قصة أصحاب الأخدود ودروس الثبات ) مختصرة)
فهد فالح الشاكر
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ
لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُثَبِّتُ الْقُلُوبَ عِنْدَ الْفِتَنِ تَدَبُّرَ قَصَصِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ حِكَايَاتٍ تُرْوَى، بَلْ حَقَائِقُ تُبْنَى بِهَا الْعَقِيدَةُ وَتُرَبَّى بِهَا النُّفُوسُ، وَيُرْسَخُ بِهَا الثَّبَاتُ عَلَى دِينِ اللَّهِ
وَمِنْ أَعْظَمِ تِلْكَ الْقِصَصِ قِصَّةُ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ الَّتِي خَلَّدَهَا اللَّهُ فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ، حِينَ قَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾.
قَوْمٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، فَحُفِرَتْ لَهُمُ الْخَنَادِقُ، وَأُضْرِمَتْ فِيهَا النِّيرَانُ، وَأُلْقُوا فِيهَا أَحْيَاءً؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ
وَمَا كَانَتْ جَرِيمَتُهُمْ قَتْلًا وَلَا فَسَادًا، إلا أنّهم أمنوا باللهِ العزيزِ الحميد، كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا:
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
وَقَدْ فَصَّلَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي حَدِيثِ الْغُلَامِ وَالْمَلِكِ، حِينَ آمَنَ النَّاسُ بِاللَّهِ عَلَى يَدِ غُلَامٍ صَغِيرٍ فَغَضِبَ الْمَلِكُ، وَحَفَرَ الْأُخْدُودَ، وَأَوْقَدَ النَّارَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ أُلْقِيَ فِيهَا، فَثَبَتَ الْمُؤْمِنُونَ، رِجَالًا وَنِسَاءً، شُيُوخًا وَأَطْفَالًا، حَتَّى إِنَّ امْرَأَةً تَرَدَّدَتْ، فَقَالَ لَهَا رَضِيعُهَا:
«يَا أُمَّهِ اصْبِرِي، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ»،
فَاقْتَحَمَتِ النَّارَ، وَفَازَتْ بِالْجَنَّةِ.
فَتَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ الْإِيمَانُ أَغْلَى مِنَ الْحَيَاةِ وَكَيْفَ يَكُونُ الثَّبَاتُ أَعْظَمَ مِنَ الْخَوْفِ، وَكَيْفَ تَكُونُ نَارُ الدُّنْيَا جِسْرًا إِلَى جَنَّةِ الْآخِرَةِ، وَانْظُرُوا إِلَى حَالِنَا الْيَوْمَ كَمْ مِنْ مُسْلِمٍ يُفْتَنُ بِمَالٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ شَهْوَةٍ أَوْ خَوْفٍ مِنَ النَّاسِ، فَيَبِيعُ دِينَهُ، وَقَوْمُ الْأُخْدُودِ وَاجَهُوا النَّارَ وَلَمْ يَبِيعُوا إِيمَانَهُمْ.
فَوَاللَّهِ لَوْ كُشِفَتِ السُّتُورُ لَرَأَيْنَا أَهْلَ الثَّبَاتِ فِي نَعِيمٍ وَأَهْلَ التَّفْرِيطِ فِي نَدَمٍ لَا يَنْقَضِي، وَلَوْ سَمِعْنَا أَصْوَاتَ الْقُبُورِ لَسَمِعْنَا أَكْثَرَهَا يَقُولُ: يَا لَيْتَنَا صَبَرْنَا وَلَمْ نَبِعِ الدِّينَ بِالدُّنْيَا، فَاثْبُتُوا عَلَى الْحَقِّ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ الْجَنَّةِ يَمُرُّ عَلَى جَمْرِ الصَّبْرِ، وَلَا يَفُوزُ فِيهِ إِلَّا مَنْ ثَبَتَ وَلَمْ يَتَزَحْزَحْ.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَارْزُقْنَا صِدْقَ الْإِيمَانِ وَحُسْنَ الْخَاتِمَةِ، وَلَا تَفْتِنَّا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ لَيْسَتْ لِلْقِرَاءَةِ فَقَطْ، بَلْ لِلِاقْتِدَاءِ وَالثَّبَاتِ، فَمَنْ عَاشَ مَعَهَا هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا، وَعَظُمَ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانُ وَصَغُرَ عِنْدَهُ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى دِينِكَ، وَاخْتِمْ لَنَا بِالصَّالِحَاتِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّاتِ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاجْعَلْهُمْ عَوْنًا لِلْحَقِّ، وَسَبَبًا فِي حِفْظِ الدِّينِ وَالْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، وَأَدِمْ عَلَى أَوْطَانِنَا الْأَمْنَ وَالْإِيمَانَ وَالِاسْتِقْرَارَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا، وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
المرفقات
1768537346_قصة أصحاب الأخدود ودروس الثبات .pdf