنْ يَثْبُتُ عَلَى الحَقِّ وَمَنْ يَنْكُصُ عَنْهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.

ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ البَرِيَّةِ وَأَزْكَى البَشَرِيَّةِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

 

 

المرفقات

1768449092_��قُتل أصحاب الأخدود�.docx

1768449092_��قُتل أصحاب الأخدود�.pdf

المشاهدات 216 | التعليقات 1