قصة أيوب عليه السلام-المرض والابتلاء-

تركي بن علي الميمان
1447/07/26 - 2026/01/15 09:32AM

عنوان الخطبة : قصة أيوب عليه السلام-المرض والابتلاء-

الخطبة الأولى:                                                            الحمدلله العظيم في قدره، العزيز في قهره، العالم بحال العبد في سره وجهره، أحمده على القضاء حلوه ومره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا.                     أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[آل عمران:102]                           عباد الله: قصص القرآن أحسن القصص، وقصص القرآن فيها عبرة وعظة؛ وأعظم القصص في القرآن: قصص الأنبياء عليهم السلام. ومن هؤلاء الأنبياء: قصة أيوب عليه السلام.

ذُكر في القرآن قصة أيوب عليه السلام في موضعين: في سورة الأنبياء وسورة ص؛ وكان الحديث فيها عن ابتلاء أيوب عليه السلام.

قال الله تعالى:{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ. وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}[ص:41-44]

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ} وتضرعَّ إليه واستغاث به؛ بعد أن ابتلاه الله بالضر الذي أصابه.

ونداء أيوب لربه ليكشف عنه ضرَّه، وكان نداءه:{أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}؛ أطلَعَ أيوبُ في ندائه ربه على حاله وابتلائه ومرضه، وهو يعلمُ أن ربه مطَّلع عليه، عالم بحاله، لكنه يريد أن يسأله ويتضرَّع إليه ويدعوه ليكشف هذا الضر. و(الضُّرُّ): هو الأذى والمرض الذي أوقعه الله على جسمه، وكان مدة طويلة من الزمن.

ويدل قول أيوب عليه السلام: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ}، على أن الله ابتلاه ابتلاءً عاماً، فأوقع به ضُراً مطلقاً، شاملاً لعدة أنواع من المكروه والأذى.

مسه الضُرُّ في نفسه وبدنه، حيث أصابه المرض والضعف، ومسه الضُرُّ                          في أهله وأولاده، ومسه الضُرُّ في أمواله وممتلكاته، وفي الآية الأخرى قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}[ص:41]

فنسب أيوب عليه السلام ما مسَّه من نُصْبٍ وعذاب إلى الشيطان،   وهذا من أدبه مع الله، كما في الحديث: «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[مسلم(771)]، وإلا فإنَّ الله هو الذي قدَّر أن يبتليه، ويوقع به الضر، لأن الله هو الذي يفعل ما يشاء، ويوقع بعباده ما يشاء، وكلُّ ما يصيبهم من ضُرٍّ أو نفع، وخير أو شر، فهو من الله في الحقيقة، لأنَّ الأمورَ كلَّها بيده، والخلْقُ خَلْقُه، والأمرُ أمرُه، والفعلُ فعلُه سبحانه.

لكنَّ ما يصيبُ الناسَ من ضرٍّ أو مصيبة فبسبب أفعالهم:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}[الشورى: 30]

إنَّ أفعالَهم سببٌ ماديٌّ ظاهريٌّ لما يصيبهم، أما المسبِّبُ والمقدِّرُ والمريدُ فهو الله سبحانه، فما يصيبُ العبادَ منسوبٌ إليهم كسباً وسعياً، ومنسوبٌ إلى الله خلقاً وإرادة.

ثم تأدب أيوب عليه السلام في دعائه حيث ذكر رحمة الله الغامرة، فقال: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، فتوسل إلى الله برحمته أن يكشف عنه ضره، فالله رحمن رحيم، وهو أرحم الراحمين. إنه لم يُفصِّل في الضُرِّ الذي مسَّه، وليس في دعائه شكوى أو سخط.

وبعدما دعا أيوب عليه السلام ربه استجاب الله له، فكشف عنه ضره :{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ}[الأنبياء:84].

فالدعاء سبب في الاستجابة، لكنّ المسببَ والمقِّدرَ والمريدَ هو الله سبحانه؛ وهذا هو معنى قوله سبحانه:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر: 60]

ولما شكى أيوب عليه السلام أمره وضرَّه إلى الله، بمنتهى الأدب أرشده الله إلى العلاج، فقال له:{ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}أي: اضرب الأرض برجلك. فأنبع الله عيناً من الماء البارد، وهذه معجزة من معجزات الله. فجعله الله سبباً لشفاء أيوب من الأرض، وإزالة الضرِّ عنه، فأمره بالاغتسال بهذا الماء ثم الشرب منه:{هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}.

وساق الله لأيوب عليه السلام معجزة أخرى إنعاماً عليه، حيث أفاض عليه المال إفاضة. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ» [رواه أحمد(8159)، وأصله في البخاري (279)]

وبعدما عافى اللهُ أيوبَ من ضُرِّه ونصبه، عوَّضه أهله وماله، فقال:  

{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ}[ص:43].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[الأنعام: 17] بارك الله لي ولكم في القرآن..                             

الخطبة الثانية:                                                        الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى.                                                أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200]                           عباد الله: لقد أثنى الله على أيوب عليه السلام بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}.

وهذه ثمرةُ قصة ابتلاء أيوب عليه السلام، حيث نال فيها هذه الشهادة العظيمة من الله سبحانه. شهد الله له بأنه صابر، صبر على المحنة حتى مضت وانقضت، وأعقبها الفرج والرخاء.

وشهد الله بأنه نعم العبد، حيث حقق عبوديته لله، وزاده الابتلاء خضوعاً  واستسلاماً لله، ورضىً بقدر الله، واحتساباً للأجر عند الله.

وشهد الله بأنه أوَّاب، رجّاع إلى الله، حريص على رضاه كثير الذكر له، صبر في حالة الضراء لأنه أواب، وشكر في السراء لأنه أواب.

وتبقى قصة أيوب عليه السلام، معلماً واضحاً من معالم الابتلاء بالضراء ثم إتباعه بالسراء. ويبقى أيوب عليه السلام قدوة لأصحاب الابتلاء، لأنه صار مضرب المثل في الصبر والاحتساب، ثم في التضرع والدعاء، ثم في الفرج والرخاء.

قال الفضل بن سهل: إن في العِلل لنِعماً لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها: تمحيص الذنوب، والتعرض لثواب الصبر، والإيقاظ من الغفلة، والاذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء التوبة، والحض على الصدقة.[البصائر والذخائر(1/188)]

فلنتق الله تعالى-عباد الله-، ولنأخذ العبرة والعظة، وليقتدي أصحاب الابتلاء بأيوب عليه السلام في ابتلائه، ليصبروا كما صبر، ويتحمَّلوا كما تحمَّل، ويرضوا بقدر الله كما رضي هو، ويُقبلوا على الله كما أقبل هو،  ويتضرَّعوا إلى الله كما تضرع هو، وينتظروا الفرج من الله كما انتظر هو. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.               وصلوا وسلموا على نبيكم محمد

المرفقات

1768458713_قصة أيوب عليه السلام - المرض والابتلاء.docx

1768458734_قصة أيوب عليه السلام - المرض والابتلاء.pdf

المشاهدات 226 | التعليقات 1

جزاك الله خيرا